حمل البريد إلي قبل يومين الحولية التي نشرها مكتب التربية الأممي، عن (التربية والتعليم في جميع أنحاء العالم خلال سنة ١٩٣٩)
فلما أخذت أقلب صحائفها لألم بها إلماماً إجمالياً - استعداداً لدرسها درساً تفصيلياً فيما بعد - كان بعض الفصول يستوقف نظري قبل غيره أو اكثر من غيره؛ وكان الفصل الخاص بمصر (ص١٨٠ إلى ٢٠١) من جملة تلك الفصول بطبيعة الحال
وما كدت القي نظرة سريعة على الصفحتين الأوليين من هذا الفصل، وأستعرض الأرقام الإحصائية المدرجة فيهما، حتى وقفت على ما يثير الضحك والألم في وقت واحد. . .
يفهم من هذه الإحصائية أن مدارس الأطفال في مصر تربي ٢٤٤٨ طفلاً، والمدارس الابتدائية الأميرية تعلم ٢٩٧٧٥ تلميذاً، والمدارس الابتدائية الخصوصية تجلس على كراسيها ٥٣٤٨٩ من التلاميذ؛ وهذا هو كل ما في مصر من مدارس خاصة بتعليم الأطفال - قبل بلوغهم سن الدراسة الثانوية - حسب ما يظهر من هذه الإحصائية. . .
لو لم أكن أعرف حالة المدارس المصرية معرفة سابقة، وكان عرفاني بها مستنداً إلى هذه الإحصائية وحدها، لقت حالاً: ما أتعس مصر وما أشقى أطفالها. . .
لأن هذه الأرقام تدل على تأخر فظيع، لا بالنسبة إلى الأمم الأوربية والأمريكية فحسب، بل بالنسبة إلى الأمم الشرقية نفسها. وليس هذا التأخر بالكمية النسبية فحسب، بل بالكمية المطلقة أيضاً. . . فإن العراق، يسبق مصر في هذا المضمار
بمراحل عديدة. وأما إيران فتسبقها بعشرات المراحل نظراً إلى هذه الأرقام. . .
فان عدد طلاب المدارس الابتدائية الأميرية في العراق يناهز ثلاثة أمثال طلاب تلك المدارس في مصر، مع أن عدد نفوس العراق لا يبلغ ثلث نفوس مصر. . . وأما عدد طلاب المدارس الابتدائية في إيران فلا يقل عن ثمانية أمثال طلاب مصر، مع أن عدد نفوسها أقل من نفوس مصر على كل حال. . .
ولا مجال للشك في أن كل من يراجع الحولية الأممية المذكورة من الأوربيين والأمريكيين سيلاحظ هذه الملاحظة، وسيقول: ما أفظع هذا التأخر المؤلم في بلاد غنية مثل مصر، في شعب عريق في الحضارة مثل المصريين!
قد يقول بعض من يقرءون هذه الأسطر: لابد من أن يكون هناك خطأ في الأرقام. . . ولا يستبعد أن يكون هذا الخطأ متأتياً من نقص المعلومات التي جمعها مكتب التربية الأممي عن المدارس المصرية. . .
غير أن هناك ما ينفي هذا الاحتمال نفياً باتاً: لأن الفصل الذي يرافق إحصائية المعارف في مصر لسنة ١٩٣٩ تقرير رسمي رفعه مندوب الحكومة المصرية الدكتور محمود فهمي - كما هو مصرح به في أسفل الصفحة ١٨١ من الحولية - فلا يحق لأحد إذن أن يشك في صحة الأرقام المدرجة هناك. . .
ومع كل هذا، فأنا أعرف أن النتيجة التي يصل إليها الباحث - من هذه الأرقام - لا توافق الحقائق الراهنة بوجه من الوجوه. . . أنا أعرف أن هذا المظهر الغريب الذي تظهر به معارف مصر - في مثل هذه الإحصائيات - يعود إلى سبب مهم، كنت قد وجهت إليه الأنظار - على صفحات الرسالة - قبل نحو ثلاث سنوات. . .
أن نظم التعليم المرعية في مصر لا تفهم من تعبير (المدرسة الابتدائية) ما يفهمه رجال التربية والتعليم وغيرهم في جميع أنحاء العالم. فإن المدرسة الابتدائية في مصر، مدرسة من نوع خاص، وهي غريبة شاذة من وجوه عديدة. . . لقد انتقدت أوضاع هذه المدارس بشدة في المقالة التي
نشرتها في العدد ١٨٧ من الرسالة - بتاريخ أول فبراير سنة ١٩٣٧ - وبعنوان (نقد نظام التعليم في مصر) ، وشرحت المحذورات الجوهرية التي تتأنى من الاستمرار على تلك النظم. . .
وما كنت أتصور عندئذ أن كل شيء سيبقى على حاله وسيؤول إلى ظهور مصر بهذا المظهر الغريب في الحولية الأممية بعد ثلاث سنوات. . .
(بغداد)

