الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 264 الرجوع إلى "الثقافة"

إلى علماء مصر ! وكتاب مصر !، ورجال مصر !، ( إنه لقول فصل وما هو بالهزل )

Share

كنت أصفح الرسالة فوقع بصري علي المقالة البارعة التي كتبها أستاذنا الزيات ) في عدد الرسالة أول سبتمبر سنة ١٩٣٣ ) عن شواطىء مصر وما فيها ، فقرأتها حتى بلغت قوله فيها ) . جرجر البحر إحدى موجاته الضخام إلى أعلى الساحل ، فجريت إلى فوق ، أتقي هذا المد المفاجيء ، فإذا بي واقف  إزاء مظلة جميلة منعزلة ، قد انبطحت بحثها فتاة ناهد ، لم تقع العين منذ الصباح على أكمل منها صورة ، وكان ذعر السائرين من هجمة البحر قد لفتها لتنظر ، فلما وقع بصرها على ، نهضت نهضة الظبي الفزع تحي بالعربية أستاذها القديم

- أوه . . فلانة ؟ ! - نعم ، ويسرني أن أراك بعد خمس سنين - هل أنت وحدك هنا ؟ - كلا ، بل معي اخي  . . وقد أتعبه صراع الأمواج الثائرة ، فذهب إلي " الكابين "

- وكيف حال ابيك ؟ - الحمد لله خير حال ، وما أكثر سؤاله عنك ، وأشد شوقه إليك ، لقد كان جالسا في الكارينو ، ثم انصرف إلي البيت منذ قليل .

قالت ذلك تلميذتي الأرستوقراطية المسلمة ، وهي تنصب كرسيا طويلا من القماش دعتني إلي الجلوس عليه ، ثم جلست هي على كرسي آخر ، وكانت كأمها حواء لا يستر جسمها العاري إلا " ورفتان " خصفتهما عليه من أمام ومن خلف ، فسرعان ما ذكرت ذلك الكتب الفخم الذي كانت مجلس قبالتي عليه لتستعد لامتحان البكالوريا ،

وهي ملفقة بثوبها الأزرق الأنيق المسبل ، وعيناها الساجيتان لا تفارقان الصحيفة حياء وخفرا ، وتغرها الحي الدقيق ، لا يرسل سههل الكلام إلا في النعم وبطء . .

لما بلغت في المقالة هذه الصورة ، كنت متمدد في فراشي أهم بادارة مفتاح النور والإستسلام للنوم ، فطار النوم من مقلتي ، وتوقدت في اعصابي نيران الغضب للفضيلة المجني عليها والعرض المزدري ، ودار في نفسي كلام ، لو أنا اطعمت النفس وبعثت به للنشر لبعثت عاصفا يعصف بهذا اليك الذي ارتضى لفتانه مالا ترتضيه البهاتم لإنائها من غيرتيها عليها ، وهذا الشاب الذي صارع الامواج ليثبت رجولته المزورة ، مع انصرف إلي هذا " الكاتبين " الذي لا أعرف أي شئ هو ، وقد صرح شرفه وتلم عرضه ، ولأرسلت شواظا من نار على هذه(المجلات)المستهترة التي سخرها إبليس لهدم الأخلاق ونسف الفضائل والدعوة إلي شرع الشهوات بما تنشر من الصور العارية ، وما تحبذ من السفور والحسور والاختلاط ، وما تنال من أصحاب الشرف والفضيلة كالشيح الجليل أبي العيون . .

. . ثم رددت القلم إلي قرابه ، وأطفأت بكأس اليأس وقدة الغضب ، ورجعت على نفسي باللوم فقلت : يا نفس ويحك ! هل تظنين انك وحدك المحقة ، وهؤلاء الناس كلهم مبطلون ، وكلهم يخطئ وانت تصبين ؟ او لا ترين للناس عيونا يبصرون بها هذا كله كما يبصره ( أبو العيون ) ثم يسكنون ؟ فلو كان محرما أو ممنوعا أ كانت مصر تقر " ؟ أو كان علماؤها يكفون عن إنكاره ؟ أو كان كبراؤها وعظماؤها يرضونه لبناتهم واخواتهم ؟ كفي يا نفس فقد مضي زمنك وغيرت ايامك ، وصرت في ارائك وافكارك من آثار الأولين . وهل تريدين ان يعود الناس إلي عصر الجهالة والظلام يوم كان الاب رب بيته ، والزوج قواما على امرأته ،

والمرأة لا تعرف الفسيولوجيا والجيولوجيا ، وإنما تعرف الطبخ...لوجيا والسكين . . . لوجيا ، وكان جمال المرأة لزوجها وحده قد حرمت من عرضه على الناس ، وملكها البيت وحده لا الشارع ولا الساحل . هل تريدين أن يعود الناس إلى تلك العهود حيث القيود أنواع : فمن قيد الدين ، إلى قيد الخلق ، إلي قيد الآداب ؟ . . لا ، إن العصر عصر الحرية ، حرية المجنون الذي يفعل كل ما يشاء ، فيخلع اليوم ثوبه ، وغدا دينه وعقله ، ولا يستطيع أحد أن يقول له : دع ! حرية راكب السفينة الذي يخرق مكانه ليدخل عليه الماء فيستنقع فيه ، يقول : هو مكاني أفعل به ما أشاء ، فمالكم ولمكاني ، يقول : هي امرأتي البسها ما أشاء فما لكم ولامرأتي ، هي ابنتي أجردها كما أشاء فماكم ولابنتي ، " فإن أخذ على يده نجا ونجوا ، وإن تركوه هلك وهلكوا " ؛ لأن السفينة إن ملأها الماء لا يغرق من خرقها وحده وإنما يغرق الجميع ، والنار إن شبت في البيت لا تحرق من أضرمها وحده وإنما تحرق الجميع ، والفجور إن انتشر لا يهلك الفاجر وحده وإنما يهلك الجميع

