نشرت صحيفة الأهرام برقية لمراسلها من لندن بشأن ما أسمته البرقية مشروع القانون المصري الجديد الذي يتعلق بالشركات التجارية ، جاء فيها أنه قد استرعي النظر في المشروع ما ينص عليه من أن عدد الموظفين المصريين في الشركات يجب ألا يقل عن ثلثي مجموع عدد موظفيها وأن يكون ٩٠ % من عدد عمالها من جميع الطبقات من المصريين ، والأ تقل مرتبات الموظفين المصريين عن ٦٠ % من مجموع مرتبات كل شركة والا تقل أجور العمال عن ٨٠ % من مجموع ما تدفعه الشركة من الأجور لعمالها " ثم تضمنت البرقية قبيل ختامها العبارة الخطيرة الآتية وهي التي حركتني لكتابة هذه الكلمة : " والمفهوم ان الحكومة البريطانية لا تريد التدخل فيما لمصر من حق تنظيم شئونها الاقتصادية ، ولكن الامل معقود بمقتضي معاهدة سنة ١٩٣٦ وفي سبيل تنسيق العلاقات في
المستقبل على ألا تعمد مصر إلي إصدار تشريع ينطوي علي إجحاف بالأجانب " .
هذه هي المسألة الكلية التي أري واجبا أن نعالج وأن يحدد المقصود بالتشريع المجحف بالأجانب .
إن معاهدة ١٩٣٦ وهي التي تشير اليها البرقية قد سجلت بالمادة ١٣ اعتراف بريطانيا العظمي بأن نظام الامتيازات " ثم يعد يلائم روح العصر ولا حالة مصر الحاضرة " . ثم أوردت ملحقا المادة ١٣ المذكورة نص بنده السادس على ما يأتي : " يصرح صاحب الجلالة ملك مصر بمقتضي هذا أن اي تشريع مصري يطبق على الأجانب لن يتنافي مع المبادىء المعمول بها علي وجه العموم في التشريع الحديث ، وانه فيما يتعلق بالتشريع المالي علي وجه الخصوص فإن هذا التشريع لن يتضمن تمييزا مجحفا بالأجانب بما في ذلك الشركات الأجنبية . "
فما هو مدى هذا التصريح الذي يراد تحميله ما لا يحتمل وتأويله تأويلا يعيد الامتيارات الأجنبية من جديد ؟ . لقد أدلي حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفي باشا النحاس رئيس مجلس الوزراء آنذاك في جلسة مجلس النواب المعقودة في ٢١ يونيه ١٩٢٧ ببيان عن اتفاق مونترو تناول فيه بالتوضيح والتحديد هذا الشرط الذي كرر بالمادة الثانية من اتفاق مونترو ، فقال رفعته :
" وهذا الشرط يطابق في الواقع ما تجري الحكومة المصرية من تلقاء نفسها عليه من إقامة تشريعها على أحدث المبادئ العصرية ومن عدم الإجحاف بالإجانب حرصا على استمرار التعاون الوثيق بينهم وبين المصريين وقد قيد فوق ذلك بالقيود الآنية :
أولا - جاء في الفقرة الأولى من البروتوكول أن احكام هذا الشرط يجب ان تفسر على ضوء العرف الدولي الخاص بهذا النوع من الالتزامات بين الدول المتمتعة بالسيادة التشريعية
وجاء في تقرير المسيو ( بوليتيس ) تعليقا على هذه الفقرة ان لجنة التحرير تبادلت الرأي في تفسير العبارة الخاصة بعدم التمييز طبقا لما يفهم من مناقشات اللجنة العامة فرأت من المهم أن يتضمن البروتوكول نصا خاصا بهذا الشأن والواقع يا حضرات النواب المحترمين أن الوفد المصري يحرص اشد الحرص في مناقشات اللجنة العامة على توضيح عبارة عدم التمييز وتجديدها وبين بكل جلاء وصراحة أنه يفهم هذه العبارة بأضيق المعاني في حدود ما يقره العرف الدولي وبشرط عدم المساس بسيادة مصر التشريعية على أي وجه كان ، وإن هذه العبارة وإن كانت عامة المعلول فإن المسائل المالية هي المقصودة اكثر من سواها ، وشرح معالي وزير المالية على سبيل التمثيل أحوالا يجب الا تعتبر تميزا مجحفا بالأجانب ، كالشروط التي قد تشترط لمزاولة بعض المهن مثل الإلمام باللغة العربية
أو حيازة الإجازات العلمية أو أداء مدة التمرين فيما يختص بمهنة المحاماة او اجتياز الامتحان فيما يختص بمزاولة الطب ، وكرسم التأشير على جوازات السفر ورسوم البورصة وضريبة الدخل ورسم الدمغة ، فأمن مندوبو الدول على هذا الإيضاح والتحديد
ومن هنا حرصت لجنة التحرير والتنسيق كما جاء في تقرير رئيسها على ان يذكر في البروتوكول أن شرط عدم التمييز يجب أن يفسر على ضوء العرف الدولي الخاص بهذا النوع من الالتزامات بين الدول المتمتعة بالسيادة التشريعية " .
