يري المشتغلون بدراسة الفنون الاسلامية فى العصور المختلفة أن الفنانين أنفسهم لم يكن لهم فى المجتمع ما كان للفنيين في الأمم الغربية من شأن عظيم ، ومن أوثق الأمور صلة بهذه الظاهرة ان إمضاءات الفنانين في الأقاليم الاسلامية كانت نادرة إلي حد ما . ولسنا نريد أن تذهب إلي أن المهندسين والعمارين والفنانين والصناع المسلمين لم يخلقوا من العمائر والتحف عددا وافرا ، يمكننا أن نقسه على وجه التحقيق إلي فنانين نعرف أسماءهم ؛ ولكننا نؤكد أن تلك العمائر والتحف قادرة نسبيا ، وأن ما نستطيع ان نعرفه عن رجال الفن في الغرب وعن آثارهم الفنية ، لايدانيه فى شئ ما يمكننا كشفه من بيانات قاصرة ناقصة عن بعض رجال الفن في العالم الإسلامي . أما معظم هؤلاء الرجال فقد كانوا نكرة لم تصل إلينا أسماؤهم ، وإن عرفنا أسماء بعضهم ، فاننا لا نكاد نجد في المصادر التاريخية والأدبية شيئا عنهم .
وفي رأينا أن هذا راجع إلي أمرين : الأول أن الفن الاسلامى فن غير شخصي . والثاني أنه فن أرستقراطي .
أما أنه غير شخصى ، فلأن المثل الأعلى للفنان المسلم أن يقتفى أثر الأقدمين ويحذو حذوهم ، وأن يسير علي الأساليب الفنية الموروثة . وكان معظم الفنانين المسلمين في مصر وإيران والأندلس وتركيا وسائر الأقطار الاسلامية لا يعملون على ان يعبر كل سهم عن الطبيعة التي يشاهدها أو عن الحقيقة التي يراها ، أو عن شعوره الشخصي ، تعبيرا خاصا يميزه عن غيره من الفنانين ، ولا يتخذ كل منهم فى العمارة وفي الرسم والتصوير أو صناعة التحف
أسلوبا معينا ينم عنه ، ويجعل من اليسير أن ينسب إليه البناء أو التحفة ، حتى إذا لم يكتب اسمه شاهدا على ذلك .
والواقع أن المعيار الأساسى لمكانة الفنان في الاسلام هو درجة إتقان الرسم والزخرفة ، والتفاوت فى دقة أدائهما ، ولكن قل أن يبتدع الفنان شيئا جديدا ، فلا عجب إن كان الصانع نفسه لا يدفع إلي تسجيل اسمه ولا يشعر بلزوم ذلك إلا فيما ندر .
ونحن حين نعجب بالعمائر والتحف الاسلامية قل أن نفكر في صانعيها ؛ لأنها جزء من كل : هو الطراز الذي تنسب إليه ؛ ولأن العنصر الشخصي فيها ضئيل جدا ؛ ولأننا نستطيع أن نعرف الإقليم الذي صنعت فيه ، والعصر
الذي ترجع إليه ؛ ولكن مهندسها أو صانعها لم يترك لنا من شخصيته ما يساعد على تسجيل اسمه لنا ، أو ما يبعث فينا الشوق إلي معرفته .
أجل ، إن هناك حالات شاذة ، ولكنها تثبث القاعدة كما يقولون . والفنان في الإسلام إذا وسيلة وأداة . وهو في معظم الأحيان ليس حرا مطلق التصرف ؛ ومنتجاته لا تدل عليه . ولذا لم يكتب القوم في تاريخ حياة الفنانين ، حتى إننا إذا عثرنا على اسم فنان لم نجد عنه في كتب التاريخ والأدب ما يمكننا ان نتبين منه بيئته والعوامل التي أثرث فيه ، وإذا وجدنا شيئا من هذا ظهر لنا أن قيمته ضئيلة لأنه لا يعدو أن يكون طائفة من عبارات المدح التي لا نميط اللثام عن أسلوب الفنان .
والحق أن البون شاسع بين حال الفنانين في تاريخ الغرب ونصيبهم في الشرق الإسلامي . فاللغات الأغريقية واللاتينية ثم اللغات الأوربية غنية بما فيها من بيانات ومؤلفات في تاريخ الفنانين ودرس البيئة التي عاشوا فيها والعوامل المختلفة التي أثرت في فنونهم . بل إن بعض
مؤرخى الفنون يكرسون حياتهم العلمية لدرس فنان من الفنانين الغربيين ، وكشف كل دقيقة وصغيرة في حياته وفي آثاره الفنية ، بينما كان نصيب الفنان في الاسلام ضعيفا هينا .
ولكن قلة الابتكار في الفنون الاسلامية ليست وحدها سبب ما تلاحظة من قلة الامضاءات على العمائر والتحف الاسلامية ، وندرة البيانات عن الفنانين المسلمين ، فهناك السبب الثاني الذي أشرنا إليه في صدر هذا المقال ؛ وهو أن الفن الاسلامي فن ارستقراطى .
والمقصود بذلك أن المهندس أو الفنان في الإسلام كان يعتمد في تشجيعه وشراء آثاره الفنية أو تكليفه بتشييد العمائر المختلفة ، على الأمير وأعوانه من ذوي البطش والثروة . أما أهل الطبقة الوسطى وعامة الشعب فقد كانوا يستخدمون من الأثاث والأوانى ويسكنون من البيوت ما لا صلة له بالفنانين ذوى المواهب الممتازة .
