يا فتاتي : إذا بلغت يوما ما من الكبر عتيا ، فاني لأرجو ألا تجدي في ماضك الطويل ما تقضين منه حياة .
وإني لأرجو انك سوف تذكرين بجزيل الحمد وموفور الثناء ، تلك السنين ، سنين البنونه ، يوم كانت الشمس دائمة الإشراق ، ويوم كانت السعادة ترفرف عليك بحناحيها ، ويوم كان الأمل العريض يلفك بردائه الفضفاض.
وسوف تذكرين في شيخوختك - وزمانها منك جد بعيد - ما صنعت من حسنات ، وما حاولت أن تصنعي من حسنات ، وسوف تسعدين بانك قد اديت واجبك.
ولكن الشئ الباقي على الزمن ، الذي سوف يكسبك الحمد والثناء ، والذي سوف يرقي بك إلى مقاعد الشراء والذي يسمو على كل ما خلف الناس من تماثيل قد اوفت على الغاية من جمال الفن ، هو البيت الذي تضمين دعامته فالأمهات في كل بلد وقطر عن الأمينات على مستقبل بلادهن.
ويؤثر عن جون رسكن ( ١٨١٩-١٩٠٠ ) قوله : " إن بناء مخلوق جميل ، أولى وافضل من بناء قبة من قباب الكنائس . وبينما الرجال يبنون القباب ، إذا بالنساء يبنين اطفالا صغارا ، ويحيطهم بمختلف المؤثرات فيصمدن بهم إلي افق الحكمة والمجد ، أو يهبطن بهم إلى درك المهانة والجهل).
وإذا الرجال تولاهم الغرور بما فلسفوا من فلسفات
وقننوا من قوانين ، واخترعوا من اختراعات ، فان كل هذا قد يزول ويفنى .
ولكن الفتاة سوف تصبح اما ، وتلك الام سوف تبني مستقبل امتها . وهي لن تقنن القوانين ، فذلك من واجب البرلمانات . وهي لن يخلق طرائق التفكير ، فذلك من واجب رجال الفكر .
وقد يصنع الرجل سفينة ويقول لها : سيري في البحر . ولكن المراة تصنع لتلك السفينة ربانا تجري السفينة بأمرء . والرجل قد يصنع اشياء يقول لها : طبري في الجو ، أو سيري على الأرض ، أو غوصي في الماء . ولكن الأم تقول لوليدها :
" اعمل على أن تكون في هذه الدنيا شمسا تضئ هذا العالم المظلم . واعمل على ان تكون منقذا للناس من ضلالاتهم ، وأعمل على أن تكون شاعرا ينطق بالحكمة أو هاديا يهدي الناس إلي سواء السبيل " .
واعلمي يا فتاتي انك سوف تحمدين امسك ويومك إذا أتيحت لك الفرصة ، فبنيت بيتا تستطيعين في السنين القبلة أن تجعلية عباءة تزدهر فيها الحياة في أسمى مجاليها . وكما ان ايدينا وأقدامنا إما هي الطعام والشراب الذي يا كله ونشربه ، فتتمثل اجسامنا . كذلك عقولنا تنمو وتكبر من أثر المناظر والكتب ، والأصدقاء والأفكار ، التي تتجمع حولنا.
وكذلك أيضا قلوبنا تهتز وتمتلئ بالانفعالات العميقة الأثر ، وبالأمور التي تدرك بالحس ، ولا تدرك باللمس ولا بالنظر ، وهو ما اصطلحنا على تسميته بجوا ومحيطنا . وعليك يا فتاتي أن تفكري منذ اليوم في مستقبل بلادك ، واعملي على أن لا يضل قومك الطريق ، فلا اطفال بعد اليوم يموتون جوعا وبردا ، ولا أمهات يمكن من أثر الكد والكدح في سبيل القوت ، ولا سل بعد اليوم يمتص من أجسام ضرعاه عصارة الحياة.
