الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 463الرجوع إلى "الثقافة"

إلى من يلزمهم من أهل البضائر :, الطابق الأعلى

Share

سأصور لك أيها القاريء الكريم صورة ساذحة ليس فيها تجميل ولا تنسيق . هذا بيت تقادم عليه الزمن ، ومرت عليه الحوادث عاما بعد عام ، حتى هدت قوته ، فتساقط ما كان يغطي حجارته من الدهان البديع ، وتأكلت جدرانه قطعة بعد قطعة ، وضربت الرطوبة في أساسه حتى مشت في بنائه ، فجلت على وجهه بقعا كالحة ، وزاد الزمان عنفا على ذلك البيت المسكين ، فأرسل عليه من السماء صاعقة بعد صاعقة دكت منه ركنا وتركت ركنا . فجعلته كالإنسان المشلول ، يعلو منه جانب ، ويهبط جانب . ولهذا البيت المسكين صاحب يملكه إرثا عن آبائه ، يؤجره لساكن بعد ساكن ، ويضع الأجرة كلها في جيبه ، ويبخل عليه بالقرش الواحد ينفقه عليه ليصلح من شأنه . ثم مات ذلك المالك ، وورث البيت ولده ، وكان يعتز بميراثه ، فرأي أن من العار عليه أن يبقي بيته على صورته الكالحة القبيحة ، فعزم على أن يقوم بتحسينه وتجميله ، ليكون في نظر الناس جديرا بمجد صاحبه ، وهو من أعيان الناس وأكابرهم ، وما كان ينبغى لمثله إلا أن يكون بيته عظيما مثله . ولكنه بدل أن يهدمه ، ويزيل أنقاضه ، ويقيم على أرضه عمارة جديدة ، فكر في بدعة بارعة . فقد أتى بمهرة الدهانين ، وأمرهم أن يخلعوا على داره أبهي الألوان ، وأن يزخرفوه بأحسن الزخارف . ولم يبخل عليهم بما طلبوا من المال ، فما هي إلا أسابيع قليلة حتى كان بيته يبدو كالعروس .

ولكن العرائس يا سيدي القارئ العزيز أنواع ،  فمنهن الشابة التى لا تحتاج إلى الدهان ، فإذا دهنت بالأصباغ تلألأت كازهار الجنان . ومنهن العجوز التي تستطيع

أن تبهر الأنظار بأدهائها في ليلة الجلوة ، حتى إذا ما خلت إلى نفسها في الصباح غاص قلبها في أعماق صدرها حذرا مما يخبئه المستقبل لها . هكذا صار البيت مثل هذه العروس العجوز في ليلة جلوتها .

ولكن صاحب البيت نظر إلي بهاء ألوانه ، وامتلأ قلبه كبرا وسرورا ، ثم بلغ به الزهو أن حدث نفسه ببناء طابق أعلى ليتخذه لنفسه مسكنا . فجمع أمهر البنائين ، وأمرهم أن يقيموا له فوق الدار طابقا جديدا فخما . ولم يبخل عليهم بما طلبوا من المال ؛ فما هي إلا أسابيع حتى كان الطابق الجديد يتمايل من الخيلاء فوق رأس الدار . وذهب السيد الثري بأهله وخدمه وحشمه إلى المنزل الجديد ليشرف منه على حياة سعيدة جديدة .

وذات يوم صحا أهل البيت جميعا على صوت فرقعة هائلة ، فهبوا من نومهم مذعورين ، فإذا البيت قد خر بأعلاه وأسفله ، وردم جميع من فيه بحطامه .

هذه صورة ساذجة أردت بها أن أبين للقاريء الكريم معني يثور في نفسي كلما تأملت أحوال هذه البلاد العزيزة . هذا الوطن الذي ورثناه من آبائنا منذ أجيال ، لا نستطيع أن نحددها . هذا الوطن الذي يرجع تاريخه إلي ألوف وألوف من السنين ، تعرض في أثنائها لحوادث الدهر التي لم تترفق به . فقد طالما أغار عليه الأعداء ، وأذلوا أهله ، وحطموا عمرانه ، ولم يتورعوا عن إيقاع أفدح المظالم به . وكان هؤلاء يقيمون في ربوعه سادة لا يعبأون إلا بشيء واحد ، وهو أن يسخروا أهله في العمل لكي يحصدوا لأنفسهم كل خيراته . كانوا لا يحسون لأهله رحمة ، ولا يخطر في قلوبهم أن يتركوا لهم من خيرات الأرض ما يصلحون به ما تهدم من بيوتهم ، ولا ما ماتوعر من طرقهم ، ولا ما أحرق من اثاث مساكنهم . كانوا كما قلت لا يعبأون إلا بما يأخذون لكي يتمتعوا تمتع السادة الأغراب الذين جاءوا إلى البلاد فاتحين بحكم السيف .

ورثنا نحن هذا الوطن الذي طالما شهد من أحداث الدهر ماجعله حقلا من أرض خصبة بهم عليها شعب محطم يحاول ما أستطاع أن يجد لنفسه مأوي من الطين ويحتال ما استطاع أن يختلس قطعة من خيرات الأرض يمسك بها رمقه .

