هاأنذا يا سيدي أحد هؤلاء القراء الذين فتنوا بأدبك، وغزوت قلوبهم بسحر بيانك.
هاأنذا يا سيدي أحد هؤلاء القراء الذين أنصفتهم في مقدمة كتابك (الأسمار) وصورت لهم خلجات نفسك فكنت كريماً في مناجاتك، نبيلاً في عباراتك.
لقد زخرت العربية بمؤلفات المفكرين بيد أن كاتباً واحداً
لم يسجل آراء الناس وأسمارهم بذلك الأسلوب الحكيم الذي يدعو إلى قراءته، والإعجاب به كما تهيأ ذلك لك ذاك فن الأسمار الذي نحن أحوج ما نكون إليه في عصرنا هذا وقد أصبح أدبنا بعيداً عن مجتمعاتنا وأفكارنا.
لقد تهيأ لك ابتكار فن جديد قبل ذلك، حينما نقلت الغزل والتشبيب من الشعر إلى النثر، في كتابك (ليلى المريضة) كما نبه إلى ذلك الأستاذ الجارم بك، واليوم تبتكر جديداً في عالم الأدب فتصور المجتمع وفيه أصحاب العقول الفطرية تصاول العقول المثقفة فتطلق الحكمة على لسانها سائغة دامغة.
تلك هي (الأسمار والأحاديث) دراسة واسعة، ونقد صائب، وفكاهة راقية، وتمثيل لصور المجتمع. ولعمري لقد ترددت كثيراً عند كتابة هذه الكلمة بعد أن رأيت المؤلف يوصد الأبواب أمام من يحاول تزكية (أسماره) ولكن إذا كان من حق المؤلف أن يبث القارئ شجونه ويقدم إليه عصارة أفكاره، فإن من حق القارئ أن يصرح بإعجابه.
وإني لأتقدم إلى رجال المعارف أن يقرروا مطالعته في مرحلة الثقافة العامة حتى يتقن الطلبة لغة الحوار والمناظرة؛ ويقفوا على ما يصطرع في الجو الأدبي والاجتماعي من آراء وأهواء، وحقائق وأباطيل، ويتذوقوا جمال اللغة العربية وقد تركت حجر الدراسة إلى تصوير أحوال الناس، وما يدور في المجتمعات.

