الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 872الرجوع إلى "الرسالة"

إلى صديقي الأستاذ عباس خضر:

Share

.  . . تطيب نفسي بقراءة بعض ما تنشره في باب الأدب والفن، لما فيك من براعة في التقاط (القفشات) وتصيد (النكات) في مجالس الأدب وتسجيلها، ولكم أثنيت عليك ودعوتك إلى المزيد من الانتباه والإتقان.

كأني بك يا صاحبي أردت إقامة دليل يقنعني بأنك (أتقنت الصفة) فعمدت إلى مداعبتي مداعبة حلوة خفيفة الروح والظل ولكن؟. . ولكنها برغم حلاوتها وخفتها، لم يكن لك فيها سوى فضل الناقل المسجل فقط، أما خلق المناسبة للنكات، وتهيئة الجو لها، ولمحها ببراعة فهو راجع (للمعداوي) مرة و(للزيات) مرات، ولإنسان آخر.

وكأني بك، مرة ثانية، أردت أن تحذو حذوي فيمن أخاصم وأصادق من الأدباء فخاصمتني، ولكنك تعثرت في الخطوة الأولى، وأزعم أن الذي يتعثر ويكبو في الخصام

قد لا يهتدي إلى السبيل المؤدي إلى الفوز والنصر. تعال معي يا صاحبي إلى صميم الموضوع بغير خصام، قلت

(أني جنحت في تأبين فقيدنا العزيز علي محمود طه إلى القضايا العقلية ولم أعن بتندية كلامي بماء العاطفة)

أجل لقد جنحت إلى العقل في رثاء الصديق الشاعر الذي فقدنا صداقته وشعره، وتعمدت إبراز الصفات والسجايا والخلائق والمزايا التي عرفته بها حساً ومعنى وعدتها، ولعل صفة البوهيمية التي اجتذب بها جل أصحابه كانت أبرز صفاته وأحلاها في حياته الواقعية والخيالية، ولم أنزع إلى محاكاة الشعراء الذين عناهم فيلسوف المعرة بقوله   (كذب يقال على المنابر دائما)  لهذا قلت في مستهل خطابي (ما جئت أبكي صديقي الراحل)  ثم ما قيمة البكاء على الميت؟ وهل إذا نديت كلامي بماء العاطفة كنت أضفت صفة جديدة إلى الصفات التي اجتمعنا للاحتفال بها، أو أن الاحتفال لا يكون ذا قيمة بغير دموع؟ إن البكاء صناعة يعرفها الشعراء البكاءون الندابون. . . الحريصون على استبكاء الناس في المآتم حرصهم على استضحاكهم في الأفراح. ألم تسمع يا صاحبي إلى شاعر من شعراء تلك الحفلة وقد عتب على الله كيف انتزع الورد - أي علي محمود طه - وسأله سؤال اللائم لماذا أبقى على (الشوك) أي على جميع من بقي يمشي على الأرض بعد موت الشاعر!!

ألم تقتبس أبياتا من قصيدة قلت أنها (جيدة) أي فوق الدون والوسط من الشعر الذي أنشده شعراء الحفلة أليس معنى تلك الأبيات، إذا ترجمت إلى لغة النثر هي الإهابة بالناس المترقبين عودة صاحب الملاح من الشاطئ المهجور والقول لهم (لا تحلموا بمجيئه لا تحلموا)

لندع الشعراء جانبا لأنهم في واد غير وادينا، ولأننا نفهم نحن غير الشعراء أن حفلات التأبين إنما تقام لذكر المناقب وغير المناقب التي أحدثت حدثها وتركت أثرها في الناس، واسمع ما قاله (الزيات صاحب الرسالة)  في صديقه علي محمود طه، وكيف عرفه وأحبه، وقد رأى انطواء الفيلسوف المفكر والشاعر الحالم

ثم كيف لقيه في زحمة الحياة وقد تشعبت فيه أصول الجمال والحب واتسع في قلبه الحب للخير والإخاء والمروءة، وكيف كان طاغي الشخصية مستبدا بالحديث وكان شعره صورة لشخصه ومرآة لنفسه؛ ثم قارن ما ذكرته أنا من صفات عرفتها في الفقيد، في حالتين متباينتين، في الخصومة الأدبية العنيفة، وفي الصداقة الطيبة والعربدة أيضا، تجد أننا اتفقنا - أنا والزيات - في رسم الخطوط الرئيسية لمن يتوفر على دراسة لشاعر الصديق علي محمود طه. وأزعم أن صدر الأستاذ الزيات ينطوي على معلومات في حياة الفقيد الخاصة والعامة، تماثل وتزيد على معلوماتي عنه، وإن من الخير أن نشر تلك المعلومات ليتيسر للباحث الكلام عن الشاعر الذي خلده شعره.

كلمة أخيرة أقولها للأستاذ عباس، إن جميع حفلات التكريم والتأبين في وقتنا الحاضر إنما تقام للإعلان والظهور، وأن ليس للإعلان معنى غير النفاق والرياء والمجاملات الكاذبة، وأن من أوجب واجبات الكاتب محاربة الطبالين والزمارين في حفلات التكريم، والندابين النواحين في المآتم، وأعتقد فيك الكفاءة لشن هذه الغارة.

اشترك في نشرتنا البريدية