متى استقر هذا العالم ؟ ومتى استقر هذا الإنسان وهدأ على هذه الأرض ؟ إنها قصة قديمة منذ دون التاريخ أخبار البشر ، قصة كفاح متصل ، ومنافسة لا تهمد ، ومناضلات لا تنقطع في أيام السلم وفي أيام الحرب . فليس بالعجيب ان يكون العالم في أيامنا هذه تأثرا مضطربا فلقا ، بل إنه ليس من الطبيعي ان يستشعر الإنسان في أي وقت من الأوقات الطمأنينة إلي ما هو فيه ويحب الاستقرار والعافية وإبقاء كل ما هو قائم على ما هو عليه ، لأن هذا لا يكون دليلا إلا على الخمود وفتور النفوس . ولقد كانت اقل العصور جدارة بالإنسانية هي العصور التى شعر فيها الإنسان بالطمأنينة وحب الاستقرار
ولسنا نشك في أن الحروب ليست سوي مجازر بشرية تندفع إليها الشعوب بدافع يشبه ان يكون نوعا من الجنون يستولي عليها بين حين وحين ؛ ولكن هذا الجنون الدموي ليس كله شرا ، بل لقد دلت حوادث التاريخ على انه يكون دائما مطلع عهد جديد في حياة الإنسانية ؛ فالحروب الصلبية التي مزقت الشرق وأهلك كثيرا من بني شعوب الغرب كانت مطلع فجر النهضة الأوربية الحديثة ، وحروب الهمج الذين اغاروا علي أوربا كانت مطلع تكوين الأمم الحية التي تحمل لواء المدنية اليوم ، ومذابح الثورة الفرنسية وما أعقبها من حروب نابليون كانت بشائر ذيوع الفكرة الديمقراطية في العالم ، ولم تكن حروب القرن العشرين سوى مقدمات لظهور أفكار اجتماعية خطيرة نفس اليوم آثارها ونحس سريانها في جميع شعوب العالم التمدن . فالحروب الكبرى على هذا ليست كلها شرا . ولعلها تشبه الالم الذي يعتري الجسم إذا أصيب بالحمى من
أثر عدوي مرض خطير ، فإن هذا الألم ما هو إلا دليل الكفاح بين الجسم وبين جراثيم الداء
والجسم إذ يخرج من المعركة منتصرا فائزا بالحياة يكون اقدر على مغالبة جراثيم المرض الذي اعتراه إذا هي هاجمته مرة اخرى .
فلا ينبغي لنا أن نيأس إذا شهدنا هذا الصراع الأليم الذي ينتاب الإنسانية . وجدير بنا ان نعده علامة على الحياة والمقاومة ، وإن الذي يسفك من دماء الإنسانية فيه لا يضيع هدرا ، لأنه يمهد السبيل لحياة جديدة بعد عودة السلام والحرب القريبة التي شهدناها هذه السنوات الست كلفت الإنسانية سيلا من الدماء كما كلفتها كنوزا عظيمة من الأموال . وقد تحمل العالم كله نصيبه من هذه الآلام ، سواء أكان ذلك في الأنفس أم في جهود البناء الإنساني الذي دمر وخرب ، ولكنها تمتاز بأن العبقرية الإنسانية قد اهتدت في أثنائها إلي كثير من الكشوف العلمية التي اتخذتها الشعوب المتحاربة آلات للفتك والتدمير . وليس مثل القنبلة الذرية الصغيرة ببعيد عن اذهاننا . ولقد كانت نتيجة هذه الكشوف أن الإنسان تعلم إذا كان فيه ذرة من الذكاء أن استمرار القتال بين الشعوب لا يمكن ان يؤدي في المستقبل إلا إلى التدمير الشامل الذي يهدد بالفضاء عليها جميعا .
