الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 337الرجوع إلى "الرسالة"

إليك رجعت ياقلبى

Share

ينم عليه أسلوبه

قلبى ، ألم يأن لك أن تعفو وتصفح ؟ أنت تعرف أني لم أقبل على التحرير والتأليف فى شؤون الأدب القديم والحديث إلا طلبا للسلامة من ظلمك وعدوانك ، ولم أشغل قلمى بوصف أوهام المجتمع إلا لأصرفه عن الشغل بأحلامك وأوهامك

فهل ترانى مع ذلك نجوت من شرك ؟ أنت تعرف أنى لا أرى الناس من وقت إلى وقت إلا رغبة فى الانصراف عنك ، فإن الخلوة إلى نزواتك وبدواتك تشبه الخلوة إلى أوكار الاراقم ، وملاعب الجن ، ومساقط البراكين فكيف تريد أن أرجع إليك ؟

إن لي عقلا يعصمتى من غيك ، فاصنع ما أنت صانع آلست أنت الذى أغرانى بالتطلع إلى مشارق الأقمار والازهار ومواسم الأفئدة والقلوب ؟

ألست أنت الذى حدثني بأن النعمة الصحيحة هى جودة الفهم لأطايب الوجود ؟

فهل تراك صدقت فيما حدثت ؟ وهل ترانى أحسنت فى الاطمئنان إلى وسواسك ونجواك ؟ الدنيا فى طاعتك ليست إلا مهالك ومعاطب ، فكيف فاتنى التوفيق فلم أتمرد عليك ؟

ما رأيت إنسانًا يعيش فى سلام وأمان إلا حكمت بأنه يحيا بلا قلب

ولا رأيت إنسانًا مسلوب الامن مهدود العافية ، إلا عرفت انه من أرباب القلوب

فمتى أنجو من شرك يا قلبى ؟ إن اشتباك المهلكات والمدمرات فى المعارك البرية والبحرية والجوية ليست إلا صورة مصغرة لما يقع بينى وبينك حين أخلو إليك فمتى أنجو من شرك يا قلبى ؟

وما يضمر الأعداء المتحاربون بعضهم لبعض ، وما تضمر الغابة الشجراء فى ظلام الليل ، وما يستتر فى جوف المحيط من

غدرات وفتكات ، كل أولئك أخف وأهون مما تعده لمحاربتى أيها القلب !

إن الحرب بين الممالك والشعوب يسبقها النذير ليأخذ الرجال أهبتهم للصراع والقتال ، والحرب بينى وبينك لا يسبقها نذير حتى أستعد لمصاولتك ومغالبتك . فمن أنت بين المغتالين ، أيها القلب ؟

وقد درج المقاتلون منذ آماد طوال على الترفق بأسرى الحرب وأنت لا تعرف الرفق بأسيرك ، أيها القلب !

فمتى ينصرنى الله عليك فأجزيك ظلما بظلم وعدوانا بعدوان ؟ أنت الذى جعل إيذاء الصديق للصديق من شرائع الوجود ، أيها القلب

فكيف أعاتب أصدقابى وأنت على قربك أول من أتلقى منه الطعنة الدامية ؟

أنت تظلم وتغدر وتفتك ، وما أسأت إليك فى سر أو علانية ، وليس بينى وبينك واش ولا نمام ولا رقيب

فكيف ألوم صديقًا يغدر أو يخون وبينى وبينه ألوف من المفسدين والمرجفين ؟

عنك تلقيت درسًا لن أنساه ، أيها القلب ، فعدوانك وأنت صديق لا تصل إليه الوشايات والسعايات دليل على أن الدنيا قامت على أساس منخوب لا يصلح للخلود

لو كانت الدنيا أهلا للجمال لكان من المستحيل أن تكون الأشواك أطول أعمارًا من الأزهار والرياحين

ولو كانت الدنيا أهلا للقوة لما جاز أن يقضي الأسد دهره وهو محموم

ولو كانت الدنيا أهلًا للرفق والعطف لصار من العسير أن يفسد ما بينى وبينك ، أيها القلب

إن آهة الألم من الحيوان الفاتك هى التى تدل عليه الصائد المغتال حين يطرق الغاية بليل