وليكن حلمك يا فتاتي في نومك ويقظتك أن تكون بلادك تحقيقا لكل حلم جميل
ولتكن أشهي الاماني عندك أن تري بلادك وقد اختفي من جميع انحائها ظل الجهل ، وفاض معين الكره والانانية المقولة ، بل غاض معين كل شئ ذميم ثم حل بساحات بلاد العلم والإحسان والأخلاق الفاضلة وحب الوطن فوق حب الناس انفسهم
وفي ايدينا نحن كما في ايديكن انتن معشر الفتيات بلوغ تلك الغاية في زمان قريب او بعيد . ولكن النصيب الاكبر هو نصيبكن . ذلك لانكن تبنين البيوت وكذلك تبنين الرجال . وفي قدرتك أن تجعلن الرجال أبطالا وشجعانا ، وان تجملن كل بطل من أولئك الأبطال بخاطب بنات جنسكن بقول الشاعر العربي :
يفتن جهادنا ويقلن لستم بمواتنا إذا لم تمنعونا وهناك في تاريخ الأدب الإنجلزي اسم من الأسماء اللامعة ، لو قدر اصاحبه أن تكون له أم غير تلك الام لكان أشد بريقا وتلألؤا ذلك هو لورد بيرون فقد كانت امه تضربه بقطع الحديد المحمي ، وكانت تعيره بالعرج ، فقال فيها ما معناه :
"لم اذق في صباي طعم الحنان . وكانت ينابيع حياتي مسمومة"
وهناك أمهات يشبهن تلك الأم . كما أن هناك أمهات بشبهن الأم التي اقصى قصتها فيما يلي : -
كانت في إحدى الصحات بنت صغيرة اشتدت عليها علة السل . وكان الأمل في شفائها أملا ضعيفا .
ورأي الأطباء في إحدي محاولاتهم أن يدخلوا في اقصى حلقها انبوبا من الفضة ليخرجوا السائل الصديدي من رئتها . فجاءت أمها لتراها فقالت لها الممرضة : يمكنك ان تبقى عندها دقيقتين لا أكثر . ومهما يكن من أمر
فلا تقرب الأنبوب الموضوع في فيها . ذلك لأن حياتها متوقفة على بقائه في مكانه . ثم غابت المرضة ، فلما عادت ألفت الأم قد غادرت المكان ، وقد سرقت الأنبوب . سرقته لتبيعه وتشتري بثمنه خمرا . فجاءت الخمر لنفسها وجادت بالموت لبنتها.
. ومن القسوة أن يقرأ المرء كلاما شقيا كهذا الكلام وإني لأظنني يا فتاتي أني لم أكن ملزما بأن أقص عليك تلك القصة التي تبعث الرعب.
ولكني أردت بذلك ان ازيد في حضك على ان تكوني اكثر إشفافا ورحمة . وان تعيشي - إذا دعا الواجب - حياة سخاء بالمال وجود بالنفس على كل من تمنين بأمرهم ، وعلى كل من يعنون بأمرك.
ثم اعملي بإاني على بقاء الأمم الذي تحملين نقيا ، لا تشوبه شائبة . وأورثيه لذريتك نقيا ، لا تشويه شائبة واعملي يا وسمك الجهد على ان يجعل بيتك مركزا للحياة في اسمى معانيها .
واعملي يا فتاني على أن يكون عقلك جزءا من هذا العالم الهدائم الحركة وان تتجمع في ذلك القل الأمواج الجديدة من أمواج العلم والمعرفة .
واجعل دعام بيتك - إذا بلغت مباغ النساء الإيمان والأمل والإحسان . إنك إن فعلت فلن تجدي من الوقت ما يتيح لك العناية بالأمور الحقيرة التافهة . وان تجدى من نفسك الميل إلى ما يورد النفس للمهالك . وإذا طاف بك طائف من الحزن ، فانظري إلي بديع صنع البارئ سبحانه :
في الميل إذا عسعس ، وفي الصبح إذا تنفس ، وفي الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ، وفي تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ) مترجمة (

