) كان ( :
وهو منتظر دخولها عليه .
منتظرا بين اصوات وغواش تطلقها على اذنيه وتبثها في روعه طوائف من الخواطر وموجات من العواطف وشخوص من الآحلام . تبرد جميعا إلي ذاكرته حيث لا يدري ، وكان يجول بخياله في بيداء من الامال يفتش في عرصاتها عن اشياء يتمناها ولا يدرك بفكره حقيقتها ولا ببصره صورتها .
وإنما ترسم هذه الأشياء على مرآة تصوره فيود لو تظهر صورتها بينة وتنجلي هذه الأشياء كما تنجلي السماء الصافية في اليوم الشموس . فيتبين له كيف يقطف ثمارها وكيف ينعم بلذة اليقين الذي لا يدانيه شك ولا يداخله ادق ريب في سمو هذه الأشياء المبهمة ونفاسة معدنها . .
وليس حاله هذا الحال فحسب ، وإنما كانت تنهال عليه
جيوش من الهواجس التي كان لها وثيق الاتصال بتربيته والتي لها تمام الامتزاج في ثقافته وتجاريبه في سبل الحياة ومعلومات العيش حلوه ومره .
وكان فوق ذلك له خيال يرتفع حتى طبقات السماء يجوس خلالها متطلعا إلى اقباس من النور تظهر له مشرقة . ينظر إشراقها في عين ذلك الامل البعيد ، و كذلك يتبينها من خلف قطع من الليل البهيم وطخية من ضلالات الزمن العنيد . .
وكذلك كان يغور بفكره في بواطن انظمة الحياة التى يريد ان يحياها مع تلك المخلوقة التي هو في صدد انتظارها . .
ومع هذا كله كان يسائل نفسه قائلا : تري ما الذي يجب على ان اطلبه اولا ، وانشده أن يكون مع تلك المخلوقة التي أريد أن أجعلها ميناء تلجأ إليها سفني الهائمة في يم الحياة ولجتها
ثم من هذه الخواطر ، تراه يطلق لفكره العنان لاجا في هذه الآمال السابقة .
ومن هذه الآمال الغر الزاهرة . كان يود لو يأتيه الوحي من بين يديه ومن خلفه ليعلم منه علم اليقين ، عما تكون عليه هذه المخلوقة من البدائع والروائع . .
وكانت تتوارد عليه مجموعة من الاسئلة منها ما هو مشرق ومنها ما هو مغرب ، ولا يبقى في يقينه منها إلا هل هي حسناء ، حسانة ، وسيمة ؟ هل هي قسيمة غانية رائعة ؟ وهل هي معطال مكسال باهرة ؟ إلى غير ذلك من مثل هذه الأسئلة الكثيرة في هذه الناحية الواسعة . وليت الامر مقتصرا على هذه الأسئلة فحسب .
وإنما هنالك أسئلة تأتيه من ناحية اخرى غير هذه الناحية ، وهذه الأسئلة تأتيه وبين يديها طوائف من المسائل ولا يثبت في رويه منها إلا امهاتها ، فينفس بها عن صدره قائلا : وهل هي ظريفة اللسان بديعة البيان كاملة تربية الحواس . . وياليتها حية الضمير رقيقة الإحساس هياجة العاطفة .
ثم يرجع معللا نفسه : مالى ولهذا كله ؟ إني لراكب شططا . . ثم يقول لخواطره مبكتها . . وهل يوجد هذا كله عند فتاة حدثة السن ؟
وهل عرفت أنثى تكامل هذه السمات أو تخلقت امرأة بكل هذه الخلائق النفيسات .
وهنا يتنفس قائلا : مالى ولهذا ؟ إنه لأجل وأسمى مما طويت عليه كشحا وجعلته شططا . .
ولم تكد ترجع عند هذه الوجدانيات من هذه الجهة . حتى تنهال عليه من جهة اخري : طوائف من الخواطر الديمقراطية ، تسوق بين يديها كثيرا من الذكريات والصور ، فتدور جميعا طائرة بخياله ذاهبة بلبه إلى ما لا نهاية له . .
