كتبت كلمة للأخ الأديب الأستاذ ( قاف ) نقدا لخير حكاه الأستاذ عباس العقاد في بعض كتبه ، ونقدت طريقه وطريق امثاله في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي بالإثبات والنفي ، من غير دليل ولا حجة ، ونشر الاستاذ ( قاف ) كلمني في العدد ٢٦٤ من الثقافة ( ١٨ يناير سنة ١٩٤٤ ) وعلق عليها برأيه فيها نقدت فثارت ناثرته ، وكتب مقالا طويلا في العدد ٥٥١ من الرسالة ( ٢٤ يناير سنة ١٩٤٤ ) يدعي فيه ان الحقد عليه هو دافعي إلى النقد ، وأني تتبعت كتبه التي نشرها في العبقريات فلم أجد إلا هذه الغلطة الواحدة ، وإن كان لا يسلم بأنها غلطة
وأحب أن يعلم " الأستاذ عباس محمود العقاد )، أن "( أحمد محمد شاكر )لا يحمل في قلبه ضغنا ولا حقدا علي أحد من الناس ، كائنا من كان ، صغر أو كبر .
وإنما أنا رجل أكتب في العلم ، وأجتهد في البحث . لله وفي سبيل الله ؛ ومهما يقل فلن يخرجني عن جيلتى وعما رسمت لنفسي من حدود
وبعد ،فسنعود إلي ما نحن بسبيلة من البحث العلمي في القصة التي تروي ، والشعر الذي نسب إلي عروة ، وإلى المصدر الذي اشار إليه في رده ، لتعرف مبلغ ما في قوله وروايته من قوة وضعف ، ومن صحة وبطلان .
فقد روي الكاتب هذه القصة ثلاث مرات ، نحكيها عنه بلفظها أولا ، ثم نذكر المصدر الذي أشار إليه . ثم ما رأينا في مصادر أخر
قال في كتاب " عبقرية الصديق " ص ٢١٠-٢٠٩ ما نصه بغلطه : " فمن ذلك انه كان عليه السلام يصلح نعله في يوم قائما فتندى جبينه وتحدر العرق على خده ، وهي تلحظه من قريب وكأن بها وجدا عليه ؛ فسألها ماذا دهاك ؟ فقالت : لو راك الشاعر لكنت المعنى بقوله يا رسول الله . فعاد يسألها : اي قوله ؟ فأجابته : حين يقول :
فلو سمعوا في مصر اوصاف خده
لما بذلوا في سور يوسف من نقد
لواحى زليخا لو رأين جبينه
لاثرن بالقطع القلوب علي الايدي
فقام النبي إليها يقبل ما بين عينيها ، ويقول لها : سررتني يا عائشة سرك الله "
وأعترف للأستاذ العقاد وللقارئين الكرام أنى قراتها في ذلك الكتاب عقيب صدوره ، فلم الق لنقدها بالا وإن وقع في نفسي إذ ذاك انها تشبه ما نقرا من الاحاديث الموضوعة ،بما يدركه عقل رجل اشتغل بعلوم الحديث اكثر من ثلاثين سنة ، وصارت له فيها فطرة خاصة ، وملكة غالية ، يفقهها أهل العلم .
ثم رأيته أعادها بشكل آخر في كتاب " الصديقة " ص ٥2-٥٣ فقال : " وكانت تحفظ من شعر عروة ابن الزبير نفسه وتسوق الشاهد منه في موقعه ، كما قالت وهي تري النبي عليه السلام يتندي عرقا في يوم فائظ وقد جلس يصلح نعله : لو راك عروة لكنت المعنى بقوله . . . " وذكر البيتين ، ولكنه ذكر في الأول كلمة " سوم " علي الصواب بدل كلمة ( سور) التي هي خطأ مطبعي واضح ، وذكر في البيت الثاني كلمة( لواحي) بدل (لوامي) " ولست أدري أيتهما في روايته أصل وأيتهما تحريف ، ثم عاد إليها في الكتاب نفسه ص ٧١ فقال : " وتقدم انها راته في يوم فائظ وقد توهج خداه فقال تتمثل بكلام عروة بن الربير... " وأعار البيتين . فحين قرأت هذا مع ذكر عروة لفت نظري الخطأ الواضح البديهي ، إذ لا يجهل احد ممن يعرف رواة الحديث أن عروة بن الزبير من التابعين وليس من الصحابة ، فمن المحال عقلا أن يكون له شعر في حياة رسول الله تنشده إياه عائشة ، إذ لم يكن وجد بعد ، سواء أصحت نسبة الشعر إليه أم بطلت . فبحثت وحققت ثم كتبت نقدي .
