حفظك الله يا دولة رئيس الوزراء ، وأمدك بالقوة على ما انت فيه من مفاوضة ومحادثة ، وزادك من نعمائه ، وجنبك كل ما يحسه الناس في هذه الأيام من ضيق في الرزق وما يقاسونه من عناء في الحياة من غلاء الأسعار وقلة السلع وخفة اوزان الدنانير والدراهم . وبعد فإني اشهد لك بالعلم في كل شئ والبراعة في كل مناح الفكر ، وأعرف عنك الذكاء والكياسة وكل ما ينبغي أن يكون في السياسي الإداري الألمعي
ولكن شيئا واحدا أجرؤ على أن أجرحك فيه ، ولا اشهدلك بالمقدرة عليه ، وهو إدراك حقيقة مايقاسية الرجل صاحب الاسرة الذي يسكن في بيت مستأجر يملكه رجل من اصحاب الأموال الذين لا يترددون في سلوك كل الطرق التي تؤدي إلي حسن استغلال ما يملكون.
والسبب الذي يدفعني إلي أن أجحد عليك هذه الناحية من المعرفة هو انني اعتقد انك نشأت بحمد الله في بيت تملكه الأسرة ثم تنقلت إلي بيوت اخري ورثتها أو ملكتها ، وأسأل الله أن يزيدك من فضله ويتم عليك نعمته ، وليس هذا النقص الذي ازعمه فيك مما ينقص من قدرك ، لان قدر الإنسان لا ينقص بالطبع إذا هو ملك البيوت أو ورثها عن الآباء ، وقد ينقص المرء في تجربة بعض شئون الحياة ومع ذلك يكون كاملا ممافى ، بل قد يكون نقص بعض التجربة عاملا على زيادة الكمال والعافية.
وخلاصة القول أنني أستطيع أن أخبرك عن شئ
لا تعرفه ؛ فأنا - بحمد الله أيضا - أعرف كل المعرفة ماذا يحس الانسان الذي يسكن في البيت المستأجر.
وسأقص عليك بعض انباء ما عرفته في أثناء هذه السنوات السوداء التي مرت على العالم منذ حين ، ولا تزال تجثم فوقه بكلكلها الثقيل.
كنت منذ سنوات أسكن في بيت ظريف كان يعجبني ويعجب أبنائى ، وكانت أجرته كذلك ظريفة لا أحس ثقل وطأتها ، وقد اتفقت مع المالك على تلك الاجرة عن تراض وتسامح ، وكنت اؤديها له كل شهر في يسر ، وكان يقبضها مني في سرور ، والمجاملة بيننا سجال ، والمعروف بيننا ضارب أطنانه.
ثم قامت الحرب على ساق ومر عليها عام بعد عام وعزت المساكن ، وجاء الأمريكان من وراء البحار ببذلون الدنانير الكثيرة في أجر الحجرات القليلة ، وسرت العدوي إلي المالكين فأخذوا يحتالون على المستأجرين للاستزادة من الأجور ، إلي أن سن القانون الذي يبيح إخراج الساكن من مسكنه إذا أراد المالك أن يقيم فيه بأسرته .
فإذا بي أجد في يوم من الآيام أن المالك قد أرسل إلي إنذارا أنه قد استكشف أنه في أشد الحاجة إلى منزله ، وانه إذا لم يخرجني منه بالرضا أخرجنى منه بحكم القضاء .
ولست استطيع أن أصور لك يا دولة الرئيس ما أحسست به عند ذلك ، ولو كنت مثلي رجلا ذا أسرة تسكن في بيت مستأجر وجاءك مثل هذا الإنذار لعرفت ما احسست به عند ذلك بغير ان اصوره . فقد شعرت كأنني أحمل أثاث بيتى على ظهري وأسير في الطريق وأبنائى يسيرون من ورائى نبحث عن مكان آ نتداري فيه .
ولا أحب أن أطول عليك ، فقد استطعت أن أبحث
وان أجد بيتا وأن أرضي مالكة وأبذل له ما شاء من الاجر حتى يرضي ، ثم انتقلت إلي الدار الجديدة وقلت إن الله قد كفي المؤمنين القتال .
