طلعت علينا الأخبار منذحين بأن حكومة السودان قدمت للمحاكمة أستاذا مصريا فى تهمة عجيبة - تهمة أنه نطق فى حفل عام مشيدا بذكر الحرية! ثم طلعت علينا الأخبار مرة أخرى بأن شهودا أدلوا فى المحكمة بشهادتهم أن ذلك الأستاذ كان يخطب فى جمع من المثقفين فجهر باسم الحرية ، وناشد الجمع أن يطلبوها وإن كلفهم طلبها أعز الأثمان . ثم طلعت الأخبار مرة ثالثة فإذا الحكم يقضى بسجن الأستاذ ثلاثة أشهر على أن يعجل فى الحكم بالنفاذ ولماذا؟ لأن ذكر الحرية والحض على التعلق بها يعتبر فى قانون السودان تحريضا على الثورة ! هذا هو و الله ما كان ، لا مبالغة فيه ولا تحوير، إلا أن أكون قد أجملت فى إيراد القصة واختصرت فى سرد حوادثها .
ثم طلعت علينا أخبار أخرى بأن حكومة السودان قد حاكمت الطلاب والصحفيين وبطشت بكل من ينطق بلفظ أو يكتب كلمة يشتم منها أنه من دعاة الحرية أو طلاب الاستقلال إذا فهناك قانون فى القرن العشرين يعتبر ذكر الحرية تحريضا على الثورة ، وهناك حكومة تعيش فى القرن العشرين وهى فى خوف دائم من كل هاتف باسم الحرية ، فهي تحتمى وراء قانون يعاقب كل من ينطق بذلك اللفظ الرهيب ، ويهيب بالإنسان أن يلهج به ويقدسه .
هناك إذا قانون فى بقعة من بقاع الأرض يحمل الجهر باسم الحرية ذنبا يستحق العقوبة ، وهناك حكومة فى بلاد متمدينة تحكم قوما من بنى الإنسان لهم كل حقوق الإنسانية ، ولكنها تخشى من كل ناطق بذكر الحرية ، يحض الناس على الحرص عليها والذود عنها والتمسك بها والتضحية فى سبيلها .
هناك إذا حكومة يقوم عليها رجال ينتسبون إلى أمة بلغت من المدنية ذروتها ، وتجرى فى عروقهم دماء أجيال جاهدت من أجل الحرية ، وبذلت فى سبيلها دماء أبنائها وكانت ولا تزال تصيح بأعلى صوتها متغنية باسم الحرية ، ولكنهم يخرجون على كل عقائد أمتهم ، ويحيدون عن سنتها فى تمجيد الحرية ؛ فهم يرهبون أن يسمعوا صوتا يعلو باسم الحرية فى ربوع السودان الذى يحكمونه . وهناك إذا فى السودان حكومة قد رضى ضميرها بأن يستقر حكمها على قانون مثل ذلك القانون الذى عاقب الأستاذ المصرى على تهمة النطق باسم الحرية ! وهذا كله فى القرن العشرين ، الذى صارت فيه الحرية قدسا من الأقداس تقدم إليه القرابين فى كل أمة متمدنة ، ويتخذ وسيلة للدعاية العريضة عند خوض ميادين القتال أو التماس الحجج فى الجدال .
لقد أثيرت الحرب الماضية على هتلر وأشياعه ، وعلى موسولينى وأصحابه ، وعلى أمة الميكادو المقدس ، وكانت أقوي حجة فى تلك الحرب أنها جهاد فى سبيل الحرية تثيرها الأمم التى لا ترضى أن تعيش فى رهبة من الطغاة الذين ينشرون الذلة والعبودية ؛ ولا تزال دول الغرب كل يوم تذع فى صحفها وأحاديث خطبائها أنها لا تقيم وزنا للحياة إذا هى خلت من تلك الحرية المقدسة ، ولا تزال كل يوم يطلع علينا نبأ جديد عن حرص أمم العالم على الجهاد فى سبيل المحافظة على حريات البشر ؛ والدعامة الكبرى لكل هذه الدعاية هى حجة واحدة ؛ هى أن الحياة لا تستحق أن يحياها الناس إذا هى خلت من الحرية .
