الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 40الرجوع إلى "الثقافة"

إمضاءات الفنانين فى الاسلام

Share

يري المشتغلون بدراسة الفنون الاسلامية فى العصور المختلفة أن الفنانين أنفسهم لم يكن لهم فى المجتمع ما كان للفنيين في الأمم الغربية من شأن عظيم ، ومن أوثق الأمور صلة بهذه الظاهرة ان إمضاءات الفنانين في الأقاليم الاسلامية كانت نادرة إلي حد ما .  ولسنا نريد أن تذهب إلي أن المهندسين والعمارين والفنانين والصناع المسلمين لم يخلقوا من العمائر والتحف عددا وافرا ، يمكننا أن نقسه على وجه التحقيق إلي فنانين نعرف أسماءهم ؛ ولكننا نؤكد أن تلك العمائر والتحف قادرة نسبيا ، وأن ما نستطيع ان نعرفه عن رجال الفن في الغرب وعن آثارهم الفنية ، لايدانيه فى شئ ما يمكننا كشفه من بيانات قاصرة ناقصة عن بعض رجال الفن في العالم الإسلامي . أما معظم هؤلاء الرجال فقد كانوا نكرة لم تصل إلينا أسماؤهم ، وإن عرفنا أسماء بعضهم ، فاننا لا نكاد نجد في المصادر التاريخية والأدبية شيئا عنهم .

وفي رأينا أن هذا راجع إلي أمرين : الأول أن الفن الاسلامى فن غير شخصي . والثاني أنه فن أرستقراطي .

أما أنه غير شخصى ، فلأن المثل الأعلى للفنان المسلم أن يقتفى أثر الأقدمين ويحذو حذوهم ، وأن يسير علي الأساليب الفنية الموروثة . وكان معظم الفنانين المسلمين في مصر وإيران والأندلس وتركيا وسائر الأقطار الاسلامية لا يعملون على ان يعبر كل سهم عن الطبيعة التي يشاهدها أو عن الحقيقة التي يراها ، أو عن شعوره الشخصي ، تعبيرا خاصا يميزه عن غيره من الفنانين ، ولا يتخذ كل منهم فى العمارة وفي الرسم والتصوير أو صناعة التحف

أسلوبا معينا ينم عنه ، ويجعل من اليسير أن ينسب إليه البناء أو التحفة ، حتى إذا لم يكتب اسمه شاهدا على ذلك .

والواقع أن المعيار الأساسى لمكانة الفنان في الاسلام هو درجة إتقان الرسم والزخرفة ، والتفاوت فى دقة أدائهما ، ولكن قل أن يبتدع الفنان شيئا جديدا ، فلا عجب إن كان الصانع نفسه لا يدفع إلي تسجيل اسمه ولا يشعر بلزوم ذلك إلا فيما ندر .

ونحن حين نعجب بالعمائر والتحف الاسلامية قل أن نفكر في صانعيها ؛ لأنها جزء من كل : هو الطراز الذي تنسب إليه ؛ ولأن العنصر الشخصي فيها ضئيل جدا ؛ ولأننا نستطيع أن نعرف الإقليم الذي صنعت فيه ، والعصر

الذي ترجع إليه ؛ ولكن مهندسها أو صانعها لم يترك لنا من شخصيته ما يساعد على تسجيل اسمه لنا ، أو ما يبعث فينا الشوق إلي معرفته .

أجل ، إن هناك حالات شاذة ، ولكنها تثبث القاعدة كما يقولون . والفنان في الإسلام إذا وسيلة وأداة . وهو في معظم الأحيان ليس حرا مطلق التصرف ؛ ومنتجاته لا تدل عليه . ولذا لم يكتب القوم في تاريخ حياة الفنانين ، حتى إننا إذا عثرنا على اسم فنان لم نجد عنه في كتب التاريخ والأدب ما يمكننا ان نتبين منه بيئته والعوامل التي أثرث فيه ، وإذا وجدنا شيئا من هذا ظهر لنا أن قيمته ضئيلة لأنه لا يعدو أن يكون طائفة من عبارات المدح التي لا نميط اللثام عن أسلوب الفنان .

والحق أن البون شاسع بين حال الفنانين في تاريخ الغرب ونصيبهم في الشرق الإسلامي . فاللغات الأغريقية واللاتينية ثم اللغات الأوربية غنية بما فيها من بيانات ومؤلفات في تاريخ الفنانين ودرس البيئة التي عاشوا فيها والعوامل المختلفة التي أثرت في فنونهم . بل إن بعض

مؤرخى الفنون يكرسون حياتهم العلمية لدرس فنان من الفنانين الغربيين ، وكشف كل دقيقة وصغيرة في حياته وفي آثاره الفنية ، بينما كان نصيب الفنان في الاسلام ضعيفا هينا .

ولكن قلة الابتكار في الفنون الاسلامية ليست وحدها سبب ما تلاحظة من قلة الامضاءات على العمائر والتحف الاسلامية ، وندرة البيانات عن الفنانين المسلمين ، فهناك السبب الثاني الذي أشرنا إليه في صدر هذا المقال ؛ وهو أن الفن الاسلامي فن ارستقراطى .

والمقصود بذلك أن المهندس أو الفنان في الإسلام كان يعتمد في تشجيعه وشراء آثاره الفنية أو تكليفه بتشييد العمائر المختلفة ، على الأمير وأعوانه من ذوي البطش والثروة . أما أهل الطبقة الوسطى وعامة الشعب فقد كانوا يستخدمون من الأثاث والأوانى ويسكنون من البيوت ما لا صلة له بالفنانين ذوى المواهب الممتازة .