ولكني ما كدت أستقر بضعة أشهر حتى استكشف المالك الجديد انه قد احتاج إلى منزله الذي كان قد رضي بتأجيره إلي بما شاء من أجرة فجاء إلي باسما وطلب إلي أن اتكرم عليه بإخلاء منزله . ولولا أنني ممن يحرصون على التمسك بأهداب السلام ويخضعون لأحكام القوانين ، ولولا أنني لست من المصارعين أو الملاكمين لقمت إليه وأظهرت له غضبة وحشية . ولكنى والحمد لله ممن تعودوا المسالمة والتمسك بالقوانين ، فتبسمت له واخذت أتوسل إلي عطفه حتى تمكنت من ان اصرفه على راضيا بعد أن بذلت له ما شاء من زيادة في الأجرة .
ولسوء حظي باع هذا الملك بيته إلي رجل آخر فما كاد المالك الجديد يتسلم عقد الإيجار حتى استكشف أنه في حاجة إلي منزله لكي يقيم فيه ، وجاء إلي باسما فأعاد سيرة المالك السابق ، وأعدت له سيرتي في المرة الأولى ، وهكذا استمرت الحال بيني وبين كل مالك جديد وما أكثر البيع والشراء بين أصحاب الدنانير من تجار الحديد والمسامير وباعة السمك والسنانير وصناع العدد و (البوابير) وأصحاب مخازن العقاقير ، من كل بنكير وبنكير . وما كدت استقر على حالي بعد كل هذا حتى طلع على القانون الجديد الذي سنته الحكومة في عهدك يادولة الرئيس ، فإذا به يبيح للمالك أن يطلب منزله لنفسه إذا شاء أو لأبنائه أو أبناء أبنائه أو آبائه أو آباء آبائه أو إخوته أو ما يمكن أن يلبس ثوب أحد من أولئك جميعا ، فما عليه إلا أن يزعم زعمه ثم يمضي أمره ، فإذا بالساكن المسكين يضطر اضطرارا كم الفضاء أن يجمع أثاثه فوق ظهره ويدعو أبناءه للسير وراءه لكي يدور بين الطرقات باحثا عن ملجأ يلقي فيه أثاثه ويتستر بين جدرانه ؛ هذا هو الإحساس الذي يحسه
أمثالي من المستأجرين ويعرفونه حق المعرفة ويشعرون به شعورا مرا يقض المضاجع ويطعن القلوب . هذا هو الإحساس الذي لا تعرفه انت يادولة الرئيس والذي اعرفه أنا وأستطيع أن أصفه لك وأنا أسأل الله الستر والسلام.
ولو كان القانون يجعل لكل فرد من الأفراد عددا مقدورا من المرات يباح للملاك أن يقذفوه فيها من منازلهم فإذا وفاها أبيح له الاستقرار في مسكنه لكان الأمر محتملا ، لأنه يستطيع أن يستسلم لقضاء الله فيما حكم به من مرات التشريد ثم يأمل بعد ذلك أن يستقر في كسر بيته حتى تنفرج الآزمة الطاحنة . ولكن القانون لم يفعل هذا ، بل ترك الأمر مفتوحا على مصراعيه ، فالمستأجر مهدد بأن يخرج من دار بعد دار وهو في كل مرة لا يكاد يستقر في داره حتى يطرد منها متى بدا للمالك أن يطرده . ومن سوء الحظ أن الملاك قوم لهم أبناء وآباء ولهم إخوة وأقرباء ، وقد يتزوج البنات والبنون ، وقد يحلو الانتقال للآباء والأمهات ، والمستأجر في كل ذلك مهدد بالتشريد والبحث عن مسكن جديد . ولو كانت المساكن سلعا في الأسواق لكان من اليسير البحث عنها ، ولكنها غير موجودة وإذا وجدت كانت مبنية ( بطوب ) من ذهب وفضة . فما الذي يفعله أمثالي يا دولة الرئيس في مثل هذه المضايق وكيف يخرجون من تلك المآزق ؟
أما أنا فانني لم أجد حيلة في هذا الخطر الذي يرعجني إلا أن أكون مالكا وامرى لله حتى اخرج من بين زمرة المستأجرين المساكين . وليست امامي إلا صعوبة واحدة وهو ثمن البيت يادولة الرئيس وليست هذه الصعوبة بالمسألة التي تستعصى على ذكائك ، فهل تجد لي وسيلة لتذليل هذه الصعوبة الصغيرة ؟ أليس هذا سؤالا صغيرا ؟