ومن هذه الخواطر يتسني له أن يرجع الكرة أخرى . . مستعرضا مجسا عوالم المستقبل الذي يتمناه والذي يأمل ان يتيه دلالا بين روضاته وأنهاره وبين ازهاره وأثماره . فينفذ من كل هذه الخواطر قائلا : نعم . نعم . إن هذا لشئ عظيم ! ويليق بها اخري ان تدرك المعاني التي يحبا بها الروح وتنعم بها النفس ويجب ان يدرك من حدسها
جميع المؤثرات التي ينشئها الوهم والحق .
وما أجمل هذه إن وجدت تدرك ما أدرك ، وتري ما أري من الخواطر المثلي والضمير الأمثل والخوالج التي تفهم كلاما بلا اصوات تكلم ، والانغام التي يحيي بها القسم البيت من جسم الإنسان ، والنوازع التي في إخفائها وكبتها نفع ولذة ويسر أكثر مما في ظهورها وانتشارها . نعم ثم نعم . ويجب أن آنس من جانبها هذا وان اسألها عن كل سانحة وبارحة . ثم يقول : إن هذا لحلم عزيز . ولكني أري وجوده مستحيلا ولا اظنه موجودا في الرجال العباقرة ، فكيف أطلبه أن يكون موجودا عند صغار الفتيات ؟ وأوجب أن يكون عند هذه المخلوقة متيسرا متوفرا ؟ إن هذا لفي الحق ما لا يطاق . فكيف الزم هذه الإنسانة وأحملها ما لا يطاق ؟ إنه لأمر عظيم وإنه لواقع ما له من دافع . .
ومهما يكن فان طلبه لا يعد مستحيلا . فلا بد لي من طلبه ، فإذا لم أدركه كله فلعلي أدرك جله .
ومن هنا قد لاح له أن يسكن قليلا من مور تلك الخواطر والعواطف لعله يلقي هذه الفتاة ، منشرح الصدر صافي الضمير هاديء الروع قرير العين ، فيتيسر لها في ذاته الأنس والاطمئنان . ثم بعد برهة يردد ذلك المسكين انغامه قائلا : نعم نعم إن هذا لهو الحق المبين . فيتهيأ ساكنا . .
ولم يكد المسكين يحس أو يشعر بشيء من السكون . حتى استفزته خواطر أخري كانت كامنة في اصل فطرته . فتشكل هذه الخواطر أشخاصا تقول له . .
تذكرت ما تذكرت . وقد نسيت أن هنالك ما هو أولى بالتذكر وأجدر بالذكري . .
فتهتز لهذا النبأ المبهم العظيم كل ساكنة من جوارحه ، وتتكلم كل ملكة في نفسه قائلة مستفهمة : اي شئ هو هذا ؟ ) فيوحى إليه ألا إنه الحب ( فيضج كل ساكن منه مرددا تلك النغمة السابقة : نعم نعم . ألا إنه الحب .
ومن هنا يدخل المسكين طورا جديدا ، فيندفع مرغما آخذا في صنوف من الأحلام ومجموعات من الصور وهواجس شتى كلها مغايرة تمام المغايرة لتلك الهواجس التي كان آخذا في تصورها وتكوينها سابقا .
فترد كلها عليه أسئلة مجسمة مكبرة مزفوفة في عوالم من التصور مبلورة لا يوجد فيها إلا اطياف الحب وشخوصه وصوره ، ولا يفهم من تلك الأسئلة المزفوفة شئ يغاير مبادئ الحب وشرائعه وأصوله وفصوله .
فتتجلي هذه الأسئلة جميعا عليه وتتزين في مرآة يقينه حافة بها غرائزه ، وعواطفه ، وتحيط بها أحاسيسه وشعوره ، فيحس من أريجها فيضا يغمر نفسه وروحه وبردا يراه ساريا بين جلده ولحمه واصلا إلى قلبه ونفسه . فينجذب مفتونا بلذاتها مأخوذا بسحرها .
