الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 214الرجوع إلى "الثقافة"

إنسان

Share

في لمحة عابرة من طفولة بيتهوفن Beethoven حاولنا في عدد سابق  من اعداد الثقافة ان نرسم له صورة من وحي صورة له . وكم للعبقري من صور ، وكم بين هذه الصور من فروق ، فإن ريشة مهما رشقت ، وفرشاة مهما دقت في يد صاحبها وصنعت ، ليستعصى عليها الملمح في هذه الشخصية كل الاستعصاء ، لأن صاحبها لا يستقر في مكان ، ولا يطاوع جهد الفنان . وكثير مما رسم له الرسامون لم يكن عن الطبيعة بقدر ما كان من وحي الطبيعة ؛ وكثير مما طابق  الحقيقة أو داناها عن شخص بتهوفن قد كان جله من وحي المخيلة الواعية وصنع الخيال

كانت قامة بتهوفن اميل إلي القصر ، فكانما قد انضغط بعضه في بعض وكان له راس ، أي رأس  رأس غضنفر ضخم منقوش الشعر قد تمت له به معرفة الأسد .

وكان قاتم لون الوجه ، طلق  الجبين ، جليله قد انتثرت في وجهه اثار الجدري فزادته تقطيبا علي تقطيبه . وكان له أنف دميم قد ركبه الله فيه ليظهر جمال الجبين المنسجم والذقن ذي العزم والفم الكريم

وكانت له عينان قلقتان مظلمتان ، حسب صاحبهما ان يفكر او يحدث ليشع منهما بريق  خاطف

وكان إذا ابتسم وقل أن ابتسم ألقيت مثل شعاع الشمس يخترق الجهام

بهذا الوجه أقبل بيتهوفن على الدنيا وأدبر عنها ، فكانت الدنيا دائما جادة في اثره ، وكان ابدا في شغل عنها بفنه و نفسه .

وبهذا الوجه عرف الدنيا متجهمة في بيته ، متجملة في بيوت الناس ، فاجتمع له فيها ما قل أن اجتمع لفنان

غيره من عطف وعون ، وتشجيع وتثقيف

نشأ بتهوفن يري نفسه في بيوت النبلاء مختلطا بهم مؤهلين به آخذا عنهم ، معلما أبناءهم . وقد كان الأمراء منهم أحفياء به يقرونه وأصحابه من صفوة العظماء بارين به يبجلونه يتهافت عليه من المجتمع كل ذي شأن يعلي من شأنه ، ويعمل على خلوده ، ويقدم إليه أ كثر مما يأخذ منه ، لولا أن فن الأستاذ لا يقدر ، وأن نفسه التي تتجلي فيه لا تقوم بنفيس .

وقد اجتمعت له أباطرة أوربا وملوكها في صعيد واحد ، واستمعت له في فينا في غفلة " المؤتمر وغيبة الكورسيكى ) ١ ( فأكبرته  وأعطته

واستفاضت شهرته ، وجاوزت حدود بلاده ، وهو بعد شاب وتجاذبته العواصم وتزاحمت عليه تريد ان يكون لها دون فينا ، فلا تستأثر دونها بشخصه

وقد كان في يتمه موضع عناية الناس ، فكم أرسل الود والحب والفن غير شعاع إلي قلبه الكبير وكان في شبابه علي مقربة دائما من عرائس الفن وشيخ الرماة كبوبيد الطفل فيرميه  ويصميه

فلو أن السعادة تقتني بهذا لكانت من قسمته ) لكن الطبيعة ابتدعته على غرار فريد ؛ فهو من ناحية نفسه في ثورة ، ومن ناحية الناس في ثورة ؛ وليكن حوله من سلام الله طبيعة كاملة ، ومن إرادة الناس طيبة شاملة . فانه لا بد خالق  في هذه الطبيعة بحره الهائج ، وفي قلوب الناس ظنهم السئ ؛ وإنه لابد مباعد بينه وبينهم بقدر ما بينهم وبينه من تباين وهو كبر ، ومن تشابه وهو نادر جد قليل

كان بتهوفن عليلا ، فهو علي همته وعزم منه ، وشدة

اسره وجهمة فسره ، سريع التألم كثير المعاناة

وكان يقدس حريته ولا يتصرف إلا علي هواه ، ولو أخطأ العرف والتقاليد واللياقة

وكان خشن الدعابة ، فليس بشيء عنده أن يغضب الناس او يرضوا ما دام يريد أن يتفكه بهم . وكان حساسا شديد الحساسية ، لا يطيق التلميح بله التصريح ولا يحفل للحساسية في غيره .