وأعترف للأستاذ العقاد مرة اخري اني لم اراجع شرح الشمائل للعلامة محمد بن قاسم جسوس ؟ حينذاك ،
لاني أسقطه من حسابي دائما في المراجعة ، وأعرف قيمته العلمية ، ولكن راجعت فيما راجعت " شرح الشمائل " ؛ للعالم المحدث الحقيقي العلامة ( ملا علي القارئ ) .
ولرجوعي إلي هذا المصدر الذي طار به الأستاذ فرحا قصة صغيرة : ففي يوم الجمعة ٢١ يناير سنة ١٩٤٤ زارني الاخ محمد افندي فؤاد عبد الباقي ، وفيما جري بيننا من الحديث سألني عن شروح( سنن الترمذي) فذكرت له ما حضرني منها : شرح ابن سيد الناس الذي اتمه العراقي ، ولم يطبع ، وشرح القاضي أبي بكر بن العربي وقد طبع بمصر ، وشرح العلامة البار كفوري وقد طبع بالهند ، وهما عندي ومن مراجعي والحمد لله . ثم شرحي انا علي قسم منه ، وقد طبع منه جزان يعرفهما الاخ محمد افندي فؤاد ، فأعاد إلي القول انه سئل عن شرح أخر معين اسمه ( الحاسوس) ، فضحكت وفهمت ما يريد ، وأخبرته أنه لا يسمي (الجاسوس ) وإنما هو (جسوس) " وانه ليس شرحا علي( سنن الترمذي) وإنما هو شرح على (" شمائل الترمذى) ثم احضرت له الكتاب فوجدنا النص الذي يشير إليه الكاتب في الجزء الأول ص ٢٩ ، وهو ومما ينسب لعائشة رضي الله عنها
فلو سمعوا في مصر أوصاف خده
لما بذلوا في سوم يوسف من نقد
وصحب زليخا لو رأين جبينه
لاثرن بالقطع الفؤاد على الأيدي ؟
فأين من هذا النص القصة الطويلة التي حكي الأستاذ في كتابية ؟ واين ذكر عروة فيه ؟ ! فهذا جسوس ينشد البيتين على رواية غير رواية الاستاذ ، وهو امر هين. ولكنه ينسبهما لعائشة نفسها . وإن كان لا يوثق بهذا الكتاب ولا بما ينقله - ثم هو لا يذكر شيئا قبلهما ولا بعدهما مما قص الكاتب !
