الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 329 الرجوع إلى "الثقافة"

إلى من يلزم من المراجع العليا :، _______________________، ، ضاقت "الجاكته"

Share

كانوا فيما مضي يقولون : " شب عمرو عن الطوق " إذا أرادوا أن يقولوا إن الأحوال قد تبدلت وأصبح الإنسان أكبر مما كان . ولكن هذا الكلام أصبح اليوم لا يحمل إلى أكثر الناس معني ، لأنهم لا يعبأون فى هذه العصور بأن يعرفوا من هو السيد عمرو ، ولا يهتمون أى اهتمام لذلك الطوق الذهبى الذى كان فى عنقه وهو صغير ، ثم أصبح وقد صار شابا لا يرضي لنفسه بأن يلبس طوقه الذهبى القديم ، فنحن اليوم فى عصر ساذج لا يحب أن يفهم إلا ما يقع تحت عينيه من الأشياء المبتذلة .

ولهذا اخترت أن أستعمل هذا العنوان المبتذل ، لأن ألفاظه واضحة تحمل المعنى لمن يقرؤها بغير تكلف . فالجاكتة معروفة للجميع ، وهى أحيانا تلبس فى مصر فوق (البنطلون ) ، وأحيانا فوق الجلباب ، وأحيانا فوق سروال (البجاما)، لاننا كما يعرف الجميع لا نقيد أنفسنا يعرف فى أمور الملبس . والجاكتة قد تكون واسعة

فضفاضة ، وهذا يحمل الناس احيانا على الظن بأن لابسها قد استعارها ار استوهبها ، ولكنها مع ذلك تكون لا بأس بها ولا ضرر منها ، لاننا الثوب الفضفاض لا يؤدي حركة الدم فى الجسم ، وإن كان منظره لايمجب . وقد تكون الحا كتة ضيقة ، وعند ذلك تكون الصبة كبرى ، فإن حركة الدم تتأثر بضيقها ، ويكاد لابسها يختنق إذا اشتد ضيفها عند الصدر . وأما الذراعان فلا تستطيعان معها الحركة إلى اعلي ولا إلى أسفل . وأدهي من هذا أن منظر لابس الجاككتة الضيقة يكون فى أكثر الأحوال باعثا على الضحك ، ولا سيما إذا كان رجلا بدينا ، فإنه عند ذلك يبدو كانه سمكة يتعسف فى حركته كما أراد أن يلتفت إلى يمين أو إلى يسار ؛ أو كلما أراد أن يسلم على أحد . فكم الحاكتة يكون دائما عند المرفق ، كان صاحبه يشعر عن ساعديه استعدادا لل الملاكمة

والذى أقصده من هذه الصورة هو أن أقول إن نظمنا الاجتماعية والإدارية والحكومية قد صارت اليوم مثل الجاكتة الضيفة إذا لبسها شخص بدين . فنحن اليوم مثل السيد عمرو عندما ماشب عن الطوق مع فارق بسيط ، وهو أن نظمنا التى ضاقت علينا ليست من معدن الذهب ، بل هى من

النسيج الذى كان يباع فى الأسواق بالثمن المعتاد ، فلما تقادم عليها الزمن ضاقت وذهب لونها، وتمزق منها السدى والمحمة وتفزرت من أعلاها وأسفلها ووسطها . والعجيب فى هذا أننا لم ندرك إلى اليوم ما أدركه السيد عمرو فى العصور الخالية ، وهو أننا قد كبرنا على الجاكتة المهلهلة ، وأصبح الأمر يدعو إلى تجديدها والبحث عن جاكتة سواها .

قلنا مثلا نظم حكومية مالية وإدارية كانت فى يوم من الأيام جديدة ، وكانت مناسبة لأحوالنا فى القرن التاسع عشر مثلا أوفى أول القرن العشرين . وقد كنا عند ذلك امة ميزانيتها عشرة ملايين من الجنيهات مثلا ، ثم أصبحت تلك الميزانية بحمدالله تقرب من المائة ، وكان عددنا عشرة ملايين كذلك أو اثنى عشر ميونا ، ثم أصبح اليوم زحف نحو الرقم السابع عشر من أرقام الملايين . وكانت مرافقنا ومصالحنا محدودة ، ثم اتسعت بحمدالله فلا تكاد تجد جانبا من حياتنا ينقصه التطور والنمو ، ولو شئنا أن نضرب الأمثال على هذا النمو ولطال بنا القول ولا نرى داعيا لذلك ، فإننا نعيش فى مصر ونرى ما حولنا من ضجة وزحمة ، وكثرة فى الوظائف والأعمال العامة ، ونستطيع أن تعد من الوزارات الجديدة ما يزيد على عدد ما كان لنا من وزارات فى أول هذا القرن ؛ فوزارة الزراعة مثلا جديدة نسبيا ، وكذلك وزارة الأوقاف ، والمواصلات ، والتجارة ، والصناعة ، والشئون الاجتماعية ، والتموين .