وقد كان الأشراف أول من احتضنوه وأكرموه ، وافاضوا فنه على الناس بحرا زاخرا ، وكان يتعمد حيالهم موقفا خشنا ، ولو لم تمس كرامته ! ذلك لأنه كان يخشى فحسب ان تهدر هذه الكرامة ، وان يبدو للعظاء غير عظيم

ارتحل بيتهوفن عن يون bonn مسقط رأسه في السابعة عشرة من عمره إلي فينا ممجدته ومذيعة فضله ، فوجد فيها الخالد موتسار mozart، فكان بدء التصادم بين معلم بلغ الذروة ومعلم ناشيء يصعد في الجبل بخطا الحبار . وقد كان موتسار الإوزة الشاوية في عهد دائل وعصر زائل ، وكان بيتهوفن يستقبل عهدا جديدا وعصرا مقبلا مجيدا

وافترقا ، أول ما افترقا ، هذا يشيع اباه  إلي مقره الأخير ، وذاك إلي أمه يودعها الوداع الأخير

وحمل بيتهوفن بعد موت امه تبعات جساما في القيام بأود اسرته ، ووقفت له عجوز الهم بالمرصاد ، تسلبه كل ابتسامة يجود بها الزمان

وارتحل بيتهوفن إلى فينا للمرة الثانية في الثانية والعشرين من عمره ، فالقي فيها جمهرة الفنانين يتزعمهم هايدن ، فتتلمذ لهم ولم يأخذ في الغالب عنهم . وكان معهم التلميذ الثاني لا يحترم إلا إرادته ، ولا يوقر إلا فنه ، ولا بدين لعبقرية سوي عبقريته . فكيف كان ذلك ؟ وكيف نبا بيتهوفن الشاب في أيدي الأفذاذ ، وأخطأ جلهم فيه الحساب ؟

لم يكن ما هيء بيتهوفن له وسعي وراءه ينشده عند هؤلاء ، بل كان مدرسة وحده ومعبود اجيال وصفه الشاعري وايستباخ Weissenbach  الجراح الذي اجري مبضعه في تلافيف شخصيته ، ودق منتهي الدقة في تشريح أنسجته فقال :

كان خلقه كموهبته جليلا كل الجلال ، فلم اصادف في الحياة نفسا طفلة بهذه القوة وهذا القسر يمجد في نفسه كل طيب وكل جميل ، وتبعثه على ذلك فطرة تسمو علي كل تهذيب . يثور ويألم ويبكي إذا دنس بالفكر او القول أو العمل ما يحبه ويبجله - وبنقم أبدا على الدنيا الخسيسة ويتشيع للحق ، حتى ليتجهم أبد الدهر لمن يتبين فيه الشر .

لا شئ في هذا العالم يستطيع أن يغويه ، وليكن سموا في الحياة أو جاها ورتبة ومقاما . وهو في حساسيته الرفيعة وعبقريته الفنية الدافعة يلقي الهناء كما يلقي الشقاء ليس المال عنده إلا قيمة الضرورة ، فهو لا يعرف ابدا ما يعوزه ولا ما ينبغي ان ينفقه . وعلى ان طبعه كان يحذره من العالم ويعزف به عنه ، فقد كثر مااوقعته سذاجته في أحايبل الشر . وقد قدر له أن يخبر المر ويذوقه ، لكن نفسه ظلت بعيدة عن مزاولات الحياة ، قليلة الخبرة بها ، حتي ليبتسم  للمكر كالطفل وذهنه منه خال .

لقد كان بيتهوفن عفا نقيا لم يقارف الفحشاء ، وقد كان رأيه في الفضيلة يستخشن لأنه لم يطلب عبقريته عند معلم الرقص ولم يبذلها على أبواب العظماء .