وزقزقة العصافير في الظلمات هي التى ترشد الثعابين إلى عشها الأمين

ورحيق الأزهار هو الذي يسلط عليها خراطيم النحل والنور الذى ينبعث من مخدع آمن قد يعرض مدينة برمتها إلى غارة جوية

فما الذى دلك علي ، أيها القلب ؟ دلتك القوة ؟ دلك الرفق ؟ دلك الضعف ؟ دلك الشعر والخيال ؟ أنا أعرف أنى كتلة جسيمة من الأحلام والأوهام والحقائق

والأباطيل ، فمن أى جانب نفذت إلي ، أيها الغادر المغتال ؟ تخلق مرة واحدة بأخلاق المحاربين الشرفاء ، أيها القلب ،

وحدثنى كيف أستطعت النقاد إلى ما أقمت من معاقل وحصون ؟ أنت قوة خطرة مخوفة ، أيها القلب ، ومن حقك أن تبغي

وتستطيل ، لأني سويتك بيدي ، وطوفت بك فى الشرق والغرب لا مدك بأصول القوة والعنف ، وآية هذا العصر هى نكران الجميل ، فلا عتب عليك ولا ملام إن بذلت فى إيذائى كل ما زودتك به من جهد وعافية " ومن غرس الرياح جنى العواصف " !

كل حرب إلى سلام ، وكل شقاق إلى وفاق ، إلا ما بينى وبينك ، أيها القلب

سيتعب أعدائى فينسحبون من ميدان القتال ، ولن تتعب أيها القلب ، لأنك جذوة من العواطف لا تخمد ولا تبيد فهل ترانى أتمنى لك الخمود وأنت صديق ؟

الناس على دين زمانهم ، أيها القلب ، وأنت اصطنعت الغدر طاعة لزمانك ، فكيف لا أستبيح الغدر طاعة لزماني ؟

أترانى ألتفت إلى رعاية الجوار ؟ وهل رعيت أنت الجوار ومثواك بين ضلوعي ؟

المودات فى الدنيا أخذ وعطاء ، فكيف تنتظر أن يكون  أمرى كله إليك ، ولا يكون لي سلطان عليك ؟

كيف تنتظر ألا أتقدم أو تأخر إلا بوحى منك وأنت لا تسمع دعائي مرة واحدة فتصدق عمن تسقيهم الشهد ويسقونك الصاب ؟

أنت الشريك المخالف ، أيها القلب ، والشريك المخالف تعوذ منه الآباء والأجداد . فكيف أسلم من شرك ولن يفرق بينى وبينك غير الموت ؟

إن أمرك لعجيب غريب ، أيها القلب ، فأنت تغدر بي ، ثم تفي لسائر أصدقائك وأصفيائك

أنت والله لئيم ، أيها القلب ، فأنت لا ترعى عهدي لأنك وثقت بأمانتى ثقة أبدية . وأنت تراعي غيري من أحببت لأنك نخشى أن ينقلبوا عليك . والإتجار بالصداقة من أخلاق زمانك ، وأنت ابن زمانك ، فشرِّق فى مكايدتى وغرِّب ، فسأبقى بجانبك يوم تنكشف لك أخلاق الزمان فتصبح بلا صديق

أراك انزعجت ، أيها القلب الحمد لله ، فلا يزال فى الدنيا إخوان يزعجهم العتاب . وبالرغم مني أن يرق الصخر الذى جعلته علامة القِبلة فى أورقات انصارات

لا تجزع ، يا قلبي ، فلن أعاتبك فى كل يوم ، فلست بالصديق الذى يشوك أصدقاءه بالعتب فى كل حين أراك غضبت

إتق الله والحب ، أيها القلب ، فقد صبرت على بجنيك عددًا من من السنين ، وما يجوز لك أن تثور على من ينطق بكلمة الحق مرة واحدة بعد أن صبر على كلمة الزور ألوف المرات

كنت أود أن ألقاك بالهجر الجميل ، أيها القلب ، كما تعودت أن ألقاك فى الليالي الخوالي ، ولكني رأيتك تعد سكوتى علامة من علائم العجز أو دلالة من دلائل الشبهات ، فاسمع صوتى يا جاحد ، لتعرف أنى أملك الثورة عليك حين أشاء

