الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 404 الرجوع إلى "الثقافة"

إلى من يلزم في وزارة الشئون الاجتماعية :, هذه الأفلام المصرية

Share

ظريف جدا من الرجل الذي يدخن أن يمنع من التدخين إذا جلس مع صديق لا يحب التدخين . فهذا نوع من التضحية باللذنة الشخصية في سبيل المحافظة على شعور الصديقين . وظريف جدا من الرجل الذي يغرم بتربية الكلاب الأرمنتي الشرسة ان يقيد كلابه أو يربطها في سلاسل متينة حتي لا نرعج الجيران ولا تعقر اطفالهم . وظريف جدا من الرجل الذي ابتلاه الله بالإدمان على نوع من ) المكيفات ( ألا يعلن ) كيفه ( لأولاده حرصا على مصلحتهم حتى لا تسري عدواه إليهم . فهذا كله نوع من المروءة التي تستحق الشكر  فالشخص الذي يحس من نفسه نوعا من النقص مشكور إذا هو جنب الناس عواقب ذلك النقص ومنع الأذي إليهم

ولقد كانت الحكومة المصرية مشكورة كل الشكر على شيء مثل هذا . وتفصيل ذلك أنني قرأت في صحيفة من الصحف اليومية نبأ قصيرا لا يزيد على بضعة أسعار ، ولكنه كان خيرا جليلا يجدر بكل من قرأه أن يقف عنده طويلا لبشكر الحكومة على مروءتها : ذلك الخبر هو أن وزارة الشئون الاجتماعية ) وهي وزارة حكومية كما هو معروف ( قررت ألا تتحيح إصدار الأفلام المصرية إلي الأقطار العربية . فعمل وزارة الشئون الاجتماعية إذا صح الخبر تصرف يجب علينا جميعا أن نشكر الحكومة المصرية عليه . ولقد وقفت عنده ساعة طويلة أتأمل مغزاه وأتبين معناه ، وأقدر مبعثه ومنتهاه ، وكنت طوال تلك الساعة أسبح بحمد حكومتنا المصرية وأسأل الله لها دوام التوفيق . فالأفام المصرية كما يظهر لا تناسب تقاليد الشرق - ولست أدري إذا كانت توافق آداب الغرب . وقد شهدها أقوام من إخواننا الناطقين بالضاد في الأقطار العربية ، ولا شك أن فيهم من أحبها وفيهم من كرهها ، وفيهم من أغراه فيها اللهو وفيهم من توجس منها خوفا من الفتنة والغي . فرأت حكومات الأقطار الشقيقة أن تلفت نظر الحكومة المصرية إلي أن تلك الأفلام ليست على ) كيفها ( وأنها قد تفسد عليها أخلاق شبابها ، فاستجابت الحكومة المصرية إلي ذلك ، وكان ما كان من تقرير وزارة الشئون الاجتماعية أن تمنع تصدير تلك الأفلام إلي الجيران حتي لا يتعدي ضررها حدود هذا الوادي الكريم أليست الحكومة المصرية جديرة بالشكر على هذه اللفتة التي تم من تقديرها لمصالح الشباب في بلاد العروبة ، وحرصها على تجنيب شعوب الأقطار الشقيقة تغرير المفاتن وتضليل الغواية

ولكن بقي سؤال وجهته لنفسي عند ما قرأت هذا الخبر الصغير : أليس لشعب هذا الوادي حق على وزارة الشئون الاجتماعية المصرية فتنظر في حمايته من أضرار

الأفلام كما نظرت في حماية الشعوب الآخر ؟ هناك بغير شك حجج كثيرة يمكن أن تورد دفاعا عن سياسة عدم التدخل في حرية إنتاج الأفلام . فإن في العالم طائفة من كبار المفكرين الذين يرون انه من الخطر التدخل في الحريات بأية صورة من الصور ؛ فهناك أمثال الأستاذ لاسكى الكاتب الإجتماعي الكبير ، وهو ينادي بأنه من الخطر تدخل الحكومات في أي شأن من شئون الأفراد وإن ذهبوا إلى ابعد مدى في إساءة استعمال حريتهم ؛ فهو مثلا يقول في كتابه " الحرية في الدولة الحديثة " : إن لكل فرد الحق الكامل في أن يكون داعرا أو ماجنا أو فاسد الأخلاق أو مدمنا للمخدرات

ومن رأي هذا الأستاذ وأمثاله أنه لا ينبغي للفساد ان يحارب إلا بطريقة واحدة وهو شعور الشعوب نفسها ، فهي الكفيلة بأن تحافظ على نفسها وعلى سلامتها بما عندها من قوة الحكم وما تنطوي عليه نفوسها من تقدير اصالحها ، فالحرية عند ) لاسكى ( وعند أمثاله أقدس من أن يعبث بها أحد مهما كانت رغبته في تحقيق المصلحة العامة

وهذا رأي له قيمته بغير شك لأن التدخل في الحرية محفوف بالأخطار الجسيمة ، وقد يؤدي إلى مواقب أوخم من عواقب الفساد نفسه .