فلذا يتنفس المسكين قائلا أيما والحب إنه لا شئ في هذه الحياة الدنيا إلا وهو مفتقر إلى الحب . . الحب ! وأي شئ اعرف فضله او أفهم إعجازه ، أو يحلو لدى طعمه أو يعزو على قدره ونفاسة معدنه إلا الحب ؟ الحب هو الفيصل القائم بين الرضى والراحة والشعور بالجمال والكرامة والسعادة بالحياة الدنيوية والأخروية وبين السخط والقبح والشقاء والشناعة والشعور بكل ذلك في الحياة وبعد الممات .
الحب ! ولولا ان من الله على هذه الحياة الدنيا بالحب لكانت هي جهنم بذاتها . وإني لا اظن جهنم إلا اسما لدنيا يرفع الله من بين عرصاتها الحب .
ثم يسترسل في هذه الخواطر قائلا : يا ليت هذه المخلوقة إذا تعرف الحب وتتذوق مرارة الحب وحلاوته ، ويالا ليت قلبها تتأود فيه اغصان الحب وتنبت في غياضه بذور الحب نامية رابية تؤتي اكلها مرتين . لأن القلب الإنساني الأصيل معدن والمقطوعة من طينة الخلق الإنسانية لابد وان تكون خير مزرعة للحب . ذلك لأن القلوب
خلقت من طينة الحب ثم بعد ذلك تكونت قلوبا إنسانية متدرجة إلى الكمال الأصيل . . ولا غرابة في ذلك . لأن الحب هو الكمال الاصيل وإني لا اظن قلبا كاملا إنسانيا خلق من غير طينة الحب إلا إذا كان ذلك القلب قلب مخلوق من غير مخلوقات الله . وهيهات هيبهات ان يعرف قلب من غير مخلوقات الله . وكذلك هيهات ان تعرف مخلوقات أن جميع القلوب تعرف الحب . حتى قلوب الجمادات إذا ثبت أنه يوجد هنالك جمادات .
ولكن هذا الحب يعرف أسمى وأكمل عند الخيرة البررة الخالدين من بني الإنسان . .
فما زالت به هذه الأفكار المختزنة الضاحكة المخمورة بخمار الحب وسكرة الجمال . حتى ايقن المسكين ان الحب يجب أن يكون أول شئ ينشده عند هذه التي يريد ، حتى ولو لم يوجد عندها غيره شئ لكان كافيا . وعند هذه الحالة الشعورية يتراءى له ان ضميره يعاتبه عتابا لطيفا ، وما زالت تكمل صورة هذا العتاب إلا بلسان من الغيب يتصدى لها قائلا معاذ الله .
وهل يوجد الحب الأصيل في قلب أحد من المخلوقات كما هو شريفا كاملا نقيا إلا ويكون رفيقه كل شئ من الكمال النقي الأصيل
ذلك لأن الحب الأصيل كان رفيقا في معدن الأصل إلى الكمال الاصيل . وإنه لعدو في سنة الكون على النقص مغاير له . فكيف يكون فساد سنة كونية قائمة من الابد إلى الأزل . فيتقارب الكمال والنقص على ما كان بينهما من الشذوذ والبعد ؟ إن هذا لبعيد وإنه لمن المستحيل !
وهنا يتنفس المسكين قائلا : آه آه يا ليت هذه المخلوقة إذا تفهم الحب على هذا النحو ! وهنا أيضا يردد نغمه قائلا : وكيف يمكننى أن أعرف كل هذا وأنا أراني وحيدا ههنا ؟
وأحس أيضا ان هذه المخلوقة تعاني اسر العادات لأني اسمع انينها وهي تقول ما اخزي العقائد العمياء ! وما أضر اسر العادات ! كيف يتسني أن يتذوق حلاوة الحرية وهو يعاني مرارة الأسر في سجون العادات ؟
فلا يتدرج فرد ولا تتدرج أمة إلي العمل إلا إذا خلصت من اسر العادات وغياباتها . مهلا فمهلا ! فلا يمكننا التعارف السامى ولا العيش الرغيد والمفاهمة الديمقراطية السامية إلا بعد الخروج من أسر العادات
إلي اللقاء فإلي اللقاء * وا
) القدس (

