الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 632الرجوع إلى "الثقافة"

إلى من يلزم من الحكومات والشعوب :, مشكلة خطيرة

Share

لك أيها القارئ الكريم أن تعجب معي - فأنا اعجب من نفسي - إذ أنني بعد طول صمت أعود إلي الثقافة الغراء فأحدث قراءها عن مشكلة ! ولو كانت من تلك المشكلات التى تعود الناس أن يتحدثوا فيها لقل مقدار العجب أو زال كله ، فقد يباح لإنسان أن يخوض فيما يخوض فيه الناس ، والمشكلات في هذه الأيام كثيرة بعضها يتصل بالمجتمع المصري وحده وبعضها يتصل بالمجتمع العالمي ، ومنها ما يتصل بسياسة الدول أو ما ينذر بالويل لأجيال المستقبل ، وقد قتلها الكتاب - كما يقولون - بحثا ، وإن لم يقتوها فعلا فهي لا تزال قائمة ، وأغلب الظن أنها لن تزال باقية على رغم القتل الشديد الذي يصبها من أقلام الباحثين ، ولكن المشكلة التى أحب أن أتحدث فها تحمل في طياتها بعض دواعي الخجل ، ولا يخلو التعرض لها من أن يصيبه نصيب من وزرها ، إذ هي تتصل بالحشيش والأفبون وما إليهما من آلات قتل الأفراد وإنامة الشعوب وليس يخلو المتحدث في مثل هذه الأشياء من الشعور بالخجل ، ولكن ما حيلتى وقد أصبح للحشيش والأفيون في مصر مشكلة ؟ فليس يخفى على أحد أننا - معاشر أهل مصر - نستقبل في هذه السنوات الأخيرة هجوما شنيعا يهدد كياننا ومستقبل حياتنا ، فلا يكاد يمر يوم بغير أن نقرأ على صفحات الجرائد السيارة أنباء ضبط مقادير عظيمة من تلك السموم الفظيعة وهي في طريقها إلى البلاد بعد أن تمكن المهربون من إدخالها عبر الحدود .

وأقل تأمل في ثنايا هذه الأنباء يدلنا على أن ثمة حركة عنيفة يديرها المهربون ومن وراءهم من الأفراد والجماعات والدول المعادية لإدخال هذه السموم إلى البلاد وإيصالها في أمن وسلام إلى الألوف الكثيرة أو الملايين التى أغرمت بها وتبذل المال الوفير في سبيل الحصول عليها ؟ وما من شك في

أن مقاومة رجال مصلحتي الحدود والسواحل جديرة بالشكر والإعجاب ، فإن القصص التي تحكي أحيانا عن طرقهم في الاحتيال على اصطياد المهربين تدل على مقدار ما عندهم من ذكاء وإخلاص وشجاعة .

ولكن مما لا شك فيه كذلك أن رجال هاتين المصلحتين لا يستطيعون بحال من الأحوال أن يقولوا إنهم يحولون بين المهربين جميعا وبين بلوغ غاياتهم ، وما كان لهم أن يقولوا ذلك لأن أصحاب الكيف يصلون إلى شراء ما يشاءون من مخدراتهم متى شاءوا من تجار معروفين عندهم ، ولا ينام أحدهم في ليلة مهموما لأنه عجز عن شراء ما يحب من ذلك .

وأغلب ظني أن المقادير التي يضبطها حراس الحدود ليست سوى جزء يسير من السيول الكثيرة التي تنساب إلى البلاد عبر الصحراء الفسيحة أو الشواطئ الممتدة على مئات الأميال .

فالبلاد بحمد الله الذي لا يحمد على المكروه سواه تمتص في كيانها مقادير فظيعة من السموم القاتة التي تفتك بحيوية الأفراد وتقضي علي كرامتهم ورجولهتم ، وتنزل بهم إلى أحط حالات الضعف والاستسلام . حدثني غير واحد ممن يعلمون أسرار تلك المكيفات أن أصحابها يهيمون مع خيالهم في عوالم الأحلام ، فلا يزالون في هيامهم حتى يفقدوا الاتصال بالحياة ويكون أقصى ما يتطلعون إليه أن يفوزوا مرة بعد مرة بلذا ذات الحياة الخيالية الوسني ، ويقول الخبراء بهذه المكيفات كذلك إنها تمتص عصارة الحياة والرجولة في رفق وهوادة فإذا الشاب القوي يعود كهلا فانيا فاتر الهمة بعد سنوات قلائل ، ولعل هذا هو السر الذي يجعل إدخال هذه السموم إلى البلاد من الوسائل التي يتخذها الأعداء للضرب في ظهورنا في وقت السلم يريدون بذلك أن يضعوا

على الشعب رجولته وفتوته ويعجزوه عن المقاومة إذا أرادوا أن يشنوا عليه حربا .

