الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 592 الرجوع إلى "الرسالة"

إلى الطبيب القدير الدكتور حسين همت

Share

يا صديقي. ويا طبيبي! دار الحول واقتربت الساعة التي أوشكت أن تكون موعد  لقاء منظور، وقد كانت عندك أفجع فراق مرهوب

مضت ثلاثة أعوام على تلك الليلة التي ناديتني فيها لتبلغني  كلمة واحدة لم تزد عليها، ولكنها لا تحتمل الزيادة، لأنها  وسعت من التعبير عن آلام نفسك - أيها الصديق العزيز -  ما تضيق به المعجمات والأسفار

ويخيل إلي أنني أسمعها الساعة كما سمعتها منذ ثلاثة أعوام،  لأن للكلمات أرواحاً تعيش وتموت، وأعماراً تطول وتقصر،  وقلما تموت كلمة مرهونة بألم طويل العمر، مديد البقاء

تعودت يا صديقي وطبيبي أن أطرق جرسك في هدأة  الليل لأعوذ بعلمك وطبك في أمري وأمر الأعزاء عندي،  ولكنني لم أسمع صوتك يطرق سمعي في هدأة الليل إلا هذه  المرة، ولم أسمع منك في هذه المرة غير تلك الكلمة  الواحدة. ولكنها الكلمة التي جمعت فيها من ألمك ما لم أجمعه  في مئات الكلمات

ماتت! ولا حاجة بعدها إلى مزيد وليس من عادتي أن أقحم العزاء على المفجوعين في ساعة  الفجيعة الدامية، لأنني أحسبه اجتراء على قدس الأحزان  لا خير فيه، ولكنه صوت سمعته لابد له من جواب تسمعه غير  الصمت والسكون. . فقلت كأنني لا أعلم ما أقول: (إنك رجل يا دكتور، ولن تنفعك الرجولة في مقام بعد  اليوم إن لم تنفعك بالصبر الجميل في هذا المقام)

نعم يا صديقي، ويا طبيبي! إنك رجل ذو عزيمة وجلد وإباء. صبرت على الأهوال في  بلاد الأهوال، وصحبت الحرب الماضية في البلاد التركية وفي بلاد  أوربا الوسطى وأوربا الشرقية يوم كانت تلك البلاد موارة  بالخطوب والقلاقل، سوارة بالفتن والزلازل، تصبح في حال  ولا تمسي عليه،لاوتمسي ولا تدري كيف يطلع عليها الصباح وبلوت من الدنيا ما هو أقسى على النفس من أهوال الفتن  والحروب: بلوت منها تقلب القلوب وغدر الصحاب وخيبة  الظنون

بلوت هذا كله فما وهنت ولا شكوت ولا أجريته على لسانك  إلا كسمر السامر وفكاهة المتحدث، وعبرة المعتبر بأحوال الدنيا  وخلائق الناس أنت يا صديقي رجل ذو عزيمة ولكنك وا أسفاه رجل ذو قلب وذو ضمير. وكثيراً  ما يكون القلب وحده مدداً للعزيمة، والضمير وحده ينبوعاً  للصبر والأباء وهاأنت يا صديقي تفجع في القلب فما جدوى العزيمة وما  غناء الصبر وما حيلة الأباء؟ أكنت نسيت ذلك كله ساعة أبلغتني الخبر المشؤوم  فأهبت منك بعزم الرجال؟

إن كنت قد نسيته في تلك الساعة فما كان اخلقني ألا أنساه،  لأنني لمست شواهده قبيل ذلك بأيام، وشاءت الأقدار أن أسبقك  إلى مصاب يهد القوي ويفت في الأعضاد، وشاءت الأقدار  أن تكون أنت في لواعج الخوف من وقوع مصابك الأليم ولا  علم لي بشيء من ذاك، لأنك كنت تواسيني مواساة الصديق  والطبيب، وتعوذ من نفسك بعزم أولي العزم، وتكتم عني  ما كنت فيه

فلما برح بي الألم ولجأت إليك أستمد منك عوناً لهذه البنية  ينصرها على البرحاء علمت ما يشغلك، وعلمت مبلغ صبرك على  مغالبة الخوف والفزع والبلاء علمت أنك هجرت بيتك ولزمت حجرة المستشفى منذ أيام،  وتركت محرابك الذي لا تتركه لتقيم إلى جوار تلك العزيزة التي  تودع الحياة: تلك العزيزة التي كان منها مدد قلبك ومدد

عزمك. . . تلك الزوجة الرؤم بل ذلك الملك الكريم الذي  سكنت إليه كما تسكن السفينة إلى الميناء الأمين بعد هوج البحار علمت أنك تأوي إلى المستشفى منذ أيام ولم أعلم ما حقيقة  الداء وما مبلغ الرجاء في الشفاء، وكان أغلب الظن عندي أنها  عقدة من عقد الجراحة يحلها مبضع الجراح. فلما ذهبت إليك  قويت عندي هذا الظن وتمالكت وتجلدت وألححت في  السؤال عني لتطلق لساني وتنسيني ما أنت فيه وهاأنت يا صديقي تفجع في القلب فما جدوى العزيمة  وما غناء الصبر وما حيلة الآباء؟

حين دق الجرس في هدأة الليل، وسمعت صوتك يجهش  بالبكاء، ويلقي إلي بتلك الكلمة القصيرة في حروفها، الطويلة  في عقابيلها - لم يخطر على لساني إلا الصبر أثوب بك إليه،  ولولا ذهول المفاجأة لخطر لي أن الصبر قد أصيب في المقتل المنيع،  لأنه قد أصيب في القلب الذي يعتصم به الرجل الصبور، وكثيراً  ما يتراجع الرجال بعزائمهم إلى قلوبهم، فإذا أصيب القلب -  فإلى أين يتراجعون؟ ذاك هو اللغم في الميناء، وأنه لأهول من الإعصار  في هوج البحار

واليوم وقد دار الحول دورته الثالثة لا أحاول العزاء، لأن  العزاء تخفيف من الأسى والأسى على الأعزاء عزيز مثلهم،  لا يروقنا أن نمسه بتخفيف إنما أحاول ترويض الحزن بشيء من التذكير ولا أذكرك إلا بمصائب الحياة إلى جانب مصائب الموت.  فوالله يا صديقي أن الحياة لأقسى من الموت في أكثر من  مصاب، وأن قسوة الموت لرحمة في بعض الأحايين عند قسوة  الحياة، فليست أوجع السهام مخبوءة لنا في جوف التراب، بل هي  مخبوءة لنا في رحب الهواء

إن فقدان الموت يورثنا الألم ولكنه الألم الذي لا نهون به  ولا نخجل من قبوله، وقد نشرف أمام أنفسنا بالصبر عليه والحنين إليه وكم من فقدان في الحياة يورثنا الألم الذي يخجل ويضيم،  لأنه ألم لا يجمل بنا أن نحسه ولا يشرفنا الصبر عليه والحنين  إليه، وإنما يشرفنا أن نقتلعه من جذوره كلما استطعنا، وقد  لا نستطيع

كل مفقود بالموت يستحق الحزن عليه، وكل مفقود  بالحياة فالحزن عليه كثير ولأكرم لنا وللأعزاء أن نفقدهم موتى ولا نفقدهم أحياء،  وما يرضينا أن نفقدهم على حال من الحالين لو كان لنا اختيار بين  الأمرين، ولكننا مسيرون يا صديقي للقضاء، ولا حيلة  يا صديقي للموتى ولا الأحياء، مع حكم القضاء

اشترك في نشرتنا البريدية