شوهت - سامحك الله - في ذهني صورة جميلة كانت للمكشوف. فقد اعتقدت - وكنت على وشك أن أعلن هذا الاعتقاد - أن مجلة (العصبة) في سان باولو، وجريدة (المكشوف) في بيروت، تكتبان اليوم فصلاً قيماً في تأريخ الأدب العربي الحديث؛ وأن العصبة الأندلسية الكريمة التي تصدر تلك المجلة في المهجر، وعصبة العشرة التي تحرر هذه الجريدة في الموطن، إنما تجريان على تقاليد لبنان العربي فتتمان ما بدأ به آل اليازجي وآل البستاني وأضرابهم من رجال الفكر والترجمة والصحافة والتمثيل الذين عاونوا مصر على إحياء هذه النهضة؛ وأن هؤلاء الأدباء الأوفياء إنما هم حجة العربية والعروبة على هذا الأدب الدخيل الذي يستمد وجوده من فينيقية القديمة وفرنسا الجديدة ثم يزعم للأغرار أنه أدب لبنان!
نعم كنت أعتقد في المكشوف ما أعتقد في العصبة حتى قرأت في عدده الأخير مقالاً وجهته إليّ فزعزع في نفسي أساس هذه العقيدة!
ما رأيك في رجل تكلمه في موضوع عام في الأدب فيقول لك: إنك شتمتني فأنا أشتمك؟! إن كنت تقول إن هذا الرجل لا يوجد في الناس فتعال إذن أسألك: كيف فهمت من مقال (النقد المزيف) أنه رد عليه فقلت ما نصه: (يرد الأستاذ الزيات في رسالته علينا ولا يسمينا مخافة أن يرمي بالجمود حين يحمل على دعاة الجديد والقائلين بأدب الحياة فيعمد إلى اللف والدوران والتلميح. . .) ثم قالت بعد ذلك: (يقول صاحب الرسالة ردا على الحملة التي نحملها على أدب الألفاظ وشعر البكاء المتكلف والرثاء الكاذب. . . (إن هذا النقد إما أن ينبعث
من مكامن الحقد فيرمي إلى التجريح، وأما أن ينطلق من مواضع الغرور فيسعى إلى الهدم) ثم رتبت على هذا الفهم أو الوهم ما سوغه لك أدبك. إن كنت تقرأ ما في السطور كما يقرأ الناس فالأمر إذن لمنطق الناس، وإن كنت تقرأ ما بين السطور فالأمر لك وحدك. وما حيلة المنطق في (دون كيتشوت) الذي يريد أن يبني بطولته على معارك الوهم؟ على أنني كنت أحب أن ترعى جانب الأدباء الذين يعاونونك في تحرير المكشوف فتربأ بهم عن هذا الموضع الذي ارتضيته لنفسك. أما حملتك الهوجاء على الأستاذ الرافعي فهو أقدر الناس على ردها عليك إن شاء.