وجاء في تقرير لجنتي الخارجية والحقانية بمجلس الشيوخ عن هذا الشرط ما يأتي : " . . ولم تر مصر حرجا في النص على عدم التمييز المجحف بالأجانب لتمشى ذلك مع رغبتها الصادقة في تأكيد صلتها بهم ولأنها مطمئة لنفسها . . إما النص على عدم منافاة التشريع مع المبادئ المعمول بها علي وجه العموم في التشريع الحديث فأمر مفروغ منه إذ ان التشريع في مصر قد توطد وصار على أحدث المبادئ ، فضلا عن ان النص الخاص بمراعاة قواعد القانون الدولي قصر أمرها على فترة الانتقال " .
فهل تنطوي الأحكام المتعلقة بنسبة المصريين من العمال والموظفين ونسبة مرتباتهم إلى مجموع المرتبات في الشركات ، هل تطوي هذه الأحكام على إجحاف بالأجانب او تعتبر خروجا علي المبادئ المعمول بها علي وجه العموم في التشريع الحديث ؟ .
إن مفهوم الإجحاف هو أن يحرم الأجنبي ضمانة أساسية يتمتع بها المصري كحرمة المسكن مثلا ، فإذا أجاز التشريع انتهاك مسكن الأجنبي دون المصري بغير اتباع الإجراءات القانونية أو حرم المتهم الأجنبي ما خوله للمتهم المصري من حقوق الدفاع مثلا كان تشريعا مجحفا بالأجانب ، وإذا فرضت ضريبة من الضرائب وجعل سعرها بالنسبة للأجنبي عشرين في المائة وبالنسبة للمصري
عشرة في المائة فقط فقد يكون في هذا إجحاف بالأجانب . أما تأمين العمال ضد البطالة ، بل تأمين لمجتمع المصري كله شاملا المصريين والأجانب ضد نتائج البطالة ، بإلزام الشركات مصرية وأجنبية توظيف نسبة معينة من المصريين يكون مجموع أجورهم ومرتباتهم نسبة معينة من المجموع الكلى فليس فيه إجحاف بالأجانب لأنه تشريع عام ولأن عدد الآجانب المقيمين في مصر يجعل النسبة المتروكة لهم في الوظائف والمرتبات أقل بكثير مما يتكافأ مع نسبتهم العددية ، فالإجحاف إذا واقع على المصريين وليس على الأجانب . وقد صدرت في مصر قبل معاهدة ١٩٣٦ وقبل معاهدة مونترو تشريعات مشابهة لهذه الأحكام المعترض عليها ، فهل انحطت سيادتنا التشريعية بعد إلغاء الامتيازات عما كانت عليه قبل إلغائها ؟ .
فإن المادة الأولى من قانون التجارة البحري الصادر سنة ١٨٨٣ قد نصت على أنه لا يجوز ان يكون مالكا لجميع سفينة رافعة للعلم العثماني ( المصري ) ولا لبعضها ولا أن يكون عضوا من أي شركة لتشغيل سفن رافعة للعلم المذكور الا من كان من رعايا الدولة العثمانية العلية ( المصريين ) . كما ان المادة الثانية من القانون المذكور تقول : يجوز لرعايا الدولة العثمانية العلية ( للمصريين ) أن يمتلكوا سفنا أجنبية ويسيروها في البحر بالعلم العثماني( المصري ) بعين الشروط المقررة فيما يختص بسفن الرعية ( المصريين ) ولكن لا يجوز أن يشتمل سند التميلك على أي شرط أو قيد مخالف المادة السابقة لنفع أجنبي ، وإلا فيعاقب التملك بضبط السفينة لجانب الحكومة "
وقد ثار البحث في مذي انطباق هاتين المادتين على شركات الملاحة التي يصدر بتأسيسها مرسوم ملكي ( اي شركات المساهمة ) ويظهر أن بعض التفسيرات ذهب إلى أن من حق شركات الملاحة " المساهمة " أن تطبق عليها الاحكام العامة للشركات " المساهمة " وليس في هذه
الاحكام المبينة في قانون التجارة ما يختم القيود ، فانتهي البحث بأن اصدر مجلس الوزراء قراره المؤرخ في ١٨ مارس ١٩٣٠ " بإعجاب توفر أغلبية من المصريين في تأليف مجلس إدارة الشركة " أي شركة الملاحة البحرية المساهمة .