كان بيتهوفن يطلب الفضاء الطلق والسعة والانتشار وإلا يصده صاد ، أو يخرجه ضيق . فليس أي مكان مهما رحب بالسعة التي يطلبها ، والعلو الذي يتطلع إليه ، والعرض الذي يبتغيه .

كان يريد العزلة لا الجوار ؛ وإلا يجاور غير السماء . وكان يريد منظرا لانهائيا ينفذ في قلب الطبيعة الساجية المناجية ، منظرا في الريف المترامي يطل عليه من نوافذه ،

فتطالعه  غاياته وجباله ووديانه ، وتجري من تحتها انهاره ، يساير مها السحب الحثيثة في الإفاق البعيدة فتحوم فوقها أفكاره كطيور العاصفة ، فيخلق ما شاء الخلق ، ويستدبر في تحليقه حدود الأرض .

وقد كان مع هذا الانسجام الباطني مضطرب الظاهر ، يعيش مع الفوضى تحت سقف واحد ، فكتبه ومجسداته ) نوتاته ( في كل ركن وطرف لا يحتضنها نظام ؛ وعلي معزفه اوراق مرقشة والحان تغط في النوم بحاجة إلي التمام . وهنا وهناك مسودة تتطلب التصحيح ، وفضلات عشاء الأمس وقناني نبيذ ، وعلي النافذة قرص كامل من الخبز وإلي جواره اطلال دارسة من لحم الخنزير ، وعلى الأرض رسائل تتناول معاملاته ، وبين اشتاتها اخري من اصدقاء اوفياء ؛ وإلي جانب المعزف مكتب زري يحمل آثار المحبرة المقلوبة ومجري المداد المهراق في جوف البيان ؛ وعلي المكتب نصف دستة من أقلام البوص تنتظر من يقشرها ويبريها ، وفوق كرسيه القش ملابسه تغطيه وتزامل عليه فضلات الطعام

أما الغبار ففي كل مكان ؛ غبار ونقر في أرض الغرفة مليئة بالماء من مخلفات صبيب الأستاذ علي جسمه كل صباح . والصمم الصمم الذي وقر في اذنيه قبيل الثلاثين ولازمه بقية العمر . الصمم الذي حرمه أنبل حواس الموسيقى في الإمتاع والاستمتاع ، فتركه يغوص في نفسه إلي أعماق ما لها قرار ، ويطلق من أعماقه بركانا يتطاير منه شرر النفس المستعرة أيما استعار ؛ ألم يكن نصيبه الأوفي في الحياة ، وصنع القدر على مجالده الجيار ؟

لقد كان بيتهوفن يشد النفس إلي صخرة عزلته ويكابد العذاب ، وكان عذاب النفس ينهش كبده في قسوة الرحمة ونهم العقاب .

كان بيتهوفن مسلوب العزاء ، فبيانه ، أداته التي كانت تناجيه بأروع الألحان ، باتت خرساء وأضحت من صممه هي الآخرى صماء .

وقد كان إذا لقي أخاه في الإنسانية فابتسم له ، أول الابتسام واساء التأويل ، وإذا تحدث إليه محدث أساء فهمه ، وذهب يتظنن ويفرض المستحيل .

كان يسير في الطرقات هيبة كالحة ، وجهامة مجسدة تتنكر للموهوم ، فإذا بدا له انه الواهم وانه الظالم لم يتردد في الاعتذار والاستغفار واسترضاء المظلوم .

وبعد ، فإن هذه البشرية المتفجرة لتغمر من يقربها بأصفي المشاعر  ؛ وهذه الشخصية المتنكرة لتطالع المستطلع بأغرب الاحاسيس ، وقد تعددت جوانبها ، فهي تزحم أفق المفكر وتعقل الفكر . وقد قبسنا من وضاءتها قبسا ما نحسبه يغني كل الغناء ؛ فلعلنا نكتب في القريب عن بيتهوفن الفنان ، فنحاول أن نجلوه بعض الجلاء

اشترك في نشرتنا البريدية