( هذا خطاب مفتوح بوجهه الكاتب الإنجليزي هافلوك أليس على كتاب التراجم )
سادتي : لقد قضيت في الأيام الأخيرة في صحبتكم ساعات صامتات طوالا ، قضيتها في شئ من المتعة والسرور . وإني لأعود بذا كرتي إلى تلك الساعات بشيء من الرضا يمازجه السخط ، ولذا فإني أتقدم إليكم الآن بهذا الخطاب . أحب أن تعلموا قبل كل شئ أني قصدت إلي صحبتكم أولا كطالب يبحث عن تلك الصفة الإنسانية العجيبة النادرة التي نطلق عليها هذه الكلمة الغامضة " العبقرية " .
وأحب أن أجمع - ما استطعت إلي ذلك سبيلا - المادة التي تمكنني من الوصول إلي نتائج حاسمة نوعا فيما يتعلق بأسباب النبوغ وطبيعته المعقدة . ومن ثم ترون أني يصح أن أكون خير قرائكم . إني أقصدكم لا لأزجي أوقات فراغي ، ولا لأني أجل هذا الزعيم الديني ، أو أتبع ذلك الرجل السياسي ، أو لأني أقدس ذلك الوسيقى أو المصور أو الشاعر . وإنما أقصدكم بغية أن تمدوني بأروع ما لديكم عن شخصية فذة معينة مهما تكن الصورة التي تبدت فيها هذه الشخصية لأنكم جميعا تزعمون أنكم تبذلون الجهد في عرض امثال هذه الشخصيات الفذة . وقد بحثت عندكم عبثا عن عرض لأعظم الشخصيات ، وأقصد " حياة الرجل المتوسط " .
لقد أخذتم على أنفسكم أن تحدثوني من الحيوانات الفذة وإني - ورأسي مفعم بالأسئلة - أتناول القلم لأسجل ما تجيبون به ، ولطالما ألقيت عني هذا القلم على أنه دليل على الخمول ، وزائدة لا ضرورة لها .
لهذا أتقدم إليكم الآن جماعة لأظفر بالجواب . ولطالما أصغيت إليكم في صمت واحترام . غير أن السنين أدخلت
على احترامي لكم شيئا من النقد ، وإني لأرجو عفوكم عن الملاحظات التي أشق بها الآن صمتي .
إنكم - كما قلت - لا تجيبوني بما يشفي غلتي فيما أحب أن أعرف . وسأزيدكم إيضاحا عن ذلك فيما بعد ، أما الآن فإني أحب أن أنبهكم إلي أنكم تحدثونني من أمور كثيرة لا أرغب في معرفتها . فأنتم تحدثونني عن حياة الرجال الذين اتصل بهم البطل الذي نكتبون عنه . وتحدثونني من ملاحظانه العادية عن الناس العاديين الذين التقي بهم في حياته ، والمدن التي تخلف فيها . وقلما تملون من إخباري بالتفصيل المسهب عن القلب الشرف التي أمطرها في أخريات أيامه . ولكن هذا كله ليس ( بترجمة الحياة ) وهناك خطأ أدق من هذا في عملكم كثيرا ما تقعون فيه رأسا على عقب . ذلك أنكم تقومون بعمل المؤرخ . وليس المترجم بالمؤرخ . أجل إن الرجال يخلفون التاريخ . ولكننا لا نستطيع أن ندرس الفرد بالطريقة عينها التي ندرس بها إنتاج نشاط رجال عديدين .
فإن أمثل الطرق للبحث في " حركة الإصلاح الديني " ليست أمثلها لدراسة شخصية لوثر ، ومن يترجم ( للود ) ترجمة وافية قل أن يصلح لتأريخ " الثورة الإنجليزية " في ذلك المعهد تأريخا وافيا ، بل إنه كلما ازداد تأهيل الكاتب للعمل الأول فل تأهيله له للعمل الثاني ، لأن معالجة الترجمة تختلف تمام الاختلاف عن معالجة التاريخ ، وكثرة التدرب على الترجمة لا تزيد المهارة في كتابة التاريخ إلا بمقدار ما ينفع التدريب على عزف البيانو في إتقان العزف علي الأرغن ، ولكن أكثر البارزين منكم يمارسون الترجمة بعد التدريب على كتابة التاريخ . وكثيرا ما تنسون أنكم تؤدون عملا آخر ، وبعضكم يشتغل الآن ) بقاموس التراجم القومية ( ، وهو عمل نافع جذاب ، وسوف يفوق بعد إنجازه أي عمل آخر من حجمه في اللغة . ولكني أقلب في أي مجلد من هذا القاموس فأنتقل من ترجمة إلي
ترجمة ، بيد أني لا أجد ترجمة حقيقية ، فأنتم تقدمون لنا عوضا عن ذلك نبذا من التاريخ وضعت في غير موضعها .