فما بال أولى الأمر فى حكومة السودان يخشون رجلا يقوم فى جمع مثقف ويذكر ذلك إلاسم الرهيب الذى كان من قبل يفزع قياصرة روسيا وسلاطين تركيا ؟ ما بال حكومة السودان تستتر بمثل ذلك القانون الذى ينم عن نظام يرتجف وبتزلزل من ذلك الاسم كما كانت نظم الحكومات المستبدة من قبل ترتجف من ذكره ؟
على أن الأمر يزيد فى نظرنا ونظر المنصفين عجبا إذا نحن تحدثنا عن المناسبة التى قيلت فيها تلك الكلمة الرهيبة ، تلك الكلمة التى كان ذكرها كافيا لأن يبعث أستاذا مصريا إلى ظلمات السجن فى غير هوادة ولا إبطاء ولا تأجيل فى النفاذ . فإن الأستاذ لم يقم فى الطريق ليحرض الناس على أن يحملوا السلاح وينهضوا لإسقاط الحكومة المرتجفة المتوجسة ، ولم يجتمع مع طائفة من المتآمرين لكى يقلبوا نظام الحكم الجامد المتوثب للدفاع عن جموده . ولم يأت بطائفة من بدو العرب يوزع عليهم السلاح ويملأ قلوبهم الساذجة بدعاية خبيثة ليثير فى قلوبهم نوازع الكراهية والاضطراب والفوضى لم يفعل الأستاذ المصرى شيئا من ذلك ، بل قام فى ناد يجمع صفوة المثقفين من مصريين وسودانيين فى يوم الهجرة النبوية ليتحدث إليهم عن رسول الله محمد بن عبد الله إذ هاجر من مكة هاربا بكرامته الإنسانية معرضا نفسه لأجل الأخطار فى سبيل المحافظة على حريته وعقيدته .
هذه هى المناسبة التى قام فيها الأستاذ المصرى متحدثا عن الحرية يذكر المسلمين فى هذه العصور بأكرم تراث خلفته لهم الأجيال المتعاقبة . لقد كانت ذكرى الهجرة النبوبة المسلمين على مرور العصور علما من أسمى الأعلام يعلقون به أنظارهم وقلوبهم ويعتصمون به كلما اشتدت حولهم الكرب ، ولن تزال ذكرى الهجرة النبوية لهم علما من أسمى الأعلام ، يعينهم على مقاومة العبودية والذل ، ويضئ أمامهم السبيل إذا أظلمت حولهم الآفاق . وما كان الأستاذ المصرى وهو ينطق بكلماته إلا أحد المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها ، إذ يستعيدون ذكرى ذلك اليوم المجيد وما كان فيه من إقدام وتضحية فى سبيل الحرية البشرية فما الذى أغضب حكومة السودان من قوله حتى قدمته للمحاكمة ؟ رأى قانون هذا الذى يعاقب على التحدث فى مثل تلك الذكرى الكريمة ؟ ألم تفطن حكومة السودان
إلى أنها قد اتهمت نفسها بغير أن يحس أنها تتهم نفسها ؟ إن الحكومة التى تفزع من ذكر الحرية فهى حكومة قائمة على جرف هار تحس فيه بحرج موقفها . وإن الحكومة التى تخشى لفظا من الألفاظ لجديرة بأن يزلزلها ذلك اللفظ ويدك قواعدها . وإن القانون الذى يخدم مثل تلك الحكومة ويعينها على أن تبقى فى القرن العشرين لهو قانون رجعى لا ينبغى له أن يوجد في العصر الذى ثارت فيه الحروب الدموية الهائلة فى سبيل قصد واحد وهو حماية الحرية .
إننا لم نغضب لسجن الأستاذ المصرى ، بل لعلنا نجد فيه عزاء وفخرا ؛ فإنه مما يشرف مصر أن يؤذى أحد أبنائها فى سبيل تقديس ذكرى الحرية فى مثل ذلك اليوم الذى تحدث فيه المسلمون عنها فى المشارق والمغارب ؛ ولكنا أسفنا وامتلأ قلبنا من ذلك الحكم حنقا وإنكارا . بل إننا قد شعرنا بأن هؤلاء الحكام الذين قدموا الأستاذ للمحاكمة قد خرجوا عن حدود هذا العالم الحديث الذى نعيش فيه ، وخانوا مدنية الأمم المتمدنة التى ينتمون إليها . وشعرنا كذلك بأن هذا القانون الذى قضى بعقوبة الأستاذ المصرى إنما هو بقية من بقايا الطغيان الذى ما كان ينبغى له أن يعيش فى عصر يقدس الحرية .
إنه لمن العار على مصر وعلى انجلترة معا وهما شريكتان فى حكم السودان أن تكون الحكومة التى تمثلهما قائمة على مثل ذلك القانون الرجعى ، محتمية وراء نصوصه البالية ؛ وإذا كنا نلوم الحاكم على حماية الطغيان بذلك القانون فإنا نعتب على الحكومة المصرية لأنها شريكة فى إقامة نظام كذلك النظام الذى يقوم على مثل ذلك القانون . وأملنا عظيم فى أن تفطن مصر وتفطن بريطانيا إلى أن الواجب عليهما إعادة النظر فورا فى ذلك التشريع الرجعى بقطع النظر عن موقف النزاع الحالى بينهما فيما يتعلق بمصير الحكم فى السودان .