وأسوق مثلا آخر هو قرار مجلس الوزراء المؤرخ في ٣١ مايو ١٩٢٧ الذي أوجب " ان يكون ربع موظفي الشركة المساهمة غير العمال من المصريين . ويشمل هذا التعبير كل شخص قائم بعمل كتابي أو حسابي أو إداري أو فني تجزيه الشركة عن عمله . "
يضاف إلي ذلك قرار الجنة المالية بوزارة المالية المؤرخ في ٦ أغسطس سنة ١٩٣٦ الذي جعل المادة ٢٠ من مشروع نموذج شركات المساهمة متضمنة لما يأتي : " ويجب على الشركة ان يكون لديها من الموظفين الدائمين ذوي المرتبات الشهرية ٥٠ % من المصريين ، ومن العمال ذوي الأجور اليومية ٩٠ % من المصريين وكان هذا كله سابقا على معاهدة الصداقة والتحالف وعلى اتفاق إلغاء الامتيازات ! .
أما أن هذه الأحكام التي يتضمنها المشروع تخالف مبادىء التشريع الحديث فزعم ظاهر البطلان ، يوضحه أن هذه البرقية بالذات قد أشارت إلي قوانين مشابهة سنتها فرنسا و الى ما اتخذته رومانيا ويوغسلافيا وغيرهما من القوانين المماثة لذلك " .
بل إن العراق قد أصدر منذ أعوام كثيرة قانونا اسمه قانون " حصر المهن بالعراقيين " ولم يقل أحد إن فيه خروجا على المبادئ التشريعية الحديثة وكثير من القوانين تحرم على الأجنبي ان يتملك عقارا ، ولم يقل أحد إنها تتضمن خروجا على المبادئ الحديثة . فهل في مبادئ التشريع الحديث ما يوجب تجويع أهل الوطن وترك البطالة تستشري فيهم ليزداد حظ الأجنبي من النعيم ؟
منذ سنين قلائل تقدم النائب المحترم الأستاذ أثربي باشا ابو العز إلي مجلس النواب بمشروع قانون يمنع ان يتملك أجنبي في المستقبل أرضا زراعية إلا إذا كان دائنا لمالكها ونزعت ملكيتها توفية للدين ورسا مزادها على هذا الأجنبي الدائن .
ومع أن هذه الاستثناءات هي استثناءات أساسية واسعة تقصر تطبيق المشروع على المستقبل ، وتقصره على ارض الزراعة دون ارض البناء وغيرها ، وتقصره على البيوع والتصرفات الاختيارية دون البيوع الجبرية التي يرسو المزار فيها على الدائن الأجنبي ، ومن ذلك كله ، وئد المشروع وقيل يومها إن بعض المغرضين أثاروا ضده هذا الإلترام المصري باجتناب كل تشريع مجحف بالأجانب وفسروه تفسيرا مطاطا مخطئا ومغرضا مثلهم .
وذهب بعض المحامين عن بعض التجار الأجانب أمام القضاء المختلط إلي ان لجان التقدير المنصوص عنها في قانون الضرائب لا تملك ان تقوم ببحوث وتحريات عن حقيقة أرباح التاجر بغير إشعاره بها وفي غيبته وبغير إبلاغه نتائج هذه البحوث ليرد عليها قبل ان تربط الضريبة عليه ، وأن قانون الضرائب لم يخولها هذا السلطان ، ولو فعل لكان " منافيا المبادئ المعمول بها علي وجه العموم في التشريعات الحديثة " فمخالفا بهذه المنافاة لاتفاق مونترو .
