كنت أحقق منذ عهد بعيد شعر أبى نؤاس، وأبحث عنه في مضانه المخطوطة والمطبوعة، فدفعني ذلك إلى دراسة الأديرة والحانات وما يدور فيها، وأماكن اللهو والتنزه، ومواضع القصف والنزف وما يتعلق بذلك ودراسة الشعراء المجان وتاريخ الخمرة في الأدب العربي، وحياة الجواري والقيان وأثرهن، إلى غير ذلك مما يتصل بموضعي. . فعثرت على شاعر ماجن خليع داعر اسماه أصحاب التصانيف والتآليف (أبا شاس) ، ووصفوه بأنه صاحب دعابة ومجون، وفسق وتهتك، وتطرح بالحانات، وملازمة للديارات.
ذكر هذا الشاعر ابن فضل الله العمري في كتابه (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) عند الكلام على دير يونس (1) في موضعين، وذكر له شعرا في صفة هذا الدير، وشعرا في صفة الخمرة، ولم يعلق العلامة احمد زكي باشا على ذلك بشيء، بينما علق على ابسط الأمور، وشرح مختلف الألفاظ.
ثم رأيت الأستاذ حبيب زيات يذكره في كتابه الموسوم (بالديارات النصرانية في الإسلام) (2) ويضع له اسما في فهرس الشعراء الذين استشهد بشعرهم في كتابه ويسميه (أبو شاس منير) ولما كان جميع من كتب في الديارات والحانات والأعمار وما شابه ذلك اعتمد على كتاب (الديارات) لآبي الحسن على بن محمد الشابشتي (3) رأيت أن أرجع أليه في تحقيق اسم هذا الشاعر ونسبه وحياته.
ولكن الشابشتي لم يذكر عن هذا الشاعر ما يبل الغلة ويفي بالحاجة، بينما ترجم كل شاعر له علاقة بموضوعه ترجمة وافية مهما كان ذلك الشاعر مغمورا.
قال الشابشتي في الكلام على دير يونس بن متي(1) بعد ما ذكره وعرف به: (ولأبى شاس فيه:
يا دير يونس جادت صوبك الديم حتى ترى ناظرا بالنور تبتسم
لم يشف من ناجر حر على ظمأ كما شفى حر قلبي ماؤك الشبم
ولم يحلك محزون به سقم ألا تحلل عنه ذلك السقم
أستغفر الله من فتك بذي غنج جرى عليّ به في ربعك القلم
ثم يقول بعد هذا: (وكان أبو شاس هذا من اطبع الناس، مليح الشعر، كثير الوصف للخمر، ملازما للديارات، متطرحا بها، مفتونا برهبانها ومن فيها.) ثم يقول ومن مليح شعره:
لا تعدلن عن إبنة الكرم بابي ففيها صحة الجسم
وأعلم بأنك أن لهجت بغيرها هطلت عليك سحائب الهم
وإذا شربت فكن مستيقظاً (3) حتى يتبين طيبة الطعم
لو لم يكن في شربها راحة (4) إلا التخلص من يد الهم
وهذه القصيدة موجودة في شعر أبي نؤاس وهي في ثمانية أبيات (5)، ورأيت العمري في مسالكه ينسبها لأبى شاس ويذكر الأول منها والرابع فقط.
ويستمر الشابشتي في ذكر شعر أبى شاس هذا ويذكر له قصيدة مطلعها:
أعاذل ما على مثلي سبيل وعذلك في المدامة مستحيل
وبعد هذا البيت ثمانية أبيات، وهي موجودة أيضا في شعر آبي نؤاس(6) بنصها وبعدد أبياتها، وينقلها العمري في المسالك ويذكر منها أربعة ابيات، وينسبها لآبي شاس:
هذا هو أبو شاس الشاعر الظريف الماجن الذي مر ذكره في
هذه المصادر الثلاثة ولم اعثر على ذكر في أي مصدر أخر.
أقول أن أبا شاس هذا هو أبو نؤاس نفسه إذ أن العمري وحبيب الزيات نقلا عن الشابشتي وان الناسخ له صحف هذا الاسم (أبا نؤاس) فصيره أبا شاس، وجاء العمري ونقل عنه، وأغفله العلامة احمد زكي باشا فلم يصحح هذا التصحيف، ثم جاء حبيب زيات ونقل عن العمري أو عن الشابشتي ووضع له اسما هو (منير) .
أضع هذا الرأي بين أيدي علماء العربية وأعلامها لعل لهم فيه رأيا.
(بغداد)

