الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 460الرجوع إلى "الثقافة"

إلى الله أشكو

Share

إلى الله أشكو "الكوليرا"، فقد روعت مصر وما حولها، واستنفذت من مالها ومجهودها ما لو أنفق فى وجوه الإصلاح لأتى بالخير الكثير، وأزهقت أرواحا عزيزة، وطمت نفوسا كريمة، وأصابت التجارة فكسدت، والأسواق فشلت، وزادت الفقير فقرا، والبائس بؤساً، فكم من صانع بارت صناعته، ومحترف ركدت حرفته.

عدو ثقيل بنبض لئيم، يحارب فى الخفاء، ولا يجرؤ على الظهور، ويتغفل الناس فيفترسهم، وينتقل كالهواء فيفتك بهم، ويفعل فى صمت ما لا تفعل القنابل الدوية والطيارات المدمرة، ويتوالد بالملايين، ويتكاثر ما لا تتكاثر جيوش الأمم القوية، والممالك العتيدة، ويتسلح بالكتمان، ويصيب فى الصميم.

فاسد الذوق، يتخير أسوا الأوقات فيفزع الناس بزيارته، فالناس فى مصر لم يرتاحوا مما غشيهم من حرب، وهم فى شغل شاغل بما أفسدته الحرب، وهم فى قلق واضطراب مما خلفته الحرب - قد لجأوا إلى ما يسمونه مجلس الأمن، فإذا هو خلو من كل أمن، وإلى ما يصفونه بأنه واضع مبادئ العالم الجديد، فإذا هو مدعم لمظالم العالم القديم، فلما بدأ الناس يفكرون فيما صنع الظالمون، وكيف يدفعون العدوان، زارهم هذا الزائر الكريه فشغلهم، فكان هو ومجلس الأمن وبالاً عليهم. فإلى الله أشكو.

وإلى الله أشكو "الإنجليز" فقد أقلقوا راحتنا، وأفسدوا حياتنا، ووقفونا خمسة وستين عاما موقف الجهاد لا نستطيع أن نفرغ لإصلاح حالنا، وترقية شئوننا

- وطلعوا على العالم العربى بما سموه "وعد بلفور" أرادوا أن يهبوا به بلدا ليس ملكهم، ويستغلوا به قوة على حساب غيرهم، فخلقوا به مشكلة زعموا بعد أنهم عاجزون عن حلها، وعاتوا مع الذئب، وبكوا مع الراعى ، وتفننوا مع أهله كل فن، فإذا ثار العرب أبادوهم، وإذا ثار اليهود صانعوهم، ونادوا بالعطف على العرب، ونادوا بالعطف على اليهود، وقالوا بالتقسيم، وقالوا بعدم التقسيم، وشجعوا هجرة اليهود، ومنعوا هجرة اليهود، ورشوا الماء على النار من فوق، وأشعلوها من تحت، حتى إذا صارت بركانا قالوا إنا برآء من كل ذلك، وهيا بنا إلى الجلاء. فإلى الله أشكو.

وإلى الله أشكو الأمريكيين، فقد بشروا العالم بمبادئ الإنسانية والعدالة والنبل على لسان ولسن وروزفلت، وبشروا الناس بالخير العميم فى العالم الجديد، وقالوا إنهم لم يدخلوا الحروب لجر منهم، أو دفع مغرم، وإنما دخلوها لنصرة العدل وتحقيق الحق، وإنهم لما ملكوا القنبلة الذرية فسيخيفون بها الظالم، ويؤيدون بها العادل.

فلما جد الجد، لم تر عدلا يتحقق، ولا ظلما يرفع، ولكن بهلواناً يلعب، ورأينا هيئة الأمم كعصبة الأمم، تحترم الأمم القوية، ولا ترحم الأمم الضعيفة، وتمد القوى الظالم، ولا تنصف الضعيف العادل، ورأيناها شر أنواع المحاكم، تشيع فيها الفوضى، ويطول فيها الجدل، وتسلك سبيل المحاباة، وتكثر بين قضائها الرشوة، لا رشوة الذل، ولكن رشوة المصالح القومية - وكل سواء - وتحكم الأحكام المتناقضة فى المسائل المتشابهة، فروسيا تخرج من إيران، ولكن الإنجليز لا يخرجون من مصر، ولكل أمة الحق فى تقرير مصيرها، ولكن مصر لا حق لها فى تقرير

مصيرها، ويهود العالم لا يوزعون على أستراليا الواسعة، ولا أمريكا الطويلة العريضة، ولكن يعمدون إلى أمة صغيرة المساحة، قليلة العدد، فى قلب جماعة منسجمة متلائمة، متشابهة فى الأوضاع والتقاليد، فيحكمون بهجرة يهود العالم إليها، وتقسيمها على الرغم من أهلها، وتأييد الغاصبين فى غصبها - وبعد ذلك لا يخجلون من أن يتشدقوا بأنهم دعاة للديمقراطية، وأنصار الديمقراطية، كأن للديمقراطية معانى تختلف من بلد إلى بلد، فتفسر حيناً بالحرية، وحيناً بالاستبداد، ومرة بالعدل، ومرة بالعسف، كالذى نسميه فى لغتنا بأسماء الأضداد يطلق على المعنى ونقيضه. فإلى الله أشكو.

وإلى الله أشكو الفرنسيين فى بلاد المغرب، فقد اتخذوا أنفسهم آلهة، واتخذوا أهل البلاد عبيدا، فإن تواضعوا فهم الأناسى وغيرهم البهائم، أطايب المائدة لهم وفتاتها لغيرهم، قد وضعوا سكان البلاد فى سجن، ووقفوا بسيوفهم حرسا عليه، وفى الوقت الذى تحرر فيه السجون تضيق الحرية على هذا السجن، فلا نور يضيئه، ولا علم يصل إليه، وليس يسمح أن يتصل داخل بخارج، ولا خارج بداخل، وويل لمن شعر فيه بأنه إنسان، وأشد الويل لمن قال إنه إنسان. ولئن كان حراس السجون يمنعون الجريمة أن تفسد الفضيلة، فهؤلاء يمنعون الفضيلة أن تتعاون مع الفضيلة - قد تواطنوا مع أمثالهم من دعاة الديمقراطية والحرية والعدالة؛ فإذا أعلن هؤلاء حقوق الإنسان تحفظوا فقالوا إن المغربى ليس إنسانا له حقوق، وإذا وضع هؤلاء ميثاق الإطلنطى ونادوا بحرية الأمم وتقرير المصير استثنوا العالم العربى، وعدوه خارجا من أن يناله التطبيق، ثم تآمروا جميعا على أن قتيل المغرب من فرنسا لا يذكر على لسان فى إنجلترا وأمريكا، كما أن قتيل مصر

لا يذكر على لسان فى فرنسا، فإن ذكر هؤلاء وهؤلاء، من القتلى فعلى أنهم قتلة لا قتلى، كما تواطئوا على إفساد المنطق، فالحكم الذى يصدر على سوريا ولبنان يصدر عكسه على مصر والمغرب وإن اتفقت الدعوبان، فإلى الله أشكو. وكم أشكو وكم أشكو، ولله سنة فى استماع الشكوى من المظلوم متى سار على سنن قول الشاعر :

متى تجمع القلب الذكى وصارما

وأنفا حميا تجتنبك المظالم

وثمة سنة فى الانتقام من الظالم على مبدأ: "إن الله ليمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته".

اشترك في نشرتنا البريدية