ومن الجلي أنكم قلما سألتم أنفسكم : ما هي ترجمة الحياة ؟ إنكم افترضتم في سذاجة أنها الدور الذي يلعبه المرء في تاريخ الحضارة ، ولكنكم بهذا الرأي تشوهون الترجمة والتاريخ على السواء ، فإننا لا نصيب الرأي في التاريخ إذا نظرنا إليه من زاوية الفرد الواحد ، ومن ثم فإن ترجمة حياة الفرد تاريخ مشوه ، لا جدال في أن الرجل العظيم يحمل بين جنبيه روحا تعاونه على خلق تاريخ الحضارة - سواء أكان ذلك في فعاله أو مكتشفاته أو إنتاجه الفني - ولكن سرد هذه الأعمال شئ يختلف عن الغرض من الترجمة ، كما أن وصف سطح الأرض شئ يختلف عن غرض العالم الفلكي ، مهما تكن العلاقة وثيقة بين الأرض والشمس . نعم ليس من المستحيل أن تستنبط حياة الفنان وروحه من عمله ، ولكن هذا لا يتيسر إلا ليد صناع كتلك التي مدها ليناردي إلي الكوميديا الآلهية فشرحها تشريحا ، ولا يستطيع ذلك الكاتب الذي يتناول الكوميديا بالتعليق فيحدثنا عن كل شخص وكل مكان ورد ذكره عند دانتي . إنك إن أردت أن تورخ لأمة أو مدنية لا بد لك من أن تكتب عن شئ جامع معقد يختمر فيه ما أنتجه نشاط عدد كبير من الرجال لكي يثمر شيئا يبعد عن عقول الرجال الذين خلقوه وعن حياتهم ، كما تبعد المسيحية عن عقل المسيح وحياته . إن وصف إنتاج نشاط الفرد - إذا كان هذا الإنتاج مما يستحق الذكر - إن هو إلا بمثابة المقدمة للتاريخ . أما وصف مولد الرجل العظيم ونموه كما كان على طبيعته الحقيقية من الناحيتين الحياتية ، والنفسية - كعنقود العنب على شجرة الحياة ، لا كقطرة الكحول في دن المدنية - فذلك هو ترجمة الحياة
ولذا فإني أنهمكم يامن تتصدون لهذا العمل العظيم
بأنكم تعملون دائما على إغراقه في عمل أحط منه شأنا أو علي الأقل يختلف عنه اختلافا جما . غير أني برغم ذلك كنت أقنع لو أنكم مكنتموني فعلا من استيعاب صورة للرجل الذي له تترجمون .
لو فعلتم ذلك اشددت على خصري نطاقي ولوحت بيميني ويساري ، لكى أزيل من حولي تلك المادة الزائدة التى تكدسونها تكديسا ، وأصل رأسا إلى الحقائق الحيوية . ولكن هذه الحقائن لا وجود لها ! كم من مجلد ضخم يحوي ترجمة من التراجم أستطيع أن أختصره في صفحتين . وأكبر الظن أن هاتين الصفحتين تكشفان لنا من الحقائق أقل مما تكشف لنا تلك الصور الحية المقتضبة التي يقدمها لنا كارليل عن الرجال الذين التقي بهم مصادفة وكأنه يلقي عليهم ضوءا خاطفا من البرق .