ومن العجز أن تظن أن التفريط فى حق الصديق يمر بلا عقاب ، كما مرات حسنات الصديق بلا ثواب

تلك أيام خلت . فأعد نفسك لحساب العاشق الذي صحا وأفاق ما هذا ؟ ما هذا ؟ أراك تبكي وتنتحب أيها القلب أمن دعابة وجهتها إليك يتفجر حزنك وأساك ؟

فكيف أكون وقد قضيت السنين الطوال فى رأب ما يصدع الأصدقاء ؟

كيف أكون ولي فى كل يوم رفيق يغدر ، وصديق يخون ؟ أنا أثور عليك أيها القلب ؟ وكيف وقد صفحت عن ذنوب قوم أسكنتهم فى سوادك ؟

أنا الأخير بين من تعمي عيونهم عن عيوب الصديق ، أيها القلب

وأنا الاخير بين من لا ترى عيونهم غير محاسن الصديق ، أيها القلب

فاغدر كيف شئت ، وليغدروا كيف شاءوا ، فأنا أحق من " الحجر الأسود " بحمل الذنوب وستر العيوب ولن أنطق إلا يوم ينطق الحجر الأسود ، فإن نطق

فسأعتصم بالصمت أترانى أمن عليك ، أيها القلب ؟ أنت الذي تمن علي ، لو شئت ، وأنت تشاء لأن زمانك

منان ، ولكني سأعفيك من رذيلة المن على الأصدقاء أنا أختلق المحاسن لأصدقانى ، فكيف أبخل بالثناء عليك

بما أنت له أهل ؟ وكيف أجاريك فى طمس محاسن الصديق وأنا أقوى منك ؟

لا تنزعج من كلمة الحق ، أيها القلب ، فستسمع منى بعد ذلك ما يرضيك . أنا راض عنك مع جهلك ، لأن شاعرنا يقول : ولربما اعتصم الحليم بجاهل ... لا خير فى يُمنى بدون يسار وعقلي محتاج إلى جهلك ، أيها القلب

أتذكر ما وقع فى صباح اليوم ؟

كنت فى سيارة عمومية ، وصعد زوجان انجليزيان ومعهما طفل وطفلة ، فوئب الطفل إلى صدري يسكن إليه ، فنهرته أمه فغضب ، وجذبه أبوه من يده فثار وجرى إلى باب السيارة لينزل وهي فى جنون السرعة ، وخاف والد الطفل فاشار إليه أن يتوجه حيث شاء ، فأقبل الطفل على صدري من جديد ، وأخذ يشير إلى أخته أن تصنع كما صنع ، فقضيت المسافة وأنا احتضن طفلين عزيزين فى رقة الأزهار ونضارة الرياحين

ونظر الأب والأم إلى هذا المشهد نظرة حنان وهما فى عجب عُجاب ، فقلت : لا تعجبا يا سيدى ، فهذان الطفلان يعرفان

بوحي الفطرة أني رجل له قلب . . .

وشاءت ظروف عملي أن أنزل فى منتصف الطريق فتشبث الطفل بي وهو دامع العين مكروب ، فلثمت جبينه فاستراح ، وأوى إلى سدر أبيه وهو جذلان وكان ذلك لأنك كنت فى صحبتي ، أيها القلب

وأرادت إحدى الغوادر أن تنسى ما صنع قلبي فى التشبيب بجمالها الفتان فدلت وتاهت ، فأصليتها صدا بصد واغضاء بإغضاء ، فهى منذ سبعة أشهر تترضاني برسائل تذيب الجلاميد وأنا ألقاها بصمت الأوثان ، فهل كان يمكن ذلك إلا لأنك فى صحبتى ، أيها القلب ؟

عندى ألوف من الشواهد على أنك المصدر الأصيل ، أملك من عنفوان القوة والعافية ، فإن صح أنك أصل لما قد يساورني من ضعف فذلك دقة النصل فى السيف الصقيل

إليك رجفت يا قلى ، فارجع إلي كما رجعت إليك : فلقد يُسعف الجريح أخاهُ ...... ويواسي الغريب فى الأحزانِ

اشترك في نشرتنا البريدية