لم تأمرينني بالاعتذار يا سيدتي؟ أبهذا الأسلوب - أسلوب الأمر - تسوق الأديبة طلبها؟ مم اعتذر؟ لم أجن ذنبا ولا جريرة أستحق عليهما اللوم والتثريب. إنني لم أسئ إلى قلم الأستاذ الطنطاوي في كثير ولا في قليل. وأشهد الله على ما في نفسي أني أحمل له كل توقير وتبجيل. ولو كنت غصت إلى أغوار مقالتي لأدركت الرأي الذي أبديه، والقصد الذي أبغيه.
وما كان لي أن استتر تحت اسم مستعار من تلقاء نفسي. ولكن المقام اضطرني إلى هذا على غير رغبة مني. وإن كنت تخشين أن يحاسبك الناس في حاضرهم حساباً عسيراً على مستقبلك فإني والله لا أخشى إلا الذي برأني وسواني. وإن تلك النفخة التي تخافين منها على أدبك الناشئ، فلله الحمد ليس لي حتى كتابة هذه السطور شيء أرتاع لمرآه إن طيره نفخ النافخين، أو أتت عليه أقلام الكاتبين. وعلى كل حال إن المستقبل بيد الله.
إن مقالتك لم تبعث في نفسي وحشة ولا يأسا، وإنما زادتني أنسا بالأدب والأدباء. لو كان في مقالي شيء من التجريح لما احتاج الأمر إلى دفاعك، ولهب الأستاذ من فوره يسوق إلى النقاش، وهو الأديب الأريب الذي له - ولزملائه كتاب الرسالة - مكان الثريا في سماء الأدب.
وما دخل لتشاؤم في موضوعنا؟ إن من سعادة الحياة أن أنظر إليها من خلال منظار التفاؤل، ومن حسن الطالع أن حباني ربي صديقات هن مبعث فرحتي ومصدر مسرتي.
دعي هذا يا سيدتي، وتعالي لتشاهدي ضربا من الحياة جديدا. هل سمعت أو رأيت الأصم والأبكم كيف يتكلم؟ إن تلاميذي وتلميذاتي من هذه الشرذمة البائسة التي قضي عليها بفقدان السمع والنطق. وها نحن أولاء أخواتك ذوات الأساور نخفف بلواهم، ونسعى إلى تحقيق مناهم، حتى تربطهم بالحياة وشائج يستطيعون معها مسايرة المجتمع.
لعلك اقتنعت بوجهة نظري بما سقته إليك في هذه العجالة، ولست اختم حديثي بالاسم المستعار الذي استعرته لنفسك، لأني في الواقع ممن لا يألفن التحلي بالسوار. وهأنذى أكشف لك عن حقيقتي كما احب أن تكشفي لي عن حقيقتك، وإلا ذهبت بي الظنون مذاهب شتى. وعسى أن يكون اصطفاق قلمينا فاتحة صداقة كنت أنت البادئة بها. ومما يشرفني ويعلي قدري أن نبرم سويا عهد هذه الصداقة تحت ظلال دوحة الرسالة الغراء التي لها الشكر أولا وآخره، إذا أفسحت وما تزال تفسح لنا في رحابها مكانا لنشر أحاديثنا، والسلام.