ومن ثم فإن الترجمة الوحيدة المعتمدة التي لدينا عن ( ينج ) ، والتي لم تنشر إلا بعد مدته بسنوات عدة ، يمكن أن تختزل في ستة أسطر فيما يتعلق بالحقائق البارزة الهامة حقا ، ذلك لأن الحقيقة الفذة اللامعة في هذه الترجمة هي صورته المنشورة . هذا بطل من أبطال العلم الذين أنتجتهم هذه الأمة متوقد الذكاء متنوع المواهب ، تضمه في صف هارفى ، ونيوتن ، ودارون ، ويتحتم علينا أن نفقد إلي الأبد فرصة معرفته كرجل جسما وروحا . ولم يبق لنا منه سوي صورة وجهه الجميل الذي ينم عن الطفولة ، وذلك الثغر الحلو ، وتينك العينين الواسعتين النفاذتين ، كما صوره لورنس ، إن كل رجل عبقري يحمل بين جنبيه قوة جديدة عجيبة يأتي بها إلى العالم . والمترجم عن حياته هو العالم البيولوجي الذي يعرف هذه الحياة الجديدة . وإني لأقصدكم أيها المترجمون لأتعلم منكم مصادر هذه الطاقة الكبرى ، وذلك القوي التي دفعتها والتي سيرتها في اتجاه دون الآخر . وإني اعترف بسرور أنكم في هذه الأيام كثيرا ما تحدثونني عن أسلاف البطل .
وكنتم فيما سبق لا تحدثوني بشيء عن أمهات العظماء . وقلما كنتم تذكرون حتى أسماءهن . وهذا نقص ظاهر في دراسة العبقري وفهمه فهما صحيحا . ثم كان يسرني أن أزاد علما بعنصر وطبيعة تلك الأم التى أنجبت ذلك القديس الذي أكتسب محبة الإنجليز عدة سنوات ، والذي كاد قبره ينهار من كثرة ما ركع عنده حجاج شوسر ! ولكني - مع ذلك - أقول لكم إنه بالرغم من أن العنصر والأسرة هما من غير شك عاملان هامان في تكوين أي رجل ، فهما ليس كل شئ ، وإلا لكان إخوان البطل وأخواته أبطالا كذلك . ولذا فلا حاجة بكم إلي أن تزعجوا أنفسكم أو نزعجونا بالتفصيل الدقيق عن حياة الأسلاف . بيد أنه يجدر بكم أن تحدثونا بشئ عن تلك الكواكب التي تألفت في تكوين حياة الفرد ؛
تحب أن نعرف المؤثرات البدنية والخلقية التي أحاطت به أيام الحمل ، كما نحب أن نعرف الظروف المادية التى سبقت مولده ، وهل كان مولده طبيعيا وفي الأوان ؟ ولا شك أن دائرة أسرة البطل كانت في وقت من الأوقات تعرف كل هذه الحقائق ، وبعضكم على الأقل كان يستطيع أن يحدثنا عنها فيوضح لما كثيرا مما يغمض علينا اليوم ، ولكنكم قلما فعلتم ذلك ؛ بل قلما اعترفتم بأن أمثال هذه الموضوعات جزء من المعرفة ، ومع ذلك فإن مصيرنا جميعا يتقرر إلي حد بعيد في اللحظة التي تخرج فيها من الأرحام ، ويتلو ذلك في الأهمية ذلك الدور من الحياة الذي يبلغ قمته في سن البلوغ والذي ينتهي بانتهاء دور المراهقة ، فإن كل ما بقي من عوامل تكوين الفرد ينتهي بهذا الدور ، لقد تم تركيب الآلة ، ودارت دورتها الاولى ، وليس بعد ذلك إلا أن تؤدي عملها في هذه الدنيا ، وذلك أمر له اهميته ولكنهح الاثر في التكوين ، إنكم مهما حدثتمونا عن السنوات الأولى من الحياة ، لن تكونوا مسهبين في الترجمة الصحيحة وهي وصف الحياة وإننا لنرحب
حتي بالوصف الفصل للآلعاب والملاهي التي كان يمارسها البطل في صباه إن تيسر ذلك ، كما حدثنا أخت نيتشة ومؤرخة حياته عنه وذلك لأن حياة الرجل بعد ذلك لا تزيد كثيرا عن هذه الألعاب نفسها ، يلعبها البطل الآن في أسي متزايد وفوق ميدان فسيح . وبعد سن العشرين تسهل مهمتكم وتتضح وماذا بقي لكم تحدثونا منه بعد الثلاثين إن بلغتموها ؛ إن كل ما يحدث بعد الثلاثين أشبه ما يكون بانسياب الماء بعد انبثاقه من الينبوع العظيم ، او انحدار الطاقة انحدارا بطيئا . في هذه السنوات يتراجع الرجل ويخلي السبيل لأعماله ، سواء كانت هذه الأعمال هجوما على قلعة منيعة أو تغلبا على الألفاظ الشاردة .
فمجهود البطل وعمله في الحالين واحد ، سواء في ذلك ( جدفري ) عندما تسلق أسوار بيت المقدس أو ( فلوبير ) وهو يدبج رسائله وهو فوق أريكته في روان .
