إنك وحدك - فيما أعلم - الذي تستطيع بلسانك الفارسي أن تسلك القلم العربي المبين في هذه الناحية التي عنت لي في دراسة الأدب العباسي. تلك الناحية هي تأثير اللغة العربية في اللغة الفارسية تأثيراً شاملاً لا ريب فيه، وتلك الثغرة أتقدم إلى فتحها في البحث الأدبي إذ المستفيض في كتابات الناس
على كثرتها وتنوعها أنها لم تتعد الحديث عن تأثير الفارسية في العربية تأثيراً عاماً في الألفاظ والأساليب والأخيلة والمعاني وكل ما يضرب في هذه السبل، ويذهبون في العوامل التي أدت إلى ذلك كل مذهب، وليس يعنينا هنا أن نقول إن العربية اقتحمت على الفارسية مما قلها أو كادت تمحوها حيناً من الحين،
أو أن نتاج العقول الفارسية الراجحة إنما هو بالعربية، إذ كان شعر الشاعر منهم بالعربية كبشار، وأدب الأديب منهم بالعربية كابن المقفع، وتأليف المؤلف منهم بالعربية كابن قتيبة والطبري، نعم هذا حسن ولكني أعتقد أن هناك شيئاً وراء ذلك كله وهذا الشيء لم يعرض له أحد من الباحثين فيما قرأت من تواريخ اللغة والأدب. وهل رأينا أحداً ألف كتاباً أو بحث بحثاً في تأثير اللغة العربية في الفارسية وآدابها. لا نقول إن هذا لون في البحث لا يعرض له مؤرخ الفارسية وأدبها، فالباحث الحديث لا يقف قلمه عند النظرة البدائية أو نظرة الطائر كما يقولون. والمهم هنا هو أن أنص بقوة على أن اللغة الفارسية لا بد أنها تأثرت تأثيراً عميقاً باللغة العربية في الألفاظ والأساليب والأخيلة والمعاني والأفكار، إذ المعلوم أن سريان مثل هذه التأثيرات شيء معنوي لا يمكن أن تضع يدك عليه وتقول إنه وصل إلى هنا وابتدأ من هناك، أو تستطيع أن تقف تياره عند حد معين، فذلك بالماديات أليق، وإذا كان كذلك فإني أتقدم إلى الدكتور الفاضل عبد الوهاب عزام راجياً أن يسلك القلم في هذا الموضوع الخطير وله في العربية العرفان بالجميل، وهذه إشارة عجلان لعلها تحظى بالجواب من العالم الوقور.