على أن هذا النص لا يفيد الكاتب شيئا في مصدر القصة التي حكى ، ولا في نسبة الشعر إلي عروة ، ولا في موضع احتجاجه بالقصة والشعر على شيء معين ، وهو ان عائشة كانت تحفظ من شعر عروة بن الزبير نفسه وتسوق الشاهد
منه في موقعه ، لان ذكر البيتين في مصدره منسوبين إلي عائشة نفسها ، نسبة صحيحة او باطلة ، لا يكون ابدا حجة على ان الشعر لعروة ، وعلى ان عائشة كانت تسوق الشاهد منه في موقعه ! ولا إدري ماذا يسمي في طرق البحث والنقد من يدعي قضية ثم إذا طولب بدليلها لتى بدليل ينفيها أو ينقضها ؟
ولكن الأمانة العلمية توجب على أن أخطو بالكاتب خطوة اخري في سبيل البحث ، لعلها ترشده إلي ذكر المصدر الذي نقل منه ما نقل ، فأذكر له مصادر آخر لم يهتد إليها ، وإن كان ما سأذكر لا يؤيد دعواه ولا قصته. فقد نقل الحافظ السيوطي في شرح شواهد المغني ص ٨٢ - 83 ما نصة
" أخرج أبو نعيم في الدلائل والخطيب وابن عساكر بسند حسن عن عائشة قالت : كنت قاعدة اغزل ، والنبى صلى الله عليه وسلم يخصف نعله ، فجعل جبينه يعرق ، وجعل عرقه يتولد نورا ، فبهت ، فقال : ما لك بهت ؟ قلت : جعل جبينك يعرق وجعل عرقك يتولد نورا . ولو راك أبو كبير الهذلي لعلم انك احق بشعره حيث يقول :
ومبرأ من كل غبر حيضة
وفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلي أسرة وجهه
برقت بروق العارض المتهلل
وهذه الرواية نقلها البغدادي في خزانة الأدب ج ٣ ص ٤٧٣ عن السيوطي ، وذكر قبل ذلك ص ٤٦٦ ان البيتين من ابيات لابن كبير في حماسة أبي تمام ، وفي الشعراء لابن قتيبة ، وانها من قصيدة طويلة في اشعار الهذليين وقد نقل بعض المؤلفين القصة ايضا فاختصرها ولم يرد عليها ، فإن الاختصار إذا لم ينقض أصل المعنى جائز ، وأما الزيادة فلا تجوز ، لأنها في عرف المحدثين تكون من باب الوضع ، فنقلها عماد الدين يحيى من أبي بكر العامري في كتاب (بهجة المحافل) " ج ٢ ص ١٨٦ بلفظ : " وقالت عائشة : بأبي وأمي أنت ، لو رآك الشاعر لعلم أنك أحق بقوله "
وذكر بيتي أبي كبير الهذلي على الصواب ، وكذلك فعل الشيخ حسين عبد الله بنا سلامة عضو مجلس الشوري بمكة ، فنقلها كما نقلها العامري مختصرة ، في كتاب " حياة سيد العرب ، المطبوع بجدة سنة ١٣٥٣ ج 4 ص ٢٠٦ ، فأين هذه النصوص مما ذكر العقاد ؟
ولكن بقي بعد هذا كله شيء واحد ، هو اصل دعواه ، اين موضع عروة بن الزبير ، واين موضع شعر عروة من هذه النصوص ؟ هذا حلقة مفقودة ، على الأستاذ العقاد ان يبحث عنها ويفيدنا فيها .
وأما ادعاء الكاتب أنه يستعيد أن يكون عروة ولد سنة ٢٣ او بعدها ، فهذا إفساد للتاريخ العربي ، وما هو بتحقيق ، فإنه إذا صح ان تاريخ ولادة عروة خطأ فليس ذلك بنافعه في موضوعه ، فلئن كان الخطأ في سنة أو في عشر سنين ، كان عروة مولودا بعد وفاة رسول الله ، بل لو كان الخطأ في عشرين سنة لكان عروة طفلا في حياة النبي ولم يكن شاعرا " تحفظ عائشة من شعره وتسوق الشاهد منه في موقعه " في حياة رسول الله تخاطبه به ؟ !
وقد تعب أئمة الحديث ومؤرخو الرجال في التنقيب عن تراجمهم وحصر ما امكنهم حصره وتركوا لنا ثروة ضخمة من العلم الغزير ، لا يضيعة ولا ينقضه غضبة كاتب . ولم يذكر أحد منهم قط ، ان عروة كان صحابيا ، وإنما ذكروه في التابعين . بل إن الحافظ ابن حجر لم يذكره في الإصابة في الأطفال الذين ولدوا في حياة النبي عليه السلام .
وبعد فإن القول يطول لو شئنا نقض كل ما رد به الكاتب ، وليس على طول الجدال فائدة علمية ، فعن ذلك اعرضنا عنه
وإن لنا لكلمة في نفيه حديث عائشة عن سنها حين تزوجها رسول الله ، أو نخطئنه إياها في معرفة سنها إذ ذاك . ولعلنا نجد فرصة مواتية في نقض ما ذهب إليه ، إحقاقا للحق ، ودفعا عن الأحاديث الصحيحة ، إن شاء الله .
(الثقافة ) هذا آخر ما ننشره في هذا الموضوع عرضا للآراء المختلفة ليتجلي الحق