وكان الأمراء والأغنياء في معظم الأحيان يعدون الفنان صانعا فحسب ، وينكرون عليه أن تنسب العمائر أو التحف إليه ، ويحرصون على أن تكون أسماؤهم هي الغالبة عليها ، وعلي ألا يظهر اسم الفنان فيطغى علي ما لهم من الفضل والذكر . فالمتصور حين شيد بغداد أراد أن تبقى على مدى الدهر منسوبة إليه ، والمعتصم وخلقاؤه ممن شيدوا سامرا وأقاموا ما فيها من قصور تزينها النقوش والتزاويق والزخارف الحمصية ، أنكروا على مهندسى تلك

المدينة ومن اشتغلوا فيها من الصناع والفنانين ، أنكروا عليهم أن يقوم لهم ذكر أو أن يخلد لهم اسم . والقلاع التى شيدت في أنحاء العالم الإسلامى نسبت إلي السلاطين والأمراء الذين أمروا بتشييدها . والمساجد الفخمة كجامع ابن طولون والسلطان حسن لا تزال شخصية مهندسيها مجهولة برغم جلال آثارهم الفنية .

والأقمشة التى كانت تنسج فى مصانع الطراز الإسلامية كانت تحمل اسم الخليفة ، ولم يرد فيها اسم المشرف على الصناعة إلا فيما ندر .

ولا حاجة بنا إلي أن نسترسل في بيان الأمثلة التي تدل على أن صاحب التحفة أو الآمر بصناعتها استقل في معظم الأحيان بما لها من فضل ، ولم يحسب الفنان إلا صانعا ، يؤجر على عمله ، وليس طبيعيا أن يصر على الفخر به وتسجيل نسبته إليه .

بيد أننا لا نستطيع أن نختم هذا المقال بدون أن ننبه إلى أن ما ذكرناه ليس عاما وشاملا في الفنون الاسلامية ، فقد أدرك بعض الفنانين فى الإسلام أن

لآثارهم الفنية شأنا خطيرا دفعهم إلى تسجيل أسمائهم عليها والفخر بنسبتها إليهم .

ولا ريب أن أحفل الطرز الاسلامية بالامضاءات هو الطراز الايرانى ، لأنه كان أ كثر فهما للحياة من سائر الطرز الفنية ؛ ولأن الفنانين الايرانيين لم يكترثوا

- لأسباب لا محل لشرحها هنا - بتحريم تصوير الكائنات الحية أو تجسيمها ، فاتسع الأفق الفني عندهم ، وأقبلوا على توضيح المخطوطات بالصور ، وعلى إنتاج التحف البديعة ، وأصاب بعضهم في هذا السبيل توفيقا ، حق له أن يفخر به وأن يسجله لنفسه ، أو ظن خطأ أنه أصاب ذلك التوفيق فسجله بدون أن يستحقه .

وكذلك تقدم فن تحسين الخط في العالم الاسلامى ، وأقبل القوم على شراء المخطوطات والنماذج من كتابة الخطاطين المشهورين .    وكانت أ كثر هذه التماذج من الآيات القرآنية أو الأدعية او أبيات الشعر ، وجمع منها الهواة المرقعات (الألبومات) الفاخرة .  وكان الخطاط يذيل كتابته بامضائه ، فخرا بخطه ، ولانه لم يكن يخشى - كزميله المصور - غضب رجال الدين أو نقمة المتعصبين من عامة الشعب ، ولذا كانت أسماء معظم الخطاطين معروفة

كما صنفت بعض الكتب فى تراجم حياتهم .

ونبغ فى مصر في العصر الفاطمى فنانان كبيران فى صناعة الخزف ، هما سعد ، ومسلم ؛ وقد وصل إلينا عدد وافر من القطع التي نرى عليها اسم أحدهما ، او اسم غيرهما من صناع الخزف الذين نبغوا بمصر في عصر المماليك مثل غيبى ، والأستاذ المصرى ، والشيخ ، والمهندم ، وشرف الأيوانى ، والهرمزى ، وعجمى ، وغزال ، والمعلم ، والشاعر ، وأبو العز

وكذلك ميدان العمارة سطع فيه نجم مهندس تركى كان جم النشاط واسع النفوذ . وهو المهندس سنان باشا ، أعظم المهندسين الترك على الاطلاق ، وقد أشرف علي تشييد عدد وافر من الجوامع والمساجد والمدارس والأضرحة

والقصور والقناطر والحمامات التى بنيت فى تركيا إيان القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادى) .

وصفوة القول أن المدن الاسلامية ودور الآثار والمجموعات الفنية الخاصة تفخر بما فيها من عمائر أو تحف إسلامية عليها أسماء صانعيها . وقد جاءت أسماء الفنانين على شتى أنواع التحف ، ولا سيما المخطوطات والصور والخزف والمعادن . ولكن هذه الامضاءات نادرة بالنسبة إلي ما وصل إلينا من الآثار الفنية الاسلامية ؛ وترجع ندرتها إلي طبيعة الفن الاسلامى ، وإلى البيئة التى عاش فيها الفنانون ، والنظام الاجتماعى الذي كانوا يعملون فيه ، والأساليب الفنية التي كانوا يتمسكون بها .

اشترك في نشرتنا البريدية