ولكني أقول - كما حاولت أن أوضح ذلك من قبل - إن مجرد التحدث عن الأعمال ليس هو مأربنا عندكم أيها المترجمون . إذا كانت أعمال الأبطال حقيقية فسوف تتحدث عن نفسها في التاريخ أو الشعر أو في أية صورة مما يضمن لها البقاء . إنني إن اردت ان أري صور ( فلاسكي ) فإني لا أقصدكم وإنما أقصد مدريد . ولكني أود لو أنكم تستطيعون أن تخبروني كيف تسني له أن يصورها ! إذا عالجتم البطل الكامل من خلال أعماله فإن الخدمة الكبرى التي تستطيعون أداءها ، والتي أري أنها أهم خدماتكم ، هي أن تحدثونا لا عن عمله ولكن عن الظروف التي تم فيها هذا العمل . فإن أديتم واجبكم من هذه الناحية عرفنا طبيعة القوة . ثم نريد بعد ذلك أن نعرف في أي مسلك سارت هذه القوة . وإني أتهمكم صراحة أنكم قلما تحاولون أداء هذا الجانب من واجبكم إلا إن كان ذلك عرضا ومن زاوية واحدة ، وغالبا ما يكون ذلك نفاقا ورياء . إنكم ترون أنه أيسر لكم أن تضربوا
في أحشاء العمل وتقبل الناس له من أن تصفوا طريقة الرجل في الأداء ، وأي عامل عاقه أو عاونه على الآداء . وكثيرا ما تحبون أن تصوروه لنا وكأنه يؤدي عمله مرتديا حلة من الحديد لا يخترقها سهام الضعف الإنساني .
وإنكم لتقنعون عند ما تتناولون رجلا حقيقيا كأبراهيم لنكمان ، وهو رجل إن عز الرجال - يسرد حياته سردا قويا معتمدا ، وفي خلال ذلك تعتقدونه الحياة حتى يصبح كالدمية التحجرة . ويبدو لي أنكم كذلك الغلام الذي ورد ذكره في الأمثال والذي لا يرى مولاه بطلا من الأبطال . إن البطل في ميدان القتال قد يكون جبانا في يد طبيب الأسنان ، والرجل الذي استطاع أن يواجه ثورة اشتراكية فكرية قد تعوزه الشجاعة لكي يسير في لسن جروف ( يشير هافلوك أليس بذلك إلي رجل مشهور من كبار المفكرين ) . إن هذه الأشياء لا تضعف البطولة ، وإنما هي جزء منها ، فالمرء ، لا يستطيع أن يكون قويا في ناحيتين في آن واحد .
ولابد أن تعرف موطن الضعف عند الرجل قبل أن تعرف قوته معرفة صحيحة . وكثيرا ما يكون ضعف البطل مصدر قوته . ذلك الضعف الذي يقول عنه منثن إنه طريق المقاومة السلبية الذي سلكته الطاقة الطبيعية الأصيلة لتحل بالرجل ، وتستطيعون أن تستغنوا عن سرد ضروب الضعف بالتفصيل إن رأيتم لذلك مبررا - وهناك ما يبرر ألا تكون الترجمة سردا تاريخيا مشينا بسمعة الرجل - ولكنكم إن أبيتم أن تدونوا هذا الضعف فقد أخطاتم فهم وظيفة المترجم فهما صادقا ، وليس تاريخكم إلا أكذوبة حدتم فيها عن قواعد الأخلاق كما تحيد عنها أية صورة عن الحياة غير صادقة . إن حب ميخائيل أنجلو للرجال حبا افلاطونيا آثر في نحت تماثيله ، وحياة فيكتور هوجو العائلية الفارغة لم تكم عديمة الصلة بمثله العليا في الطهارة السماوية . والأدب ملئ باعترافات متعاطى
الأفيون ومدمني الخمور وما إلى ذلك مما لم يذكره المترجمون صراحة . إن شجرة الحياة لتفسد في صميمها لو أنا سلبناها هذه الاتصالات ، ولم نشر إلا إلي الأوراق والزهور التي يسمها الناس " خلقية ، وتجاهلنا الحذور التى يسمونها قدرة غير خلقية وربما كانوا في ذلك متأثرين بنفاقكم وريائكم . يجب ألا يثنيكم شئ من الاعتراف بأن أخيل كان له عقب يتأثر يطعن السهام (١) فإنكم لو فكرتم في الموضوع تفكيرا صحيحا لعلمتم أن أخيل يثير ذلك الثقب ما كان ليحشر في زمرة الأبطال .