فليس شأن هذه الحرب القريبة مثل شأن الحروب الماضية . نعم إنها تشبه كل الحروب الكبرى في أنها علامات على ان البشرية مصابة بعارض مرضي خطير ، وهي تشبهها في أنها أعدت الأذهان لتقبل آراء جديدة في الحياة السياسية والاجتماعية ، ودفعت نشاط الذهن الإنساني إلى بذل مجهود هائل جدير بأن تتقدم به الانسانية في السنوات القليلة المقبلة خطوات واسعة ، فالأيام القريبة لا شك قادرة على أن تشهد تقدما ما كان الإنسان يستطيع إحداثه في قرون طويلة
ولكنها لا تشبه الحروب الماضية كلها من ناحية اخري ، فإن الكشوف العلمية التي تمت في أثنائها قد جعلت من الضروري للانسان ان يفكر في وسيلة لتنظيم علاقاته على أساس جديد يكفل السلام ، لأن السلام قد أصبح اليوم ضروريا كثر مما كان في أي عصر مضي . وقد صار معنى الحرب بعد اليوم لا يقل عن معنى فناء الإنسانية وانقراض هذه المدنية الحاضرة انقراضا تاما ولو قامت حرب بعد اليوم لما بقي في الأرض من آثار المدنية القائمة شيء ، ولآل إرث الحياة كلها إلى المتوحشين البعيدين فيافي الصحاري أو في أعماق الغابات الاستوائية أو في الكهوف الجبلية السحيقة . ولعل هؤلاء لا يقوون بعد حين على مقاومة الوحوش الحيوانية فتصبح هذه سيدة الأرض . وليس هذا المعنى ببعيد عن تصور العقلاء الذين يهيمنون اليوم على مصاير البشرية ، ولكن السؤال الأهم هو : " كيف يمكن هؤلاء ان يكبحوا جماحهم ويمنعوا الاضطراب ؟ " .
ونري أن الجواب على هذا السؤال بسيط يمكن التعبير عنه في كلمات قليلة . ولكن المسألة ليست متوقفة على سؤال وجواب ، بل هي مسألة عاطفة وعقيدة . فزعماء العالم المتدن لا يهتدون إلي هذا الحل البسيط ، لأن عقائدهم وعواطفهم تمنعهم من ان يتجهوا إليه . ولو كانت لنا أمنية لكانت تلك الأمنية هي أن يسمع هؤلاء الزعماء هذا الرأي المتواضع ويفتحوا له قلوسهم وعقولهم ، فليس فيه إلا ما يسلم به العقل ويقنع به المنطق السليم .
لقد صار العالم اليوم أقرب اتصالا مما كان ، حتى إنه ممكن القول إن العالم قد أصبح أضيق بكثير مما كان . فليس السفر إلى القطب الشمالي في هذه الأيام بالمخاطرة الجسيمة التي كانت تقف جاهمة أمام رواد الكشف في القرون الماضية . وليس الذهاب إلي الصين أو أمريكا أو غيرهما بالأمر الشاق في هذه السنوات ، وقد علمنا كيف كان
زعماء العالم يتنقلون في ايام قليلة بين اقصي الصين واقصي أوربا وأمريكا وأفريقا
ولهذا أصبح العالم اليوم أحري بأن يكون أكثر تماسكا واوثق تعاونا مما كان ، واصبح لا يحتمل الاستمرار على الخطط القديمة التي كان يسير عليها .
ولقد أصيب التفكير الانساني منذ قرون بإنحراف خطير أدى إلي ذيوع فكرة استعمار الشعوب المتقدمة القوية للشعوب الآخر المتأخرة أو الضعيفة ، فتسابقت الدول الأوربية على فرض سيادتها على الأرض الأهلة التي تسكنها الشعوب الأفريقية والأسيوية . ولسنا نغالي إذا قلنا إن هذه المسابقة كانت المسئولة عن كثير من الحروب الدموية التي ثارت في العالم منذ القرن السادس عشر إلي القرن العشرين والآن فلنسأل أنفسنا سؤالا صريحا : هل لهذا الاستعمار من مبرر ؟ إن الكثيرين ممن تقع أعينهم على هذا القول ستتولاهم الدهشة إذا أنا قلت في الإجابة على هذا السؤال إن الاستعمار لا يخلو من مبرر . فهذه الأرض لم يخلقها الله لكى يهبها للأمم حتى تستحوذ كل منها على قطعة تستتأثر بها وتكون مثل الكلب في المدود ، فهو لا يأكل العلف ولا يبيح لغيره أن يأكله . فإذا كانت أمة من الأمم نعيش في أرض وهب الله لها فيضا من خبراته فلم تكن تستطيع أن تستخرج تلك الخيرات ولا أن تستفيد بها ولا تفيد ، فإنها لا تكون خيرا من ذلك الكلب في المدود
ولا يستطيع أحد أن ينكر على الأمم المتقدمة في الحضارة فضلها على الإنسانية ، فإن قطعة واحدة من صناعة دقيقة تخرج من مصانعها تمثل فضلا كبيرا على كل الأمم التي تستفيد بها . وقد دات هذه الحرب على مقدار الخدمات الجليلة التي تؤديها تلك الأمم المتقدمة في الحضارة لأمم العالم أجمع فان صناعاتها عندما امتنعت في اثناء الحرب أحدثت في كل الأرض شبه مجاعة في كل مرافق الحياة . وليس