فإذا نحن نظرنا إلي سياسة الحكومة المصرية نحو الأفلام التي تنتجها الشركات المصرية أمكن أن نجد لها حججا تبررها وتعززها .

فللحكومة العذر أنها لم تسمح لنفسها أن تحجر على حرية المنتجين تاركة لجمهور النظارة محاسبة أصحاب الأفلام بما عندهم من حكمة وذرق وثقافة . فالجمهور المصري يستطيع إذا شاء أن يرغم المنتجين على أن يخرجوا له أفلاما غير هذه السلاسل المصورة السخيفة ويستطيع ان يحملهم على التحري في اختيار ما يعرضونه عليه . ولكن ذلك يستلزم أن يكون الجمهور ذا ذوق فني راق ، وثقافة عالية ، وحكمة متزنة ، فإذا تحقق ذلك الشرط لم يبق محل التدخل

الحكومة ، لأن أصحاب شركات الأفلام لا يلبثون أن ينتجوا للجمهور ما يطلب من الموضوعات ، وما يرضي ذوقه من المناظر ، وما يمس قلبه من المعاني . ولكن ذلك الشرط يحتاج إلي زمن طويل حتي بتحقق . وأصحاب شركات الأفلام من أذكي التجار وأحذقهم وأبصرهم بمنافذ الضعف البشري . وهم يعرفون كيف يدخلون السخافة إلي قلوب ذلك الجمهور قسرا بغير أن يشعروه بالقسر . فهم يعمدون إلي الحيلة المعروفة في الطب وهي ) البرشام ( كالطبيب الذي يحتال علي أن يجعل المريض يبتاع الدواء الكريه الطعم بأن يضعه في برشامة . فهم يعرفون مثلا أن المصريين يحبون الصوت الجميل ، فما كان أسرعهم إلي دس السخافة في فلم له بطل من كبار المغنيين . وهم يعرفون أن المصريين يحبون فن الرقص ولا سيما ما كان منه مستمدا من قصص ألف ليلة . فما كان أسرعهم إلي دس السخافات في أفلام تحتوي علي مناظر الرقص المستمد من ألف ليلة ،  وبهذا استطاعوا أن يتدسسوا إلي منافذ الفتنة وباحثوا إلي إقبال الجمهور المصري لأن النظارة يقنعون بالصوت وفن الرقص إذا فانهم الفن الصحيح والمعني

فما الحيلة في حماية الجمهور مع كل هذا الذكاء الذي يمتاز به منتجو الأفلام ؟ نحن بين أمرين أحلاهما مر : فإما أن نطلب تدخل الحكومة في إنتاج الآفلام وفرض رقابة دقيقة عليها ، وإما أن ندع الامر حرا وننتظر حتى يبلغ الجمهور حدا من الوعي يمكنه من إيقاع العقوبة على السخفاء بالإنصراف عن إنتاجهم .

والحل الأول : عرضنا لخطر سوء تصرف السلطة وفرض إرادة الموظفين على الإنتاج السنمائي ، وفي هذا ما فيه من عنف قد يكون عنفا متاربا .

والحل الثاني بعرضنا لخطر التغرير بالشباب وذوي الثقافة الضئيلة والحكمة القليلة

وعندي حل واحد اقترحه لعل فيه خروجا من هذا المأزق . فإن الحكومة تشجع بعض المؤسسات التي تسعى

لتحقيق مصلحة عامة . فهي مثلا تصرف الإعانات بمئات الألوف من الجنيهات سنويا للمدارس الحرة التي تعلم أبناء الشعب ، وهي تصرف الإعانات للمؤسسات الخيرية التي تعمل على مكافحة الامراض او تساعد على إيواء البائسين من العجزة .

ومن الممكن أن تنظر الحكومة إلي صناعة إنتاج الأعلام نظرتها إلي الهيئات الى تؤدي خدمة عامة ، وذلك بأن تخصص جانبا من الأموال العامة لإعانة بعض مؤسسات الإنتاج السنمائي إذا هي تحققت انها مؤسسات جادة لا تسعى لاكتساب الذهب وحده بل تقصد خدمة الفن علاوة على الربح .

فإذا تحققت من أن مؤسسة سنمائية تتعالي عن التماس

الربح الرخيص من منافذ الضعف الإنساني ، بل تعمد إلي الفن العالي في التأليف والإخراج ، اقبلت عليها بتشجيعها وإعانتها لأنها تكون بمثابة مدرسة اجتماعية تعمل على ترقية الذوق الفني وتسمو بالعواطف وتذيع بين الجمهور نوعا من المسرة الراقية التي لا تندس فيها السموم . ويقينا إن وجدت مؤسسة مثل هذه وعرفت أنها تستطيع الحياة مع تشجيع الحكومة ، أنهما سوف تغزو تلك الطفيليات التي قد حملت مصر عارا عظيما في بلاد الأمم الشقيقة ، إذ جعلتها تشكو مما تصدره مصر إليها من أفلام تافهة سخيفة حتى أدي الأمر أخيرا إلي تلك اللافتة التي لا تقل في نظر العقلاء عن صدمة عنيفة لذوق الشمب المصري

ومقاييسه الفنية والمعنوبة .

اشترك في نشرتنا البريدية