لقد أشرت مرة أو مرتين إلي وظيفة المترجم . وإني لأسأل نفسي أحيانا : كم سكر ياتري فكر في حقيقة هذه الوظيفة ، وكيف تعدون أنفسكم عادة لهذا العمل ؟ وإني لأحس أنكم قد تعتبرون سؤالي هذا إهانة لكم . ولكني برغم ذلك اشير عليكم بالتفكير والتدبر . إن الروائي لا يمهر في عمله إلا بعد الفشل ، وربما صادفه الفشل مرارا كما حدث لبلزاك وزولا . وقلما يفلح الرواني لأول وهلة . والروائيون الذين اشتعلت مواهبهم بين عشية وضحاها انطفأت فيهم جذوة هذه المواهب كذلك بين عشية وضحاها . والتراجم التي بين أيدينا اليوم تشبه ما كنا نتناول من قصص إذا لم يخرج لنا إلا قليل من الروائيين ؛ أكثر من محاولاتهم لأنهم الأولى الناقصة التي صدرت عنهم أيام التمرين . مع أن القصصي يتولى عملا هينا إذا قيس إلي عمل المترجم ، فهو يصور حياة الأشخاص السذج الذين يخرجهم من بنات أفكاره .
واذكروا أن ترجمة حياة الفرد ليست وحدها الفرع الوحيد في باب التراجم ، فإلي جانب ترجمة حياة الفرد هناك
دراسة حياة الأجناس البشرية - أو دراسة حياة الجماعة ويحتاج مؤرخ حياة الجماعة - مثل أدولف باستيان - إلي تدريب تمهيدي في علم الحياة وعلم النفس وإلى علم واسع في الأدب ، وبحث شاق خلال رحلات يقوم بها من الهمج المتطرفين ، وإن تنبه مستمر لصغائر التفصيلات .
ولكن هل يقر مؤرخ حياة الفرد راضيا أن حياة الجماعة أحق بالدراسة الجدية من حياة عظمائها ؟ اذهب إلي المتحف البريطاني أو إلى معهد الدراسات الإنسانية وانظر إلي مجموعات الصور الفوتوغرافية التي تدعو إلى الإعجاب ، والتي يصور بها مستر بورتمان كل خطوة في تطورات الحياة بين ( الأندامانيين ) في صنع القوس والنشاب مثلا ، أو انظر - إن استطعت - إلي الصور الشمسية الرائعة التى يسجل بها مستر إم تيرن هنود فيينا ذوي البشرة السمراء الجميلة ، في كل مرحلة من مراحل عملهم وبخاصة ألعابهم . اليست صياغة المقطوعة الشعرية التى تفترق قلوب الرجال في كل الأجيال جديرة بالدرس كصنع الرمح ؟
وهل لا يثير الرجل النابغ يجمع الأصداف من سواحل الأبدية الاهتمام ، كما تثيره ألعاب الهمج ! ومع ذلك فقل من يحسب أن البحث في الطريقة التى ألف بها ( بيرتز ) أغانيه او صاغ بها ( نيوتن ) نظرياته جدير بالعناية . لقد كان يكفيهم أن يقولوا هذه الكلمة المقدسة " إلهام ! " ثم يضجعون على ظهورهم مطمئنين . ولكن علماء التشريح لم يدركوا أسرار التنفس بهذه الطريقة ؟ .
إن تاريخ حياة الفرد شبيه كل الشبه بتأريخ حياة الجماعة فتاريخ حياة الجماعة صورة حياة جنس من الأجناس ، وتاريخ حياة الفرد صورة دقيقة لحياة رجل واحد . وكلاهما فرع من فروع علم النفس التطبيقي ، وهي طريقة دقيقة للبحث العلمي . ولم يكن علم النفس إلي عهد قريب طريقة دقيقة من طرق البحث ، وكان الفيلسوف يستوي فوق مقعد وثير يكتب تاريخ النفس
البشرية في استخفاف ، كما يجلس المترجم حتى هذه اللحظة ليكتب تاريخ نفس واحدة . وقد انقضي هذا العهد فيما يختص بعلم النفس البحت . وأصبح علم النفس علما صحيحا لأول مرة منذ أسس ( وندت ) من عشرين عاما مضت أول معمل لعلم النفس . وفي ألمانيا والولايات المتحدة - وهما الدولتان اللتان نتطلع إليهما اليوم للاستنارة في هذا العلم الجديد - علمتنا مجهودات منشتربرج وبرير وستانلي هولى وجاسترو وسكربنشر كيف نصل بالطرق الدقيقة إلى إدراك أسرار العمليات العقلية للرجل المتوسط .
