إن من أفضل ما يقوم به المفكرون من رجال الإسلام العناية بوضع مجلة الأحكام، تسير على نهج (مجلة الأحكام العدلية) التي وضعت في عهد الدولة العثمانية، عام (١٢٩٧) على ألا تكون مقيدة مثلها بمذهب واحد، تبحث في المسائل الشرعية العصرية، وتضع لها ما يناسبها من الأحكام؛ وإنما يضطلع بهذا العبء، ويقوم على تحرير مثل هذه المجلة. لجنة مؤلفة من أكبر علماء هذا العصر، ممن تضلعوا من مورد الكتاب والسنة، وعرفوا مذاهب الأئمة، ووقفوا على كنه الزمن ونواميس العمران، ودرسوا قوانين الدول وحقوق الأمم، ومارسوا الشؤون القضائية والإدارية. ألا وإن عملهم هذا سيكون له فوائد عظيمة جداً، منها أنه يتبين به أن الإسلام دين السماحة والتيسير، توافق أحكامه مصالح البشر في كل زمان ومكان، ولا يخفى أن من قواعده المأخوذة من نصوصه الكثيرة اليسر، ودفع الحرج والعسر، وأن الأمر إذا ضاق اتسع، وأن الضرورات تبيح المحظورات، فاستنباط الأحكام التي يدعو إليها الزمان من مآخذها وأدلتها يكون مبنياً على أساس حفظ مصالح الأمة ودرء المفاسد عنها، وقد تكرر هذا المعنى. (ومنها) أن اعتماد ما كان أقرب دليلاً وأكثر ملامة لحاجة العصر وطبيعة الأمة، من مذاهب الأئمة،
يتبين به سعة الفقه الإسلامي، وأن اختلاف علمائنا رحمة والأ خذ من متنوع مذاهبهم نعمة
(ومنها) رد المزاعم القائلة بأن الإسلام لا يلتقي مع حاجة البشر، ولا يبحث فيما يتجدد من شؤون الزمن. على أن الواقع أن بعض فقهائنا قد بحثوا في بعض ما ظهر في عصرنا من الشؤون؛ فهذا الفقيه الكبير الأستاذ الشيخ محمد بخيت قد ألف كتاباً أجاز فيه العمل بخبر البرق (التلغراف) سماه (إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة) ومثله الأستاذ الشهير الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي في كتابه (إرشاد الخلق إلى العمل بخبر البرق) وقد أثبت أستاذنا القاسمي فتاوى لاثني عشر عالماً من أشهر علماء العصر بجواز قبول خبر البرق في إثبات الأهلة وغيرها، والمذياع والهاتف (الراديو والتلفون) كلاهما أوضح في الدلالة وأوثق من خبر البرق، لأن التلغراف يستفاد مضمونه من تلك النقرات التي ينقرها العامل فيفهم خبره ويترجم المراد منه، بخلاف الكلام بالراديو والهاتف فهو كلام صحيح صريح، وإنما يسمع من يلقي إليه الخبر بهما كلام المتكلم نفسه لا صداه، وما أظن أحداً ممن أجاز العمل بخبر البرق في الديانات والمعاملات يتردد في جواز العمل بالمذياع والهاتف فيهما لما قدمنا؛ وهو أقوى من خبر الكتاب الموثوق الذي قبله العلماء، وأبعد عن التزوير بكثير. وقد كتب النبي (ص) كتبه إلى الآفاق، وبلغ بها دعوته إلى الملوك. وقامت الحجة عليهم وكذلك فعل الخلفاء الراشدون، والملوك العادلون، فقد أرسلوا كتبهم، وقلدوا القضاة والنواب والأمراء عنهم بالكتابة. وعلى ذلك جرت سنة التابعين وأئمة الشرع وفقهاء الأمة، وما أجدر العلماء الآن بإذاعة القرآن والدعوة الإسلامية بالراديو - كما يفعل الإمام المراغي شيخ الجامع الأزهر - لتعم الكرة الأرضية، وتقوم حجة الله على العالمين
فإلى إنشاء هذه المجلة الكبرى الشاملة لكل ما حدث إلى الآن من الوسائل التي تعامل بها العالم أجمع في كافة أنحاء المعمور، وإلى تفصيل ما نشأ عن هذه الوسائل من مسائل وأحكام فقهية، ندعو أعلام الأمة، وفقهاء العصر، وبالله التوفيق. (دمشق)

