الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 153 الرجوع إلى "الرسالة"

إلى صديقي أحمد أمين

Share

أخي العزيز:

قرأت فصلك الأخير الذي تناولت فيه النقد فصورت  ما رأيت من ضعفه، والتمست له العلل والأسباب. وما أكثر  ما يمكن أن يتصل بيني وبينك من الجدل لو أنني وقفت عند  هذه القضايا التي أرسلتها إرسالاً، وحكمت بها على النقد قبل  عشرين سنة، وعلى الأدب الآن! ولكن الفصل فصل صيف، لا يسمح  بالجدل الطويل والحوار المتصل، لأننا مشغولون عن هذا وذاك  بما تعلم من أعمالنا اليومية الثقيلة التي يقتضيها آخر النشاط  الدراسي وأول هذه الأيام التي يفرغ فيها كل منا لنفسه  ودرسه وراحته وراحة من يتصلون به، فلن أجادلك في أكثر  هذه القضايا التي لا أكاد أقبل رأيك فيها. ولو أني أرسلت نفسي  على سجيتها لما جادلتك في شيء مما ألممت به في هذا الفصل،

ولقرأته كما أقرأ كثيراً مما تكتب مستمعاً دائماً، عارفاً أحياناً،  ومنكراً أحياناً، ومتحدثاً إليك بما أعرف من آرائك وما أنكر

نعم لو أني أرسلت نفسي على سجيتها لاكتفيت بما كان  بينك وبيني من حديث أول أمس، ولكني مدفوع هذه المرة  إلى أن أتجاوز السجية، وأخرج عن العادةالمألوفة، وأرد بعض  الأمر إلى نصابه، لأنك تجاوزت فيه ما ينبغي من الأنصاف.  وأنا أبرأ إليك من الغرور وأربأ بك عن الجور، وما أشك  في أن أمثالي من الكتاب الذين عرضت بهم أو عرضت لهم  في فصلك القيم يبرؤون إليك مثلي من الغرور ويربأون بك مثلي  عن الجور، ويرون مثلي أنك عرضت لقضية النقد ولقضيتهم  هم في النقد عرضاً سريعاً، حظ اللباقة فيه أعظم من حظ التثبت  والتدبر والأناة

وأظنك قد عرفت الآن القضية التي أريد أن أجادلك فيها،  والمذهب التي أود لو أصرفك عنه. فأنت ترى، أن جماعة النقاد  الذين كانت إليهم قيادة الرأي الأدبي، أو قيادة الحياة العقلية منذ  حين، قد اصطنعوا الشجاعة أول أمرهم، وآثروا الصراحة أو كانت  الصراحة لهم خلقا، فكتبوا كما كانوا يرون، وأخذوا بحظوظهم  الطبيعة من الحرية؛ لم يحفلوا بالجمهور، ولم يخافوا الرأي العام،  ولم يحسبوا لمقاومة المحافظين حساباً. ونشأ عن شجاعتهم تلك،  وعن صراحتهم هذه، أن بعثوا في الحياة العقلية نشاطاً لم تألفه  مصر، فكان الصراع العنيف بين القديم والجديد، وكان الخصام  الشديد بين الحرية والرجعية، وألفت الكتب ونشرت  المقالات وأذيعت الفصول، وأنتفع الأدب بهذا كله واستفاد  النقد. وكل هذا صحيح عندي ولاشك فيه، ولكنك ترى بعد  ذلك أن هؤلاء الكتاب قد أوذوا في مناصبهم وفي أنفسهم  وفي سمعتهم وفي أرزاقهم، فلم يثبتوا للأذى، ولم يمضوا في  المقاومة، ولم يعنهم اتباعهم وأولياؤهم على الثبات، وإنما عطفوا  عليهم عطفاً أفلاطونياً لا يشبه ما يجده أمثالهم في أوربا من  الأتباع والأولياء، فلانوا ودانوا وجاروا وداروا، وآثروا  العافية ومضوا مع الجمهور إلى حيث أراد الجمهور، ونشأ الجيل  الجديد فاقتدى بأخوته الكبار وسار سيرتهم، وأصبح النقد  مصانعة ومتابعة وأصبح الأدب تملقا وتقليدا.

وهذا أيها الأخ العزيز هو الذي أخالفك فيه أشد الخلاف،

وأنكره عليك أعظم الإنكار، يدفعني إلى ذلك أمران: أحدهما أن  رأيك بعيد كل البعد عن أن يصور الحق؛ والثاني أن رأيك يمسني،  وأؤكد لك أنه يحفظني كل الاحفاظ ويؤذيني كل الإيذاء؛ ولعله  يحفظني ويؤذيني أكثر مما احفظني وآذاني كل ما لقيت من  ألوان المشقة والإعنات. فهل من الحق أن هؤلاء الكتاب الذين  تشير إليهم قد أدركهم الضعف والوهن، فمالأوا الجمهور، وصانعوا  السلطان وآثروا العافية في أنفسهم وأموالهم ومناصبهم؟ ومتى  كان هذا؟ أحين عصفت العواصف بمصر فأفسدت أمرها  السياسي والعقلي وألغت نظامها الحر إلغاء، وفرضت عليها نظاماً  أخر مصنوعاً ألغيت فيه كرامة الأفراد والجماعات وتجاوز العبث  فيه بالحرية كل حد معقول؟ تعال أيها الأخ العزيز نبحث معاً  عن هؤلاء الكتاب أين كانوا في ذلك الوقت؟ وماذا صنعوا؟  وإلى أي حد جاروا وداروا وآثروا العافية؟ لست في حاجة إلى أن  أسميهم، فأنت تعرفهم كما يعرفهم الناس جميعاً. لم يكن لأكثرهم  منصب في الدولة؛ ولعلي كنت من بينهم الوحيد الذي كان  يشغل منصباً من المناصب، فلما عصفت العاصفة أقصيت عن هذا  المنصب فأدركت الزملاء ووقفت معهم حيث كانوا يقفون،  ومضينا جميعاً إلى حيث كان يجب أن نمضي، واحتملنا جميعاً  ما كان ينبغي أن نحتمل من الأثقال. فكنا أيها الأخ العزيز ألسنة  الساسة وسيوف القادة، والسفراء بينهم وبين الشعب. وكنا  سياطاً في أيدي الشعب يمزق بها جلود الظالمين تمزيقاً. وكنت  ترى وكان غيرك يرى آثارنا في الظلم والظالمين، وبلاءنا في مقاومة  العدوان والمعتدين، وحفاظنا لهذا الشعب الذي لم يكن له قوة إلا  قوتنا يومئذ. وكنتم تعجبون منا بذلك وتحمدونه لنا وتؤيدوننا  فيه. وكنتم تقومون على الشاطئ وتروننا ونحن نغالب الأمواج  ونقاوم العواصف نظهر عليها حيناً وتظهر علينا أحياناً، فكان  بعض الناس يصفق لنا إذا خلا إلى نفسه لا إذا رآه الناس،  ويعطف علينا إذا لم يحس السلطان منه هذا العطف. ولست  أزعم أني قد استأت بهذا الفضل، فقد كان نصيبي منه أقل من  نصيب كثير من الزملاء. لم أدخل السجن وقد دخله منهم من  دخله. أترى أن مواقفنا تلك كانت مواقف المنهزمين؟ أترى أنا  شغلنا عن النقد الأدبي بأنفسنا وأموالنا وإيثار للعافية ومجاراتنا

( البقية على صفحة 957 )

اشترك في نشرتنا البريدية