ولا يجرؤ اليوم أحد أن يسمى نفسه عالما نفسيا إلا إن كان يألف طرق هؤلاء الرجال العاملين وما وصلوا إليه من نتائج وقد زج قليل من علماء النفس في إيطاليا وفرنسا بهذه الطرق في بحث الشواذ من الرجال . وقام أوثولني بفحص ميدان الفكر الذي يجول فيه بعض النابغين من الرجال ، كما قام بيني بتتبع الطرق التى يسلكها بعض كتاب المسرحية في التفكير في مسرحياتهم وفي كتابتها ، أمثال ديماس وجنكور وساردو وميلهاك وبخاصة دي كيرل ، ووصل إلي نتائج شائقة جدا . ولكن كم من المترجمين بذل جهدا - مهما تكن المادة التيسرة ناقصة - في تقريبنا من قلب شخصية كبيرة مبتكرة أو من ذهنها الجبار ؟ والمترجم مع ذلك يزعم أنه يعرض علينا " حياة هذه الشخصية " وكم مترجم يدرك أنه عالم نفسي وأن قواعد فنه قد وضعت إلى حد بعيد - وأستميح في ذلك عذر الباحثين الحقيقين .
إني علي بقين تام أيها السادة أنكم تحسون إحساسا غرزيا بأن ما قدمت لكم هراء باطل . نعم إن عليكم واجبا للجمهور ، وهو يدفع لكم بسخاء على عمل تؤدونه على عجل ، لأن الجمهور عنده شعور قلق بأن شهرة الرجل العظيم تفسد إذا لم تلتهم عاجلا . ثم إن عليكم واجبا آخر نحو الأقرباء والأصدقاء الشخصيين للبطل الذي تؤرخون له ،
وهم لا يعاونونكم إلا إذا قدمتم لهم شخصية سمحة محتشمة محافظة على التقاليد مهذبة لا غبار عليها ولا شية فيها ، حتى ينظر إليها الرائى دون أن يجد فيها مفخرا . ثم إنكم قد تقرون في النيابة أنكم في الأعماق لا تثقون في أنفسكم أو في قرائكم ، فلا تجرؤون على مس البطل من موطن ضعفه - أو على جذب الثور من قرنيه .
ولا شك في صحة هذا وإن فيه لكثيرا من الصدق ، ما دمتم تكررونه خلال السطور في كتبكم في جد وغير انقطاع . ومع ذلك فقل من الرجال من لم تمت شهرته بين عشية وضحاها ، وبقي حيا بعد ما بات أقرباؤهم وأصدقاؤهم ترابا من التراب . وهذه الحالات النادرة هي التي تجعلني أسائلكم : هل من الحكمة أن نضحى مصلحة العالم في سبيل مصلحة جبل زائل ؟ ألا يجدر بنا أن نبث خمس سنوات - أو حتى خمسين سنة ، أو إن اقتضي الأمر
خمسمائة سنة - ثم تظفر في النهاية بسجل أبدى ملهم لذلك الروح العظيم ؟ ألا يجدر بالمرء أن يعد من الغافلين قرنا ثم يصبح في النهاية من الخالدين ؟ إنما الرجل الوضيع هو الذي يرتعد من إمكان الحصول على ترجمة المسيح كترجمة يوزول لجونسن ، أو أحاديث مع هومر كأحاديث أكرمان مع جيتة ، أو مجموعة لذكريات شبكسبير كتلك التى جمعها فرود ، وهو الذي يخلق جوا يحمل إنجاز هذه الأعمال من الصعوبة بمكان . وهذا الجو في نفس الوقت هو الذي يجعل من الممكن أن يوجد نوع من البطل نادر في الدنيا - وذلك هو البطل المترجم .
وعند هذه النقطة أحب أن أختم خطابي . إن كتابة الترجمة ليست عملا يسيرا . إنما هي عصارة حياة طويلة شاقة ، ولا تتم إلا في وجه عقبات تعدو الحصر ، وأهوال تفوق الوصف ... ...

