هو قصر جليل ظريف تقبل عليه من أي النواحي أنبته فتجده منيفا يتنفس روعة . ذلك لأن فيه شيئا من روح الملك إسماعيل . وتدخل إلي حجراته وأبهائه فتجد فيه قطعا من بقايا عزء القديم نلمح فيها روح الفنان الذي ابتدعها ، وكل جزء من تلك القطع جدير بأن يدخر مع محفوظات الآثار التي تتحدث عنها الأجيال ، لأن عصر اسماعيل كان عصراً فذا له شخصيته التي استعدها من ذوق الفنان إسماعيل . ومع ذلك فقد ترك ذلك القصر لكى يتهدم ولكى يندثر قطعة بعد قطعة ولكى يتساقط حجراً بعد حجر بغير أن نعبأ العيون بما فيه من تحف وبغير أن تفطن القلوب إلي ما يتطوي عليه من روح . وهذه حديقته الفسيحة التي كانت بغير شك آية من آيات الإبداع فيها الكهوف الصناعية البديعة وفيها الوديان المبنية الأنيقة ، وفيها العيون تتفجر بالمياه الصافية كأنها قد نبعث من ثنايا الصخر ، وفيها الأشجار العجيبة التي لم يعرف أحد أن يجلب مثلها إلي مصر سوي الشاعر اسماعيل . بل إن هناك الحشائش ذات الأوهار الغريبة ، وهناك الشجيرات ذات الألوان الساحرة ، ولكن ذلك كله قد صار اليوم إلي أحراش موحشة شعثاء بعد أن كان جنة فيحاء وتحول إلي أكوام وأخاديد بعد أن كان من مسارح الروح ومساكن الفيد ؛ فوا حسرتا أهذا قصر إسماعيل ؟ .
وقد زار هذا القصر قوم بعد قوم من أهل البلاد الآخر الذين يؤمون هذه البلاد ولكنهم لم يزوروا القصر لكي يروا بدائعه ويتمتعوا بمناهج ذكرياته ، بل لكي يزوروا بعض معاهد العلم التي يؤديها ذلك القصر اليوم لأن قصور اسماعيل ما زالت هي المأوي الذي يظل
المعاهد ودور الحكومة إلي اليوم وسأل هؤلاء الزائرون عمن بني ذلك الأثر الذي يأبي جماله إلا أن يظهر من ثنايا حطامه والذي يأبي جلاله إلا أن يشعر الزائرين الروعة من خلال أخاديده وكتباته . ولما علموا أن الذي بناه اسماعيل تحركت قلوبهم عطفا يشوبه العجب وإجلالا ممتزجا بالرئاء ، وقال قائلهم : وكيف نكون هذه حال الأثر الجليل ؟ ثم علموا بعد ذلك أن القصر قد صار إلي أيدي الأفراد ملكته ولها أن تتصرف فيه كما نشاء ، فقد تبيعه وقد تهدمه وقد تقسم أرضه ابتغاء الربح وتشق فيه الشوارع والأزفة ، فتربح من وراء ذلك ربحاً جليلا وقد تقيم فيه قصورا حديثة فتعني بذلك على أثر قصر ( إسماعيل ) وما إن سمع الزائرون بذلك حتى انطلقت منهم كلمة تكاد تكون صيحة ، فقالوا : أينبغى لهذه الآثار أن تباع ؟ وما الذي يباع منها ؟ أهي الأحجار والأخشاب وقطع من الجذوع والأغصان ؟ إن مصر إذا لتسرف في بقايا مجدها ، وهي إذا مثل الذي يملك تمثالا من تماثيل عباقرة القدماء ، فإذا احتاج إلي أن يسد ثهمة في جدار حطم ذلك التمثال ليصيب منه قطعة من حجر . هذا ما قاله الزائرون الذين بأنون من بلاد غير هذه البلاد ، لأن أذهانهم لم تمتد تصور مثل هذا الإسراف وأما نحن الذين نعيش في مصر فقد نموت أعيننا النظر إلي مثل ذلك التحطيم وتعودت أفئنا تصور مثل هذا التضييع . فهناك قصور أخري آلت إلي أفراد من الناس بعد أن كانت منازل الملوك فاقتطع منها ما اقتطع من الأرض ويبيع منها ما يبيع من التحف واستقر فيها المالك الجديد يتنعم بما كان ينبغي أن يكون تراثاً للأجيال بعد الأجيال . وإنه ليحزن النفس أن نري مثل هذا التصرف الذي يكاد يبلغ حد التدنيس ، فإن هذه القصور تمثل حقبة من حياتنا القومية وتصور لوناً من ألوان تطور حضارتناً الناشئة . ولم يكن إسماعيل يعيش لنفسه بل كان يعيش لمصر ، وما كان يعني لنفسه بل كان يبني لمصر ، وكان يحمل بين جنبيه نفسا