وليس هذا الذي نقوله مجرد استنتاج عقلي ولا هو مجرد افتراض منطقي ، فإن الصحف تحدثنا عن الجهود الكبيرة التي تبذلها إسرائيل مثلا في سبيل تهريب المخدرات إلى مصر ، إما مباشرة عن طريق الصحراء وإما بطريق غير مباشر عن طريق البلاد الأخرى ؛ ولست ألوم إسرائيل على هذه المحاولات الدنيئة لأنني لا ألوم دولة كارهة معتدية على كبيرة من الكبائر يدفعها الاعتداء على ارتكابها ، بل إنني لست أخص باللوم إسرائيل ، وأكاد التمس الأعذار لها فهي دولة معادية وفي حالة تشبه حالة الحرب ، وليس في الحرب موضع لعتاب ، فالدول المتحاربة قد تلجأ إلي أقسى الوسائل وأفظع الأساليب في حربها ، وهي تبعث الميكروب إلى الشعوب الوادعة لتفشي بينها الأمراض ، وهي لا تعبأ بمبدأ من مبادئ الخلق ، ولا تقيم وزنا لمعنى من المعاني الإنسانية في إشباع عداوتها ، ولكن إسرائيل ليست هي الدولة الوحيدة التي تعمل على إفساد سلامة الشعب المصري بهذه الوسيلة الدنيئة ، فإن من الدول الأخرى ( الصديقة ) أو من الدول الأخرى ( الشقيقة ) ما لا يقل عن إسرائيل في إفساد سلامتنا ؛ فإنتاج الحشيش والأفيون مباح في بلاد كثيرة لا حاجة بنا إلى ذكرها ، وهي تعلم أن هذه السلع تصدر إلي مصر ، وهي تعمل بغير شك على تسهيل مهمة المصدرين ، لأنها تعد هذه السموم من منتجات بلادها . ويسرها بغير شك أن يكون استهلاكها في غير أرضها .

مجمل القول أننا أمام مشكلة تجمع في طياتها مشاكل عدة بين اجتماعية واقتصادية وسياسية وحيوية .

ومما يزيد المشكلة شناعة ويكاد يبلغ بها حد السخرية من حكمتنا أن هذه المخدرات تباع بثقلها ذهبا أو بأكثر من ثقلها ذهبا ، ومعنى هذا أننا ندفع من ثروتنا القومية مبالغ باهظة لكي تؤدي ثمن الحشيش والأفيون الذي يهرب إلينا ، فنحن نرسل إلى إسرائل وغيرها من البلاد بغير أن نحس مقادير عظيمة من قومنا وعدسنا وبصلنا وأرزنا ، ولا نتقاضى لها اثمانا سوى هذه الطرود الترابية اللون التي ترسل إلينا .

ألم نسأل أنفسنا يوما عن السر في انحطاط ثمن عملتنا في بعض البلاد المجاورة مع أننا لانحتاج إلى نقدها مثل حاجتها إلى نقدنا ؟ ولو سألنا أنفسنا هذا السؤال لما تعذر الجواب علينا ، فإن نقدنا يهرب إلى تلك البلاد نظير ما يهرب الحشيش إلى بلادنا . وذلك يؤدى إلى انحطاط قيمته فيها نسبيا ، ويمكن تجار تلك البلاد من شراء ما يشاءون من خيراتنا ...

فما ظن القراء الكرام فيمن يبذل ما عنده من طيبات الرزق ، ومن خبرات المطعم والملبس ، ولا ينال لذلك ثمنا غير أطنان من السموم التي تقضي علي الجسم والعقل ! لا احسب أحدا يظن بمثل هذا غير السفه والغفلة .

ولكن ماذا يجدينا من كل هذا القول ؟ لقد أردت بهذا كله أن أفتح أبوابا من الحيل في معالجة هذه المشكلة الخطيرة . فكيف السبيل إلى منع المخدرات من دخول البلاد ؟ ولو كانت الحراسة أو الرقابة عند الحدود والشواطئ مجدية ، لما كان هناك موضع للشكوى . ولكن الحراسة والرقابة ظلت قائمة على الحدود والشواطئ منذ عشرات السنين . ومع ذلك لم يمتنع ورود المكيفات في يوم من الأيام ، بل إن الحراسة والرقابة تكاد تتناسب تناسيا طرديا فيما يظهر مع مقدار مايتسرب إلى البلاد منها . فالمخدرات لم توجد في البلاد في وقت من الأوقات بالمقدار الذي توجد به اليوم مع شدة اليقظة ، ومع الجهود الجبارة التي يبذلها الحراس في مقاومة التهريب .