ولكنا مع كل ذلك لا تزال إلى اليوم نتعامل فى وزاراتنا ومصالحنا المختلفة على القواعد المالية والإدارية والتى كنا نتعامل عليها فى القرن التاسع عشر . ومن المدهش أن اللورد كرومر ، رحمه الله ، كان أحيانا يتندر فى تقاريره بطرف من الأمثلة التى كانت تحدث فى مصر ، من جراء سخف القواعد الإدارية والمالية ، ويبدي أشد النقد لها ويتهمها بالجمود مع أنه كان فى مصر فى أول القرن العشرين قبل سنة ١٩٠٧ ، ولست أدرى ماذا كان يقول اللورد كرومر لو عاد إلى الحياة اليوم وجاء إلى مصر فى نزهة شتوية ، لا أدرى ماذا كان يقول فينا لو وجد أننا

لازلنا إلى عام ١٩٤٥ نتعامل بنفس القواعد المالية والإدارية التى كان يتندر بها فى تقاريره . والظاهر أن هذه النظم الحكومية عندما وضعت كان القصود منها أن تجمع الأمور كلها فى يد مركزية واحدة تمتاز هى دون كل الآيدى الآخرى بالطهارة والحكمة والعفة ، فمن الواضح لكل من يتأمل تلك القواعد الإدارية والمالية أنها تفترض أن كل عامل من عمال الدولة لص ، سىء النية ، سىء التصرف ، غير مخلص للمصلحة العامة ، وأغلب الظن أن الغرض من وضعها فى القرن التاسع عشر أن يكثف عمال الدولة ويمنعوا من كل تصرف حتى يؤذن لهم بعد الرجوع إلى اليد المركزية المعصومة . ومن أعجب العجب أن هذا الاحتياط كله لم يمنع موظفا لها من أن يسرق ، فقد طالما جمعنا بحوادث اختلاس ، وحوادث سوء تصرف ، وحوادث تعطيل للمصالح العامة ، لم تستطع كل القواعد المالية والإدارية الدقيقة أن تمنعها . بل إن تلك القواعد لم تساعد على كشف السرقات بعد وقوعها ، فمكان الموظف الخائن يستطيع أن يستمر على خيانته سنة بعد سنة حتى ينكشف أمره مصادفة بعد أن يمضى وقت طويل جدا على حدوثها . وكان الموظف اللص الماهر يستخدم تلك القواعد الدقيقة نفسها لكى يدارى بها جريمته .

حقا أن (الجاكتة) قد ضاقت ضيقا شديدا ، وأصبحت قبيحة المنظر مؤذية معطلة للحركة ، ولا دواء لها إلا أن تخلع وبفصل للإدارة (جاكتة) غيرها ، تسكون أمتن نسيجا ، وأظرف شكلا ، وأكثر ملاءمة لنمونا .

فنحن نعرف مثلا أن لكل وزارة ميزانية توضع لها بعد فحص وبحث وتدقيق ، ثم تناقش ويحذف منها مالا ضرورة له بغير رفق . ثم يقرها البرلمان بعد مناقشة لا تترك مجالا للأسراف ، ثم توزع ميزانية كل وزارة على أقسامها ومصالحها ، ولكل مصلحة أو قسم رئيس كبير ممن قضوا دهرا فى العمل ، وممن جربتهم الحوادث . وهؤلاء ، ينبغى أن يكونوا أمناء على واجباتهم ، حريصين على مصلحة

الأمة المودعة بين أيديهم . فإذا لم يكونوا كذلك كان العيب على الدولة وحدها ، إذ تتركهم فى مواضعهم وتلقى عليهم عبء الأمانة العامة مع انعدام الثقة بهم .

فالمعقول أن يؤتمن هؤلاء الرؤساء على صرف الأموال المخصصة فى الميزانية لمصالحهم ، مادام صرفهم مقيدا بالنظم التى تحقق العدالة والدقة والنزاهة . ولكن الذى يحدث فعلا هو أن هؤلاء الرؤساء المساكين لا يستطيعون أن يتصرفوا فى أمور مصالحهم إلا إلى حد محدود ، فاذا زاد التصرف على ذلك كان واجبا عليهم أن يعودوا إلى السكرتير المالى ، ثم إلى وزارة المالية ، لكي تبقى الأوراق بضعة أشهر فى أدراج المكاتب ، ثم تعود بالموافقة بعد أن يكون الأوان قد فات وضاعت الفرصة التى كانت تستلزم التصرف .

