لست أقصد بالعقارب هذه الحشرات الضئيلة التي يمكن أن يدوسها الإنسان بحذائه . أو يفحصها بقطعة من حجر فيحطمها ويكسر شوكتها ، ويريق سمها في التراب ويتخلص منها في سهولة ، وإنما اقصد العقارب الآدمية التي تكمن وراء دهائها وحيلتها وتتحين الفرص لإفراغ سمها في ضحيتها الغافلة.
أقصد العدو الماكر الذي يحس أنه أضعف من أن يلقي من يناصبه العداء وجها لوجه ، إما لأنه أقل منه قوة فيخشى الهزيمة إذا تعرض له تعرضا سافرا ، وإما لأنه قد فقد الشجاعة ولم يجد من جنانه ثباتا يسنده في النزال فيخشى أن يخونه قلبه عند أول اصطدام فيفر سريعا من الميدان المكشوف .
وإنه لمن سوء حظ الإنسانية ، ومما يهدد باضمحلالها وشيكا ، أن العقارب الآدمية قد كثرت وتناسلت حتى صارت أمما بعد أن كانت الأمم لا توجد إلا بفتوتها وشهامتها وفضائل أخلاقها .
حقا أن الانسانية قد أخذت تتدهور تدهورا سريعا منذ تدخلت العقارب في شئونها ، وأصبحت سياسة الشعوب ومصايرها منوطة بالسموم التي تنفثها بإبرتها إذا لدغت وهي مستخفية في كومة من الأقذار ، أو في شق حقير من الصخر .
كانت الشعوب منذ بدء الخليقة تتنازع البقاء وتتحارب وتتقاتل ، وكانت الحروب تتجلي داعا عن بقاء الأقوي والأعظم شجاعة ، والأكثر صبرا وثباتا عند الاصطدام .
ولعل هذا هو السر فها صارت إليه الإنسانية من تقدم مطرد ، فالحروب على قسوتها وفظاعتها وكثرة ضحاياها لم تحل من فائدة عامة للإنسانية ، لأنها كانت تزيل الشعوب الحقيرة من الميدان ، وتجعل السيادة للشعوب الجديرة بالسيادة حقا . وأما اليوم فقد صارت الشجاعة والفتوة
وفضائل الأخلاق من عوامل الهزيمة لا الانتصار ، فالشعوب التى تتصف بأعلى الصفات الانسانية مهددة بالانقراض ، لأن شجاعتها وفتوتها تجعلانها تقدم على المكافحة السافرة في الميادين الشريفة ، وتجعلانها كذلك تحتقر أن تنزل إلى وسيلة العقارب في دفاعها ، أو في هجومها ، وهي بذلك تغرر بنفسها تغريرا قد يوردها موارد الفناء .
ولست أقصد بهذا الحديث مجرد إظهار الأسف على ما يهدد الانسانية عامة ؛ وان كان هذا بما يدعو إلى الأسف حقا ، بل أقصد أن أنبه أهلى وقومي من أهل هذه البلاد خاصة ؛ فإنه يخيل إلى أنهم يعيشون في أخطر مرحلة من تاريخ حياتهم القومية ، ويخيل إلى أنهم في هذه المرحلة يتعرضون إلى حملة منظمة تشنها عليهم أمة من هذه العقارب الإنسانية ، على حين أراهم لاهين عن الخطر المحيط بهم ، ولا يكادون يدركون إلى أى مدى يبلغ بهم ذلك الخطر .
وقد تحدثت في حديث سابق عن مشكلة الحشيش ، وتهريبه إلى البلاد ، وعن قمودنا عن مقاومة هذا الهجوم العنيف الذي تدل كل الحوادث على أنه آت من قبل إسرائيل . ولم أكن في ذلك الحديث مازحا أو متفكها ، كما ظن بعض حضرات الفضلاء ممن قرأوا كلمتي ، فلو اطلع هؤلاء على ما بقلبي من الآلام وأنا أكتب لما ظنوا بي المزاح أو الفكاهة ، وإذا كان في قولي ما يشبه الضحك فقديما كان الضحك من صنوف البكاء . وإذا كان البعض يحسبون أني هازل فهأنذا أصبح مرة أخرى في جد ، إن مشكلة الحشيش وتهريبه إلى البلاد تتم عن خطة مدبرة في الخفاء ، قد أحكمها واضعها وبالغ في الاحتياط فيها ، وإن واجب شعب مصر وحكومتها أن يهبوا هبة صحيحة قوية لرد عادية العدو وإحباط مسعاه وإفساد احتياله . أصبح مرة أخرى قائلا : إن مقاومة تهريب الحشيش إلى البلاد لا تزيد على محاولة
ساذجة بدائية ، وإن الأمر جد يحتاج في معالجته إلى أشد الجد مرارة ، وإن العدو يمد إلينا إبرته المسمومة من خلال الشق الذي يختفى فيه ؛ فعلينا أن نلتمس الوسيلة الفعالة لتحطيم إبرته إذا لم تستطع الآن أن تدوسه بالنعل فتحطمه كله .