وكان الأمراء والأغنياء في معظم الأحيان يعدون الفنان صانعا فحسب ، وينكرون عليه أن تنسب العمائر أو التحف إليه ، ويحرصون على أن تكون أسماؤهم هي الغالبة عليها ، وعلي ألا يظهر اسم الفنان فيطغى علي ما لهم من الفضل والذكر . فالمتصور حين شيد بغداد أراد أن تبقى على مدى الدهر منسوبة إليه ، والمعتصم وخلقاؤه ممن شيدوا سامرا وأقاموا ما فيها من قصور تزينها النقوش والتزاويق والزخارف الحمصية ، أنكروا على مهندسى تلك
المدينة ومن اشتغلوا فيها من الصناع والفنانين ، أنكروا عليهم أن يقوم لهم ذكر أو أن يخلد لهم اسم . والقلاع التى شيدت في أنحاء العالم الإسلامى نسبت إلي السلاطين والأمراء الذين أمروا بتشييدها . والمساجد الفخمة كجامع ابن طولون والسلطان حسن لا تزال شخصية مهندسيها مجهولة برغم جلال آثارهم الفنية .
والأقمشة التى كانت تنسج فى مصانع الطراز الإسلامية كانت تحمل اسم الخليفة ، ولم يرد فيها اسم المشرف على الصناعة إلا فيما ندر .
ولا حاجة بنا إلي أن نسترسل في بيان الأمثلة التي تدل على أن صاحب التحفة أو الآمر بصناعتها استقل في معظم الأحيان بما لها من فضل ، ولم يحسب الفنان إلا صانعا ، يؤجر على عمله ، وليس طبيعيا أن يصر على الفخر به وتسجيل نسبته إليه .
بيد أننا لا نستطيع أن نختم هذا المقال بدون أن ننبه إلى أن ما ذكرناه ليس عاما وشاملا في الفنون الاسلامية ، فقد أدرك بعض الفنانين فى الإسلام أن
لآثارهم الفنية شأنا خطيرا دفعهم إلى تسجيل أسمائهم عليها والفخر بنسبتها إليهم .
ولا ريب أن أحفل الطرز الاسلامية بالامضاءات هو الطراز الايرانى ، لأنه كان أ كثر فهما للحياة من سائر الطرز الفنية ؛ ولأن الفنانين الايرانيين لم يكترثوا
- لأسباب لا محل لشرحها هنا - بتحريم تصوير الكائنات الحية أو تجسيمها ، فاتسع الأفق الفني عندهم ، وأقبلوا على توضيح المخطوطات بالصور ، وعلى إنتاج التحف البديعة ، وأصاب بعضهم في هذا السبيل توفيقا ، حق له أن يفخر به وأن يسجله لنفسه ، أو ظن خطأ أنه أصاب ذلك التوفيق فسجله بدون أن يستحقه .
وكذلك تقدم فن تحسين الخط في العالم الاسلامى ، وأقبل القوم على شراء المخطوطات والنماذج من كتابة الخطاطين المشهورين . وكانت أ كثر هذه التماذج من الآيات القرآنية أو الأدعية او أبيات الشعر ، وجمع منها الهواة المرقعات (الألبومات) الفاخرة . وكان الخطاط يذيل كتابته بامضائه ، فخرا بخطه ، ولانه لم يكن يخشى - كزميله المصور - غضب رجال الدين أو نقمة المتعصبين من عامة الشعب ، ولذا كانت أسماء معظم الخطاطين معروفة
كما صنفت بعض الكتب فى تراجم حياتهم .
ونبغ فى مصر في العصر الفاطمى فنانان كبيران فى صناعة الخزف ، هما سعد ، ومسلم ؛ وقد وصل إلينا عدد وافر من القطع التي نرى عليها اسم أحدهما ، او اسم غيرهما من صناع الخزف الذين نبغوا بمصر في عصر المماليك مثل غيبى ، والأستاذ المصرى ، والشيخ ، والمهندم ، وشرف الأيوانى ، والهرمزى ، وعجمى ، وغزال ، والمعلم ، والشاعر ، وأبو العز
وكذلك ميدان العمارة سطع فيه نجم مهندس تركى كان جم النشاط واسع النفوذ . وهو المهندس سنان باشا ، أعظم المهندسين الترك على الاطلاق ، وقد أشرف علي تشييد عدد وافر من الجوامع والمساجد والمدارس والأضرحة
والقصور والقناطر والحمامات التى بنيت فى تركيا إيان القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادى) .
وصفوة القول أن المدن الاسلامية ودور الآثار والمجموعات الفنية الخاصة تفخر بما فيها من عمائر أو تحف إسلامية عليها أسماء صانعيها . وقد جاءت أسماء الفنانين على شتى أنواع التحف ، ولا سيما المخطوطات والصور والخزف والمعادن . ولكن هذه الامضاءات نادرة بالنسبة إلي ما وصل إلينا من الآثار الفنية الاسلامية ؛ وترجع ندرتها إلي طبيعة الفن الاسلامى ، وإلى البيئة التى عاش فيها الفنانون ، والنظام الاجتماعى الذي كانوا يعملون فيه ، والأساليب الفنية التي كانوا يتمسكون بها .