من العدل ولا من العقل في شيء أن يسوقنا مقت الاستعمار إلي حد أن نقول إن العدالة تحتم على الدول الكبرى أن تدع كل إقليم للأقوام الذين اتفق وجودهم فيه بحجة أنهم أهله وأصحابه ، ولا تشارك في الاستفادة من الخيرات الطبيعية التي يعجز أصحابه عن استغلالها . فمن العبث والهراء ان تدعي ان واجب الدول العظمي أن تترك مجاهل أفريقيا لقبائلها لكي تتقاتل بحرابها في غاباتها الفسيحة التي تنتج المطاط وغير المطاط من حاصلاتها ، في حين انها لا تقدر على الاستفادة بشئ منها ولا أن تفيد العالم بشيء من جهدها . ولكن ليس معنى هذا أن نقول إن الاستعمار بمعناه المطلق نظام إنساني . فقد أدي إلي شرور كثيرة من استعباد أمم عاملة تجاهد في حياتها لخير الإنسانية ولها من الرقي في الحضارة ما يجعل لها حقا كاملا في أن تكون من شركاء المجتمع العالمي المتعاون على خير البشرية جمعاء . فطغيان الاستعمار على تلك الأمم ادي إلي سلب حرياتها وإذلالها والانتقاص من حقها المقدس في الحياة
فالاستعمار على الصورة التي ظهر فيها بالفعل كان نظاما مخالفا للعدالة ، بل كان منافيا للأخلاق ؛ وعلي هذا يمكن أن نقول إنه اصبح في اشد الحاجة إلي النظر في اساسه . فإذا كانت الغاية هي استفادة الإنسانية من كل خيرات الأرض فإنه من الممكن أن تنظم علاقات الأمم تنظيما جديدا يحقق هذه الاستفادة بغير اعتداء على الحقوق الإنسانية التي يجب تقديسها . فالإمم ذات الحضارة القديمة والتي كان لها فضل على العالم في ماضيه وحاضره ، والتي تتعاون في إنتاج خيرات الأرض وإفادة البشر بمجهودها لها حق في الوجود لا ينبغي لدولة اخرى أن تعتدى عليه بصورة من صور الاعتداء . وأما للشعوب التي لا تستطيع بطبيعتها الحاضرة مثل هذا التعاون مع الشعوب الأخرى فإن شئونها تكون مثابة أمانة عند الأمم الأخري المتقدمة في الحضارة ،
ويكون من واجبها العمل مجتمعة على ترقيتها والأخذ بيدها وتربيتها وتعليمها كيف تستفيد من خيرات أرضها بغير أن توطأ ولا تهدر إنسانيتها .
فإذا لم تستطع أمم العالم ذات الحضارة المتقدمة فهم هذا والعمل على تحقيقه بإخلاص لم يبق أمامها إلا أن تستمر على تنافسها الذي رأيت عليه كل هذه القرون ، ولم يكن لها في المستقبل مفر من التصادم وإشعال نيران الحروب المتصلة . ولن يكون عقابها اقل من الفناء والدمار . فالأمم التي تسميها الكبرى بين أحد امرين : إما أن تعدل عن كبريائها وتعيد النظر في كل علاقاتها مع الأمم الآخر فتقيمها على أساس جديد من العدل والعطف والعمل على الخير ، وإما ان تصر على خطئها الحالية المنافية للخلق الكريم ، وسيكون عقابها على ذلك عقابا صارما لا بقاء لها بعده . إن تحطيم المانيا وإيطاليا واليابان لم يكن سوى مظهر واحد من مظاهر العقاب الذي تستحقه الدول الطامعة الجشعة التي تريد ان تذل غيرها . وقد كان جزاؤها علي يد امم اخري تنافسها ،
وليست كلها خالية من مثل جشعها وطمعها . فإذا بقى التنافس على السيادة ، وحمل الحشع الأمم المنتصرة على مواصلة خطة الاستعمار لم يمكن المنتصرون اليوم بمنجاة من التصادم وإعادة الصراع فيما بينهم مرة أخري . ولقد دلت ، الحوادث على أن أسرار وسائل التدمير لا يمكن أن تبقى محفوظة في مأمن من الذيوع ، واغلب الظن أن وسائل الفتك قد اصبحت اليوم في متناول الجميل ، فالعدل والعقل والإنسانية جميعا تدعو كل الأمم إلي العودة إلي قواعد الأخلاق السليمة في معاملاتها ، وأول خطوة في ذلك السبيل هي العدول عن فكرة الاستعمار التقليدية ، تلك الفكرة التي لو تأملنا صفحات التاريخ لوجدنا أنها أحدثت للأمم كلها من النكبات والآلام والخسائر اضعاف ما افادتها بتوفير الخامات وزيادة الثروة