ورثنا نحن هذا الوطن منذ نحو قرن ونصف عند ما بدأت مصر تعود إلى الوعي وتعرف لنفسها وعودا بفضل الحركة الوطنية التي أخذت في الظهور في أواخر القرن الثامن عشر ، ثم نمت وتج سدت منذ عهد الرجل العظيم محمد على باشا ، حتى آل ملك الوطن إلينا نحن أبناء هذا الجيل .

ورثنا نحن هذا الوطن ولكنا لم نقف طويلا لنفكر في أمر ذلك الميراث ، ولا في خير الوسائل للانتفاع به ، بل فعلنا ما فعله صاحبنا الذي ورث البيت المتهدم عن أبيه ، ورأي أن أباه ترك له مالا كثيرا فأحب أن يبني لنفسه طابقا جديدا يليق به . نعم كنا مثل ذلك الوارث الصغير ، فاكتفينا بالدهان الظاهر الذي يخفي ضعف البنيان ، فأنشأنا المدن العامرة وفسحنا ميادين النشاط الاقتصادي لرؤوس الأموال من كل أطراف الأرض ، وكثرنا من المشروعات التجارية فتضخمت ارباحها وزادت ثروة أصحاب المواهب من رجال الأعمال والشركات فجمعوا الملايين وبنوا العمائر ، وازدحمت الشوارع بالسيارات الفخمة وصارت عواصم القطر تباهي عواصم العالم الكبرى في مفاتنها وتبرجها وترفها . ولكن أين أساس كل هذا ؟ أساسه هو هذا البناء القديم المتهدم الذي لم نصنع له شيئا سوى أن دهنا وجهه بالطلاء اللامع حتى صار بارعا يشبه العروس العجوز في ليلة جلوتها .

فلو كشفنا هذا الطلاء قليلا لظهر لنا من تحته الخط الجاهم فاغرا فاه يصيح بنا منذرا : لو خرجنا من هذه الشوارع الفخمة التى تموج ما فيها من سيارات ضخمة ومن هذه العواصم التي تباهي أوربا بفيلاتها وعماراتها وحركتها الصاخبة ، لو خرجنا من هذه الأسواق العامرة التي نسمع

فيها رطانة كل لغات الأرض ، ومن هذه الصانع الشامخة التي تعود على أصحابها كل عام بالملايين من الجنيهات ربحا ( حلالا ) . لو خرجنا من كل هذا إلى الريف المسكين - إلي الدور الأسفل من البناء ، لعرفنا أننا نعيش في الطابق الأعلى فوق جدار يريد أن ينقض .

ولقد آن لنا أن نكف عن خداع أنفسنا بأننا قطعة من أوربا - أو بأننا أكبر أقطار هذا الشرق الأدنى . آن لنا أن نعرف أن هذه العظمة التي تخدعنا تحتاج إلى أن يدعمها أساس يستطيع أن ينهض بها ، فإن هذه الأمراض التي تتوالي علينا قد أظهرت لنا ان الشعب الأكبر في هذه البلاد لا يعيش - نعم إنه لا يعيش - إنه لا يزال كما تركه الأعداء الفاتحون منذ آلاف السنين ، يهيم على هذه الأرض ليعمل ويحاول أن يجد لنفسه مسكنا من طين الأرض ، ويحتال لكي بختلس له لقمة يمسك بها رمقه ورمق عياله . إن هذا الشعب لا زال كما كان يعيش في وقت الذلة ، عندما كان الاعداء يحكمونه ، على حين اننا الآن منه وهو منا إننا من ارومة هذا الشعب وهو من ارومتنا ؟ وإذا كان الفاتحون الأعداء قد فنموا فيما مضي بأن يتمتعوا بنسخيره ويتمتعوا بمحصول كده فإننا جديرون بأن نشعر غير هذا الشعور لأننا منه وهو منا .

أرأيت إذا أكلت أنت أيها القارئ العزيز حتى شبعت وتركت أخاك الشقيق جائعا يتلوي في أسفل الدار ، أيهنأ لك طعامك ؟ كلا بل أكبر ظنى أن تقول لنفسك : " بالسم الهارئ إذا لم أشارك أخى طعامى " .

لقد آن لنا أن نأخذ شيئا ممن عندهم لنعود به على من ليس عندهم . وقد آن لنا أن نعرف أن الحياة المتمدينة الحديثة لا يمكن أن تقوم على أنانية مجموعة قليلة من الممتازين .

الدنيا فانية يا أصحاب البصائر . وقد يكفي الإنسان النعم نصف نصيبه. وإن سعادة المنعمين لتزداد إذا أحسوا أن من حولهم لا يتضورون جوعا . أيهنأ لك الطعام أيها القارئ

العزيز إذا رأيت فقيرا ينظر إلى طعامك بعين ملؤها الجوع ؟ إنك بلا شك تدفع عينه عنك بلقمة من طعامك . أفلا ينبغي أن يعلم المنعمون في هذه البلاد أن هناك من لا يجد القوت مع كل كده ؟

لقد آن لنا أن نفكر جديا فيما يجب علينا أن نعمله نحو هذا الميراث الذي ورثناه عن آبائنا قبل أن نهب من نومنا ذات ليلة على صوت فرقعة هائلة ، ونجد أنفسنا قد انطوينا جميعا تحت الأنقاض .

اشترك في نشرتنا البريدية