وقد يكون هذا التفسير للنصوص الحالية لقانون الضرائب تفسيرا سليما ، ولكن الأمر الذي يهمنا هنا هو قول الدفاع إن التشريع المصري يكون " منافيا للمبادىء المعمول بها علي وجه العموم في التشريع الحديث " ومخالفا بذلك لاتفاق مونترو لو أنه سمح - فرضا - للجان التقدير بإجراء البحوث والتحريات توصلا لمعرفة الريح الحقيقي الممول بعيدا عنه ودون إعطائه الفرصة لمناقشة هذه البحوث قبل أن تربط اللجنة الضريبة عليه . فإن
مثل هذا الحكم يصح أن يكون موضع انتقاد ومطالبة بالتعديل ، ولكنه لا يصل إلى أن يكون تشريعا مخالفا للمبادئ المعمول بها " علي وجه العموم " في التشريع الحديث ؛ أو هو - على الأقل - لا يدخل في نطاق الصورة المظلمة الوحشية التي تصورها المتعاهدون وخافوها وقصدوها حين نصوا على هذا الاحتياط .
ويزداد قولنا ظهورا إذا عرفنا أن قانون الضرائب هذا قد أتاح للممول فرصة واسعة للدفاع عن نفسه أمام مأمور الضرائب الذي يتولى تقدير الربح ابتداء قبل أن تتصل لجنة التقدير بالموضوع ، كما نص على أن للممول أن يختار تاجرين أو صائمين من أنداده فيضمان - وجوبا - إلى عضوية لحنة التقدير وتصبح بهما لجنة خماسية ، كما نص على ان للممول أن يوكل من يدافع عنه أمام اللجنة محاميا كان أم غير محام ؛ وفوق هذا كله أباح قانون الضرائب لهذا الممول أن يطعن أمام القضاء في قرارات لجنة التقدير ولم يحرمه أى وجه من وجوه الطعن المقررة في قانون المرافعات ،
هذه أمثلة ثلاثة لو جازت " المفاضلة " بينها في مقدار الخطأ لقلنا إن الخطأ في شان مشروع الشركات هو الأعظم وإن الدهشة من الاعتراض الإنجليزي عليه تزداد وتشتد ، لأن الوزارة الإنجلزية القائمة ما فتئت تتراءي ورغبتها في رفع مستوي معيشة الطبقات المختلفة في مصر ، فكان المعقول أن ترحب كل الترحيب بمثل هذا المشروع لأن أحكامه تلبي هذه الرغبة وتهيء للعمال المصريين ومن في حكمهم من صغار الموظفين الأهليين فرصة أوسع وأحسن للعمل والحياة
ولكن هذه الأمثلة تشترك في إنذارنا بإنا مستهدفون لخطر تفسيري يجب ألا نسمح له بالتمادي ، حتى لا تخلق بالتسامح الجديد امتيازات اجنبية جديدة ، كما خلقنا بالتسامح
القديم الامتيازات الأجنبية القديمة . وإنه ليجمل بوفد المفاوضة ان ينتهز الفرصة فيستصدر نصا حاسما بشأن المادة ( ١٣ ) وملحقها بقطع الطريق على أي تعلل من هذا القبيل ، فإن قيود المعاهدة ليست قيودا عسكرية فقط
حاشية :
كان الحكم المقرر في المادة ١٣ من المعاهدة الثنائية بين مصر وبريطانيا العظمي مقدمة للحكم المقرر في المادة الثانية من اتفاق مونترو بين مصر والدول الاثني عشرة ، فقضت الفقرتان الثانية والثالثة من المادة المذكورة بما يأتي :
" ومن المفهوم أن التشريع الذي يسري علي الأجانب لن يتنافي مع المبادىء المعول بها علي وجه العموم في
التشريع الحديث ولن يتضمن في المسائل المالية على الخصوص تمييزا مجحفا بالأجانب او الشركات المؤسسة وفقا للقانون المصري والتي يكون فيها للأجانب مصالح جدية .
والحكم السابق فيما لا يعتبر من قواعد القانون الدولي المعترف بها لا يطبق إلا أثناء فترة الانتقال " .
فليس ما يمنع من علاج هذا الأمر أولا في المفاوضات الثنائية بين مصر وبريطانيا العظمي علاجا ينصب على المادة ١٣ من المعاهدة التي يعاد النظر فيها ثم يكون هذا العلاج مقدمة لعلاج جماعي بين مصر والدول الاثني عشرة ( وبريطانيا العظمي واحدة منها ) أو يكون على الأقل تفسيرا رسميا تنتفع به في القضاء على مثل هذه التعلات إذا اثارتها دولة من الدول المتعاهدة او تعلل بها بعض الأجانب في نزاع قضائي .