فإذا أرادت وزارة المعارف مثلا شراء كتب للتلاميذ لكى تصرف لهم فى شهر اكتوبر على الأكثر سارت (الإجراءات) فى سبيلها حتى تنتهى إلى نهايتها ، ثم يعود الاذن بشراء الكتب بعد أن تكون السنة الدراسية قد مضت وأتى العام الجديد الذى بعدها ، بل قد يحدث أن يجيء الأذن بالشراء بعد انقضاء سنة دراسية أخرى .

ولست أضرب المثل بوزارة المعارف لأنها مقصودة فى ذاتها ، بل لعلها من الوزارات الموفقة فى تصرفاتها إذا قسناها بغيرها . فالذى أقصده هو أن النظام كله قد صار اليوم مقصرا عن الوفاء بحاجة الحياة الحديثة التى نحياها . ولا مفر لنا إذا أردنا الخير لبلادنا من أن نلقي بتلك النظم فى نهر النيل السعيد ثم نرسم لنا نظما سواها .

لست أدرى ما الذى يمنع من أن تقوم المصالح المختلفة على تحقيق المصلحة العامة الموكولة إليها بما استطاعت من اجتهاد وتحر فى أداء الواجب ! فهي بغير شك مقيدة بالحدود التى رسمها المزانية ، وهى بغيرشك مفيدة القواعد المعقولة التى يمكن أن نضمها الدولة للتصرفات لضمان المصلحة

العامة ، ثم هى بغيرشك أعلم بظروفها وأجدر باختيار أحسن الوسائل لتحقيق أغراضها .

    ومن الأمور المضحكة التى يقع عليها النظر فى كثير من الأحوال أن الخطاب الواحد يخرج من الديوان وعليه طائفة من الامضاءات أولها امضاء أصغر الكتاب ، وأصغر الكتاب هذا هو الذى يكتب الصيغة المرسلة وبعد الحقائق المراد بيانها . ثم لا تزال الامضاءات تتوالى بعد إمضائه حتى تصل إلى الرئيس فيمضيها كذلك . فكأن أمور الدولة تجرى كلها كما يريد لها الكاتب الأصغر ، لا كما يريد لها الرأس الكبير .

والوضع الصحيح هو أن يكون التصرف موكولا إلى رئيس القسم أو المصلحة التى يهمها الأمر ، وعند ذلك يكون المعقول أن يتصرف الرئيس الكبير تصرفا مباشرا ، لأنه لا يكون مضطرا إلى الإجراءات الكثيرة المعقدة التى لا (يحفظها)  إلا أصغر الكتاب . فاذا نحن استطعنا أن نعيد الثقة بعمال الدولة ، ونحسن الظن بهم ونقعد لهم بالمرصاد ، لترى الحسن منهم والمسيء ونكافىء فى كلا بإحسانه أو إساءته ، إذا استطعنا ذلك أمكن أن مختصر كثيرا من اللفائف الطويلة ، وأمكن أن نقتصد فى الجهود الكثيرة ، وأمكن بعد هذا كله أو قبل هذا كله أن نعيد الحياة إلى نظام الإدارة الحكومية . هذه أقوال يقولها الجميع ويعرفها الجميع ، ولا يجد الإنسان مجلسا يتحدث فى شئون الإدارة الحكومية إلا سمع فيه أصداء مثل هذه الأقوال تتردد . ومع كل ذلك لا نزال نجد القديم سائرا على عهده الذى كان عليه منذ عشرات السنين بغير أية محاولة جدية فى إصلاح . ولسنا نبالغ إذا قلنا إن وزراء مصر أنفسهم يعانون أشد الضيق من سخافة هذه القواعد البالية ويؤمنون بأنها قد أصبحت لا تناسب الحال التى صارت البلاد اليها بعد أن تمت مرافقها وتعقدت مصالحها . فماذا تنتظر بعد هذا كله ؟ وماذا نريد بأنفسنا إذا مضينا فى

سيرنا على القديم بغير الاصلاح الذى تقتضيه طبائع الحياة الجديدة ؟ .

لقد ضاقت الجاكتة حقا ، وعلينا أن نلتمس جاكتة سواها ، وأملنا كبير فى أن الوقت قد حان لكى نتجزأ على تلك الخطوة ، فقد تنبهنا إلى النقص ، ولم يبق إلا أن نقدم على الاصلاح . وليس فى ذلك الأمر مشقة ولا عسر فيكفى أن نجعل للإدارة قاعدة واحدة تكفل المصلحة العامة ، ولا تدع مجالا للفساد ، وهى إلقاء المسئولية على عمال الدولة والثقة بهم ، مع التحرى فى الاختيار حتى يكون هؤلاء العمال أهلا للثقة

اشترك في نشرتنا البريدية