إن هذا العدو يتدسس إلينا مستعينا علينا بأنفسنا ، فمنا من يهرب الحشيش ، ومنا من يتجر به ،ومنا من يشتريه ، وكل من هؤلاء لا يقل عن مرتبة موالاة العدو والتواطؤ معه على إهلاكنا . ونقض أساس حياتنا . وهل لمثل هؤلاء ، الذين يعينون العدو علينا إلا أن نعاملهم معاملة الأعداء ؛ فلا نترفق بهم ولا نصف جرائمهم إلا بوصفها الطبيعي - وصف الخيانة العظمي ؟ ...
هذا هو قولي الذي سبق لي قوله ، فإذا لم يكن واضحا فهأنذا قد أوضحته غير مازح ولاضاحك ، بل حانق غاضب ، ولعله في هذه المرة يكون أقرب إلى الجد والقصد .
ولكن مشكلة الحشيش على ما فيها من خطورة تتضاءل أمام مشكلة أخرى أحس بها ويحس الكثيرون غيري بها ، وهي لا تحتمل في الحديث مزاحا ولا ضحكا.
ألا نذكر نحن معاشر أهل مصر ما كان منذ سنوات عندما اندلت نيران الكوليرا في البلاد ؟ ألا نذكر عند ذلك أنه قد قبض على بعض الجناة من العبيد الذين يسخرهم عدونا لإنفاذ خططه الماكرة في الغدر بنا ؟ ألا نذكر يوم جيء باثنين من مسخرى إسرائيل وفي ايديهم الأنابيب المسمومة التي تحتوي علي ميكروب الكوليرا ، وهم يلقون بما فيها في موارد المياه المصرية ؟
لا أظن أن هذا الحادث قد بعد عنا مدة كافية للنسيان ، وما أسرع ما ننسى نحن معاشر أهل مصر . فإذا كنا لم ننسى هذا الحادث بعد فهل استرعي أنظارنا في هذه الأيام أن بعض الأمراض العحيبة قد أخذ يتسرب إلى البلاد بعد أن كنا لا نعرفها ولا نكاد نسمع عنها ؟ ألم يعجب إخواننا الأطباء من مثل هذه الأمراض الجديدة كيف أتت ، ولم يحملهم التعجب يوما على أن يضحوا ببعض وقتهم لتتبعها والتشاور معا فيما قد يكون منبعها الأول الذي بدأت تنبعث منه ؟ إذا لم يكونوا قد فعلوا فإنني أدعوهم أن يفعلوا ، فإن العقارب تستخفي على مقربة منا وتمد إلينا إبرتها المسمومة وهي آمنة في شقها بين الصخور .
وليس هذا الذي اقوله مجرد تخمين أو رجم بالغيب ، فإن
هذه العقارب المستخفية على مقربة منا قد بلغت من المكر وقوة الحيلة على غايتها الحقيرة مبلغا تعرفه بلاد العالم جميعا ، فإن من علماء هذه العقارب الأدمية من يرجع إليهم الفضل - أو بقول آخر من يعود عليهم العار - في ابتكار الوسائل العلمية التي تمهد لإبادة المدنية الإنسانية . وحرب الميكروبات هي إحدي الثمرات المقززة التي يرع هؤلاء العقارب العلماء في خلقها .
ولكي تفتح العيون على فداحة الخطر المائل في هذه المشكلة الثانية تنقل إلى القراء فقرة من برقية قرأها الجميع بغير شك في الصحف اليومية ونعيدها هنا لنقع الأعين عليها مرة أخرى .
قال عالم أمريكي لقومه : إن الأعداء يستطيعون أن يشنوا عليهم حرب ميكروبات فظيعة بغير أن يتعرضوا لأي خطر ،ففي الإمكان بسهولة أن يحصلوا على الميكروبات الوبائية ، وفي وسع أي عالم أن يزرع الميكروبات في مطبخ داره ، ومن السهل علي المخربين الأعداء أن يطلقوا هذه الميكروبات في أنابيب المياه ومعامل الألبان وأجهزة التهوية ، بل إن في إمكانهم أن ينشروا الميكروبات في الهواء إذا استخدموا رشاشات السوائل المبيدة للحشرت .
ويستطيع الأعداء أن يستخدموا هذا السلاح الرهيب لعرقلة حركة التعبئة العامة كأن يطلقوا الميكروبات على مراكز القيادة العسكرية . وفي حالة نشوب الحرب يستطيع المخربون أن يطلقوا المكروبات على المدنيين والقوات المسلحة.
فهل آن لنا في مصر أن نغير قليلا من نظرتنا نحو مشاكل الحرب والسلم ، وأن نحتاط لأنفسنا بإتخاذ الوسائل التي تتطلبها الظروف الحاضرة التي غيرت معالم الحروب والسلم جميعا ؟ هل لنا بأن نعرف أن حرب العقارب لا تكون مثل الحروب التي عرفها العالم من قديم ، وأنها تحتاج إلى شئ آخر فوق القنابل والمدافع والطائرات والدبابات ؟ هل آن لنا أن نعرف أننا اليوم في حاجة إلى عيون متيقظة تتبين بها حركة العقارب في الظلام ، وإلى نعال متينة نستطيع أن ندوسها بها فنحطمها بغير أن تصل إبرها إلى أجسامنا ؟