ممتلئة بحب مصر ويحمل في خياله صورة المثل الذي ينبغي أن تكون عليه مصر ، فكان يعمر وينشئ وينسق وينتق ، ويتكلف النفقة الجسيمة ويواصل التفكير والإبتكار في كل ما يؤدي إلي تحقيق تلك الصورة حتى تكون مصر حيث أراد وحتي تصبح صورتها وفق ما تخيله لها . وها نحن أولاء تتمتع إلي اليوم بآثار فنه ويتحرك الشعر في جوانحنا كلما جمعنا خلال قصائده المجسدة في منشأته ؛ فحديقة الحيوان مفخرة من مفاخره وهي في ظل قصر من قصوره ، ودواوين الحكومة لا تزال تتمتع ببقايا عماراته ، وطريق الأهرام متنزعنا وهو الذي بناه ، وحدائق القناطر آية من التنسيق ونموذج للبساتين وهي من الكنوز الفنية التي ورثها لمصر ولو شئنا أن تعدد ما تتمتع به من عطايا عبقرية ذلك الرجل العظيم لطال بنا السرد والتعداد . وهذا كله طبيعي لان الأمم مازالت منذ القدم تتمتع بمأثر قداماها وتسمو بمجد عظمائها وتزهي بمفاخر آبائها وجدودها ، ولكن العجب العجاب أن يخلف الأقدمون ميراثا مجيداً لا يعرف الأبناء قيمته ويلقون به غير حافلين بما له من قيمة خالدة .
لم يبين إسماعيل قصوره لكي تؤول بعد جيلين إلي أفراد يشترونها بالثمن البخس ولا يلتمسون من ورائها إلا اختطاف الريح ، بل إن هذه القصور لم تكن من أول الامر محلا للبيع والشراء ، وإذا كان ولا بد من بائع لها فما ينبغي ان يكون المشتري سوى الحكومة المصرية لان واجبها ان تؤتمن على تراث البلاد . فالبيع من أول أمره منفوض لأنه بيع لما لا ينبغي له أن يباع . وإن من حق كل مصري ان يطالب باسترجاع الصفقة وإعادة الثمن إلي صاحبه بحكم القانون سواء أكان ذلك رضيه أم لا يرضيه
إن كرامة مصر تأبي أن تري قصور اسماعيل في أيد من الأفراد ؛ فهي إما أن تكون ملكا للأمة كلها وإما ان تكون محفوظة على اصحابها الامراء الذين لهم صفة العموم ، وإنها للذعة من الالم ان ينظر المصري إلى مثل هذا القصر
ويتحسر أن يجده حيث لا يعني به ولا يقطن إلي قدره . إن هذه القصور القديمة تتنفس بالذكريات ، والمعاهد التي تستظل بظلها تستطيع أن تستمد من تلك الذكريات مادة قومية لا تجود بها أعظم المباني الحديثة وأجملها وابدعها هندسة . والأمة التي لا تحتفظ بذكريات ماضيها والتي لا تستشعر الكبرياء في اتصالها بأجيال آبائها وأجدادها تكون في خطر دائم من ضياع مثلها العليا وثقتها بنفسها .
ولست أريد أن أحتاط في التعبير أو أن أجمل في الرجاء ، فاني أطالب الحكومة ان تعمل على استرداد هذا القصر وأمثاله من قصور اسماعيل حتى تعود إلى الأمة المصرية التي تعرف كيف تحتفظ بها وكيف تتنفس من ذكرياتها وكيف تصل بها حاضرها بماضيها . وفي الجانب الغربي من النيل على الأقل قصران من تلك القصور ؛ وإنها لأمانة في اعناقنا جميعاً ان نطالب الحكومة باستردادهما ، ولن يكلفها العدل أكثر من رد ما دفع فيهما من الثمن في أول الأمر ، وحسب الأفراد الذين ملكوهما أنهم فازوا منهما بربح وافر من ثمن ماحطموه منهما وما نزعوه من حقهما ، لانهم لم يعرفوا لها قدراً إلا فيما يعود عليهم منها من الذهب ، ولم تتعلق أفئدتهم في شئ منها إلا علي انهما سلعتان في تجارة تعود عليهم بالربح الوفير