فأين الحل إذا ؟ هلم أيها السادة فلنفكر معا . ماذا يحدث او وفرنا على أنفسنا كل الجهد في مقاومة التهريب ، وأعلنا أن الحشيش مباح وأن الأفيون حلال . وان المخدرات تحت تصرف من أراد من أصحاب الكيوف بغير حذر ولا خوف ؟ لا تعجل علي أيها القارئ الكريم قائلا : معاذ الله ! ما كان لنا أن نبيح الحرام ولا أن نرضي عن الفساد ، فما أريد بهذا المقترح إلا أن أقاوم زراعة الحشيش والأفيون ، وأن أضرب المهربين الضربة القاضية . فلو أبيح دخول هذه المخدرات لصار ثمنها أقل من ثمن

الحلاوة الطحينية ، ولكان هذا داعيا إلى تقليل حماسة المهربين ، ثم تقليل حماسة الزراع الذين يعميهم الربح عن نداء الإنسانية . فالزارع إذا علم أنه سيبيع رطل الحشيش بعشرة قروش مثلا ، لم يجد من نفسه دافعا إلى زراعته . والتمس لنفسه رزقا آخر من باب حلال ؛ فيزرع بدلا منه زيتونا ونخلا ، وحدائق غلبا ، وفاكهة وأبا .

تقول أيها القارئ الكريم إن هذا المقترح لا يعجبك على الرغم من مزاياه . فنمض إذا إلى حل آخر . لنرفع الأمر إلي هيئة الأمم فشكو الدول التي لا ضمير لها ، لأنها تبيح زراعة السموم الفتاكة وتتغاضى عن مهربيها أو تشجعهم تشجيعا . ولكني أظنك أيها القارئ الكريم غير راض عن هذا الحل أيضا ؛ فإن هيئة الأمم في شغل عن مثل ذلك الأمر بما هي فيه من هم في سبيل الدفاع عن مصالح الأمم الكبرى وإعداد العدة لإشعال حرب ثالثة ، فلنمض إذا إلى حل ثالث : فماذا يكون لو شددنا العقوبة على المهربين وتجار المخدرات والذين يتعاطونها جميعا وجعلنا تلك العقوبة الإعدام ؟ أليس من يهرب المخدر يعمل على قتل أنفس بريئة وإفساد أرض طيبة ؟ أليس تاجر المخدرات شريكا له في جنايته الكبرى ؟ اليس الذين يتعاطون هذه المخدرات جميعا شركاء في الجريمة بأنهم يحرضون التاجر والمهرب على جناياتهم ؟ أراك أيها القارئ مترددا كأنك لقول في نفسك : إن عقوبة الإعدام عقوبة كريهة ، وإن الدول تريد أن تتخلص منها رأفة بالقتلة والسفاكين ، وإن الرأي العام الأوربي والغربي يسيء الظن بالعقوبات التي تحمل طابعا إصلاحيا . وكأنى بك تقول في نفسك : " ولماذا لا تعاقب الذين يتجرون في الخمر كذلك ، ولا الذين يتجرعون منها الصناديق المصندقة ؟ " . إذا فلنمض إلي حل آخر يكون أقل صرامة من هذا . فما قولك في أن نحكم على المهربين والتجار الذين يحلبون هذه السموم بالسجن إلي أجل غير مسمى ، ولا نخرجهم من الاعتقال إلا بعد أن يشربوا كل ما يضبط معهم من الحشيش والأفيون .

إننا نطمئن بهذه الطريقة إلى نتائج محققة وفوائد مؤكدة .

فإنهم سبقون في السجن أمدا طويلا ، ولن يكون السجن شاقا عليهم ؛ لأنهم سيسبحون في عوالم الخيال التي ترفه عنهم ، وأغلب الظن أنهم لن يحسوا جدران السجن التي حولهم . فإذا ما قضوا المدة الكافية لشرب كل ما جاءوا به من المخدرات كانت أجسامهم قد سلت ، ونفوسهم قد اختلت ، وعقولهم قد اضمحلت ، ولن يستطيعوا بعد ذلك إلا أن يبحثوا عن حفرة في الأرض يتوارون فيها .

ونتيجة اخري أيها القارئ الكريم ، وهي أن هؤلاء إذا خرجوا من السجن ورآهم الناس ، كانوا عبرة لمن تحدثهم أنفسهم بشرب الحشيش وأمثاله ؛ فإن وجوههم المصفرة ونفوسهم الخائرة وانفاسهم المقطوعة ، تجعل كل من له ذرة من العقل يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم .

أليس هذا حلا موفقا سعيدا ؟ لست أدري ، ولكني قد فتحت بابا للحديث ، ولعل غيري يهتدى إلى العلاج الناجح لهذا الداء العضال ، أو هذه المشكلة الكبرى .

اشترك في نشرتنا البريدية