الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 455الرجوع إلى "الثقافة"

إلى من يلزم في مصر وغيرها :، أرصدة حساب

Share

فيه ناس كثيرون ( أي في هذا الوجود ناس كثيرون ) لا يحبون أن يقال عنهم إنهم فقراء . بل لعلهم يحبون أن يوصفوا بالغنى ، ما دام ذلك لا يكلفهم شيئا . أما إذا كان الغنى يكلفهم بذلا أو تكرما أو تبرعا أو غير ذلك ، فإنهم لا يترددون في إنكار تهمة الغنى عن أنفسهم ، ولقد عرفت الكثيرين ممن يتعمدون إخفاء ، ثروتهم خوف أن تعرفها مصلحة الضرائب ، وقد يرتكب البعض جريمة التزوير في سبيل الهروب من دفع الحقوق إلى أصحابها ولست أقول هذا لألقي لوما على الناس ، فقد خلقهم الله هكذا لحكمة أرادها ، وأعوذ بالله أن أقف من الناس موقف المحاسبة ، فإني إنسان ضعيف لا أدعي التسامي إلى ذلك القدر غرورا .

ومهما يكن من الأمر فإني أقصد من وراء هذا الحديث أن أقول إنني لست ممن يخشون أن يقال عنهم إنهم فقراء ، لأنني أحب الحق حبا يقلب على الكبرياء ، فلست أجد غضاضة على نفسي من أن أقول إنني فقير ورزقي على الله .

ولقد جشمتنا هذه الحرب الماضية نحن معاشر الفقراء ما لا قبل لنا به من المتاعب ، وأنزلت بنا ما لا نطيقه من الكوارث ، وكانت خسارة المال إحدى المتاعب الكبرى التي حاقت بنا في تلك الأيام السوداء .

وقد حسبت مقدار ما حاق بي من الخسارة في الأموال في مدة الحرب ، فوجدت أن ذلك يبلغ خمسة آلاف جنيه مصري ، وهي الفرق بين الثمن الذي دفعته فعلا في الأسواق لشراء ما يلزم لي ولأهلي في مدة الحرب وبين القيمة المعتادة لتلك الأشياء التي اشتريتها . وهذه الآلاف الخمسة دين لي في عنق المسئولين عن الغلاء الفاحش الذي

قاسيناه في تلك السنوات . ولست أدري أيمكنني أن أطالب بها واستردها ممن سلبوها مني ، أم أن ذلك غير يسير علي ، لأن مثل هذه المطالبة لا تدخل تحت اختصاص محاكم هذه الدنيا ؟ فالأمر لله من قبل ومن بعد ، ولا حيلة لي إلا أن أشكو إلى الله وحده ، إذ لا جدوى من شكواي إلى المحاكم .

وخلاصة القول أني صرت اليوم في موقف عجيب فأنا رجل فقير كما قدمت ، ومع هذا فلي خمسة آلاف جنيه في عنق بعض أهل هذا الزمان ، ولا أجد سبيلا إلى الحصول عليها ؛ على حين أن هناك مئات وألوفًا من الناس قد جمعوا مني ومن أمثالي مئات من ألوف الجنيهات ، لأنهم كانوا في أثناء هذه الحرب يخطفون خطفا ، وينهبون نهبا ، ويسلبون سلبا . ومع ذلك فهم إلى الآن يتمتعون بما أخذوا وخطفوا ، ولا يجد أحد سبيلا إلى أن يأخذ منهم شيئا .

فالدنيا لا تزال كما قال عنها القدماء عجيبة العجائب وغريبة الغرائب ، ولا حيلة لنا فيها إلا أن نسلم ونخضع ونأخذ أمورها كما تحب هي لا كما نحب نحن.

ولكن شيئا واحدا لا أفهمه ولم أستطع أن أفهمه ، مع أنني حاولت جهدي أن أفعل .

فمع أني فقير كما قدمت ، ومع أني دائن دينا عاما مبهما لأهل هذا الزمان ، ومع أنى أقضي حياتي في كد وعمل متصل ، لأؤدي ما علي من الحقوق ، لا أزال أجد في هذا الزمان من يطالبني . ومن أعجب الذين يطالبونني بأن أدفع لهم من مالي جماعة من خيار الناس ، قد فطر الله قلوبهم على حب الخير وخدمة الإنسانية . فهم يرسلون إلي بالبريد أحيانًا تداكر حفلات ساهرة وأحيانًا يرسلون مع رسلهم تذاكر أخرى لحفلات راقصة ، قد كتب عليها ( يحجز العشاء مقدما ) .