فيأيها المصريون ، بل أيها المسلمون انتبهوا ، إنها النار ، النار شبت في ستانلي باي ، وأقبلت تضربها الرياح الأربع وتهيجها تحرق كل ما تمسه ، واندفعت متدالعا لسانها تمتد شرقا وغربا وإلى الجنوب ، إنها النار . . النار وهاتيكم المجلات تنفخ فيها وتضرمها ، وتحمل إليها الوفود لحوما بشرية وأعراضا وأمجادا !

يا قوم إن الله خلق الشهوة وأمر بكف شرتها وكسر حدتها . وشرع لها طريقا مرسوما كيلا تطغي كما يطغي النهر إذا خرج عن سبيله ، وجاوز مجراء ، وهذا الطريق هو الزواج وأقام لها الحواجز والسدود ، فخوف المرض سد ، وحشية الله سد ، وتجنب الفضيحة

سد ، والهرب من الحد سد ، فعطلتم حدود الله فلا تقام على زان ، ووضعتم قوانين تكاد تبيح ثلاثة أرباع الزنا ، ولا تعاقب إلا على الربع الباقي ، ومنعتم الفضيحة حين جعلتم هذا المنكر معروفا ، وأعلنتموه وقد كان شرا مستتيرا ، وجعلتموه تمدنا وقد كان وحشية وخزيا وعارا ، وانسيتم أولادكم خوف الله حين أقللتم من دروس الدين في المدارس ، ولم تدخلوها في الامتحانات العامة ، واستعنتم بالطب على تجنب المرض ، فأدخلتم الذئب على غنمكم . .

إن الشهوة ذئب كاسر فلا تطلقوه عليكم ، فلا تدرون ماذا يفعل بيناتكم وأولادكم . إنه يفسدهم وبفسدهن وما للعرض الذاهب من رجعة ، إن الشهوة إن اطيعت في الحرام بطل الزواج ، وهذا ما حل بنا أو كاد ، وإن بطل النكاح حق السفاح ، وإن حق السفاح صار البشر كالخنازير والعياذ بالله !

فما لكم كيف تحكمون ؟

إنسكم تشكون تقصير الطلاب ، وخور العزائم ، وضياع الأمانة ، وسبب ذلك كله السفور والاختلاط والحسور والتكشف . وكيف ينصرف تلميذ إلي درس ، ويقبل معلم على علم ، وتاجر على تجارة ، وموظف على عمل أن شغلته شهوته ، وسيرته اعصابة . ورثه ) ابليس وألجمه بلجام ؟

خيروني هل في الدنيا دين من الأديان أو خلق من الأخلاق يبيح هذا الذي في ستانلي بأي وسيد بشر ؟ فلماذا لا تحارب المنكر ؟ لماذا لا يقوم عليه القائمون على الأخلاق ؟ لماذا لا ينفر منه الأدباء ؟ لماذا الا محمل عليه جميعات الهداية والشبان والإخوان والانبصار ، وخطباء الجمعة ؟ هل تريدون كلة الحق )  وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن  شاء فليكفر ) إنكم منذ خالفتم فطرة الله فقلتم المرأة مثل الرجل سواء بسواء ، ونسيتم أنها لاتتم المساواة

حتى أسنوا قانونا يجبر الزوج ان يحبل سنة والمرأة سنة ، ويرضع شهرا وترضع شهرا ، ويحلق لحيته صرة وتركب لها لحية مرة أخرى . . ومنذ عكستم حكمة الخالف فجعلتم المرأة قوامة على الرجل وجعلتم طاعتها تمدنا ورقة وهي منذ خلقت تطيع الشيطان ، ومنذ علمتموها ما لا ينفعها من العلوم ومالم تخلق له . . فتحتم الطريق التي تذهب إلي جهنم مارة بستانلي بأي ! وطارت شرارة مبها فاضرمت هذه النار . .

إنها النار . . وإني بدير لكم ! فهل تطفئونها قبل أن تستفحل ؟

با كتاب مصر ! يا علما مصر ! يا رجال مصر ! إنها النار . . وإنها لن تحرقكم وحدكم ولكن تحرقنا معكم لأن اتخذنا مصر إماما وائتممنا بها . إنا جعلنا كم قادتنا وتبعناكم ، فاالله الله ان تقودونا إلي الدمار والعار وإضاعة الدمار وان نصلي في الدنيا نارأ وفي الآخرة ( النار )!

دمشق ( دوما )

اشترك في نشرتنا البريدية