قرأت مقالك العظيم بالعدد (٤٢٠) من مجلة الرسالة الغراء؛ فكان آية من آيات تلك المجلة الكريمة علينا، العاملة على إصلاح الأزهر وإعادة مجده السالف. وقد ملأني ذلك المقال أملاً في الإصلاح بعد يأس، وأفعمني رجاء فيه بعد قنوط؛ ولكني رجعت إلى نفسي بعد ذلك الأمل فقلت: أي ربي، هذا القائد فأين الجنود؟ وهذا رسول الإصلاح فأين الأصحاب والحواريون؟ وهذا الداعي إلى النهوض فأين المجيبون؟
بني المعاهد هبوا طال نومكم قد هيْأ الله هذا المصلح البطلا
ولقد وقفت يا سيدي كثيراً عند قولك عن الأستاذ الإمام: وتعلم القواعد في مختصرات رضيها ذلك العصر المظلم، لا تفهم إلا بشروح وحواش وصناعة خاصة. فقلت في نفسي: كيف ينظر أستاذنا المراغي إلى تلك المختصرات وشروحها وحواشيها تلك النظرة؟ وكيف يذكر العصر الذي رضيها باسم العصر المظلم؟ ثم يرضى بعد هذا أن تبقى في عهده الكريم كما كانت في ذلك العصر، إذ لا تزال لها المكانة الأولى في الأزهر، ولا تزال علومنا لا تدرس إلا فيها، ولا تزال قواعدها لا تؤخذ إلا منها يا سيدي الأستاذ الأكبر إن تلك المختصرات وحواشيها
وشروحها هي علة العلل في فساد التعليم بالأزهر، وهي مصدر ذلك الجمود الذي حارب الأستاذ الإمام، وحال بينه وبين الوصول بالأزهر إلى الإصلاح المنشود، ثم يحول الآن بينك وبين الوصول إلى ذلك الإصلاح، وإن الفرصة سانحة بوجودك على رأس الأزهر للقضاء على تلك المختصرات وشروحها وحواشيها، وبين يديك طائفة صالحة من العلماء، تنتظر منك أن تدعو فتجيب، وأن تقول: حي على العمل فنعمل؛ ولا يمضي عليها إلا زمن قليل حتى تظهر لك بدل تلك المختصرات الميتة المظلمة كتباً حية مشرقة، تسري فيها روح الاجتهاد، وتظهر عليها آثار التجديد، وتخرج لك من الأزهر العلماء المجددين، والأئمة المجتهدين. فهل لك يا سيدي الأستاذ الأكبر أن تبدأ بتلك الدعوة، وهل لك أن تصل بين تلك الطائفة وأمنيتها في العمل؟