وأحيانا ترد إلي من حيث أدري ولا أدري تذاكر

حفلات تمثيلية ، وأخرى طوابع قرش ( بالمئات ) ، وأخرى تذاكر يانصيب . حتى لقد بلغ مجموع ما جاء في شهر واحد ما يزيد على نصف مرتبي الذي لا يكفي كما قدمت لأداء ما في عنقي من حقوق . ولا يحسبن القارئ العزيز أنني كنت رجلا طيبا فخجلت من أن أظهر عجزي ، واضطررت إلى قبول تلك التذاكر ودفعت ثمنها . أبدًا ! فقد رددتها جميعًا ، وأرسلت معها بعض كلمات ضاحكة .

فقد بعثت يوما خطابا إلى أحد هؤلاء العظماء الخيرين فقلت له : إنه إذا أراد العدل كان عليه ألا يطالبني إلا بمليمين اثنين إذا كان يطالب أمثال عبود باشا بألف جنيه ، وبينت له بالإرقام أن هذا هو العدل الذي لا شك فيه ، ولست أشك في أن ذلك الرجل العظيم قد تحقق من عدالة احتجاجي ، لأنه لم يرسل إلي بعد ذلك شيئا من تذاكر حفلات الأوبرج ذات الخمسة الجنيهات .

وهكذا كنت كلما جاء إلي شئ من هذه التذاكر رددتها إلى اصحابها الفضلاء ، وخرجت من المكروه بتضحية ثمن طوابع البريد . وعزائي في ذلك أن ثمن طوابع البريد يدخل إلى خزانة الدولة ، وقد يصرف في وجه من وجوه المصلحة العامة .

وكانت نظريتي في رفض كل التذاكر نظرية ساذجة لا تعقيد فيها ولا التواء ؛ فأنا رجل كما قدمت فقير ، ولا يليق بي أن أتبرع إلا لمن هم أفقر مني . ومن المعلوم أن نصف دخل هذه الحفلات يذهب إلى اصحاب الملاهي الأغنياء والنصف الآخر يذهب إلى الذين يحبون الحفلات الساهرة أو الراقصة من الفنانين والفنانات ، وهم جميعا بغير شك من أصحاب الثراء العريض . فلا يبقى بعد ذلك ما يمكن أن يوجه إلى أعمال الخير إلا شيء لا يذكر ، ولا يجدر بي أن أرتكب حماقة مثل هذا التبرع . . وقد قدمت في أول هذه الكلمة أنني رجل دائن ، وقد أخذ مني في أيام الحرب ألوف من الجنيهات ، ذهبت كلها إلى

الجيوب المنتفخة من أثرياء الحرب ، فإذا كان ولابد لي من تشجيع أعمال الخير فأنا مستعد لأن أحيل أصحاب القلوب العامرة بحب الإنسانية على هؤلاء الأثرياء ، ضخام الجيوب ، ليأخذوا بعض ما لي عندهم ، لعلهم يصفون معهم الحساب نيابة عني ، فإذا قبلوا فإني أبعث إليهم شيكا على بياض يقبض من أحد هؤلاء أثرياء الحرب . هذه هي نظريتي البسيطة ، أعلنها هنا لعلها تصل إلى آذان من يهمهم الأمر ، لعل فيها اعتذارا مقبولا عن رفضي التذاكر التي ترسل إلي للمساعدة على أعمال البر .

وقد نسيت أن أقول في أول هذه الكلمة إنني رجل موظف ، وقد كانت نفقات الحياة في مدة الحرب تزيد على أربعة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب ، ولكن مرتبي لم يزد على ما كان عليه قبل الحرب إلى بنسبة لا تزيد على العشر . نعم العشر بضم العين ، وهو الذي يعبر عنه في لغة الحساب بقولهم عشرة في المائة .

ولم أوفق في أثناء الحرب إلى أن أكون في وظيفة أستطيع فيها أن أسرق شيئًا من أحد ، أو أن أختلس شيئًا من أموال الدولة أو أموال الرعية ، ولهذا خرجت من الحرب ( بكل أسف ) في أزمة أشد من أزمة إنجلترة ، لطف الله بي وبها .

فالدولة نفسها مدينة لي بمبالغ طائلة ، وأظنها لا تستطيع أن تنكر ديني كما فعلت انجلترة مع مصر .

هذه كلمة قصيرة أتجه بها إلى من يلزم من الفضلاء أصحاب القلوب الكبيرة ، فإذا هم كفوا عن مطالبتى منذ اليوم بأثمان تذاكر الحفلات الساهرة والراقصة وما إليها كنت شاكرا ؛ وإلا فإن عازم على أن أطبع دفترا خاصا لشيكات من نوع جديد ، أحولهم بها على الدولة المصرية وعلي أصحاب الجيوب الكبيرة من أغنياء الحرب بما لي عندهم من الديون .

اشترك في نشرتنا البريدية