في الأسبوع الثاني من شهر مارس رفع الستار عن فصل جديد من ماساة " البترول في الشرق الأوسط " ، وكانت بطلة هذا الفصل إيران التي أجمع برلمانها بمجلسيه على تأميم البترول في كل أراضها ، وأعجب المتفرجون بالبطلة ؛ فقد أجادت دورها أمام " الأسد البريطاني " وهو يمثل له شهرته وخطره ، وله من القدرة على التمثيل ما يستطيع به أن يخلق من المأساة مسلاة يضج لها المتفرجون بالضحك ، حتى إذا ما انفض السامر وعادوا إلى تدبر ما شاهدوه ملك عليهم الآسي كل جهاتهم إلا من كان له مع الممثل هوى ، أو تربطه به منفعة .
ولسنا في حاجة إلى أن نتناول صدي هذا الفصل الجديد في نفوس المتفرجين جميعا ، وكيف قابلة فريق منه بالرضي والاطمئنان ، وهو معجب بالبطلة ، والدور الذي لعبت ، متلهف إلى الفصول التالية من المأساة ليري كيف تنتهي ، وكيف يكون الختام ؛ بينما قابله فريق آخر بالقلق والسخط وهو ناقم على البطلة ما يسميه نقضا للمواثيق وخرقا
للاتفاقيات ، ولكنه هو أيضا ليس بأقل لهفة إلى معرفة النهاية ، وكيف تسير إليها الأمور .
حسبنا هنا أن نتناول اثنين من المتفرجين محتلان الصف الأول من المسرح ويتتبعان فصول الرواية في شغف أقرب إلى الفضول ، حتى يتسني لنا بعد ذلك أن نتناول البطلة وصاحبها ، وان نعلق في إيجاز على دور كل منهما في المأساة . أما المتفرج الأول فهو الولايات المتحدة الأمريكية ، وتربطها بالممثل الأول قرابة وصداقة ، وقد شهدت الرواية دون أن تبدى سخطا أو رضي ، وما كان لها أن تسخط أو ترضي ، وهي دولة تفكر دائما بعقلية التاجر وصاحب المصنع ، والدور الذي تشهده لا يتصل بمصالحها اتصالا مباشرا ؛ فما شأنها إذا وإبداء الآراء ؟ ! . . إنها تعطف على انجلترا بحكم الصداقة والقرابة ، ولكن موقف إيران لن يضر المصالح الأمريكية في شئ ؛ فلتكتف إذا بالعطف والإشفاق ، ومن يدري ! ربما أفادت من الوضع الجديد ! . إن لأمريكا حقا امتيازات بترولية في الجزيرة العربية
السعودية ، ولكنها لا تخشي من امتداد عدوي التأميم إلي هذه الجهات ؟ فهي تعرف عن ثقة أن ظروف المملكة السعودية السياسية والاقتصادية لا تساعدها الآن على سلوك هذا المسلك ، وستبقى كذلك زمنا غير قصير ...
ولقد طالما نافست أمريكا انجلترا حول بترول الشرق الأوسط ، وقد شهدت الفترة بين الحربين كثيرا من مظاهر هذه المنافسة ، حتى استطاعت أمريكا ومن ورائها الدولار أن تزحف بنفوذها خلال الحرب العالمية الثانية إلى حقول الشرق الأوسط ؛ فحصلت في سنة ١٩٤٢ على ما كان لشركة البترول الإيرانية الانجليزية من نصيب في شركة البترول العراقية ، ومن ثم أصبح لمجموعة " أستاندرد أويل " الأمريكية ٧١.٢٥ % من أسهم شركة بترول العراق ، هذا بالإضافة إلى ٢٥ % من أسهم شركة البصرة للبترول .
وكانت إيران هي البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي عجزت الولايات المتحدة عن أن يكون لها صلة بإنتاج البترول فيه ، ولما فليس بمستغرب لو رحبت أمريكا بالوضع الجديد للبترول الإيراني ؛ فقد زال منافسها الخطير ، وهو انجلترا ، ثم إن إيران قد لا تري مانعا من الاستعانة برأس المال الأمريكي أو بالخبرة الأمريكية في " صناعتها المؤممة " ثم بعد هذا وذاك ستكون سوق البترول الإيراني حرة يستطيع أن يحصل منها من يدفع الثمن الأعلى على كل ما يريد ، ولا تستطيع انجلترا أن تنافس أمريكا في هذا المضمار .
أما الروسيا فقد سرها دون شك أن تشهد احتضار شركة البترول الإنجليزية الإيرانية ، وأن ترى ظل النفوذ البريطاني يتقلص في إيران ، ونستطيع أن نجزم بأن يد روسيا كانت من وراء حركة التاميم ؟ فقد أوضح الرفيق " ساد شيكوف " سفيرها في طهران للجنرال " رازم آراء " عقب تأليف حكومته مباشرة أن روسيا لا تستطيع أن تغمض عينها عن المساعدات التي تقدمها إيران لدعاة الحرب من الإنجليز والأمريكان ما دامت تزود هؤلاء المستعمرين بما يحتاجون إليه من البترول ، وهدد السفير بأن روسيا وإن لم تكن لديها نيات عدائية نحو إيران إلا أنها ستضطر
إذا استمرت إيران على التعاون مع أعداء الاتحاد السوفيتي إلى إعادة النظر في سياسة حسن الجوار بين البلدين واتخاذ ما يلزم للمحافظة على حقوقها .
ولقد كانت الروسيا ترعي دائما إلى إبعاد النفوذ الأجنبي عن إيران حتي يخلو لها الجو ؟ وليس هذا بالاتجاه الحديث في السياسة الروسية ، بل إنه طابع قديم فيها . ويظهر حرصها على هذا الاتجاه في الاتفاق الذي عقدته مع إيران في سنة ١٩٢١ وتنازلت بمقتضاه عن الامتيازات التى كانت لها على عهد القيصرية ، ولكن بشرط أن تتعهد إيران بعدم التنازل عن هذه الامتيازات لأي دولة أجنبية على الإطلاق . وهذا دليل على حرص روسيا على الاحتفاظ بايران الشمالية المتاخمة لها خالية من أى نفوذ أجنبي .
ولقد سعت روسيا في مفاوضاتها مع السيد قوام السلطنة في سنة ١٩٤٦ إلى أن يكون لها امتياز البترول في هذا الجزء . الشمالي من البلاد وأن تؤلف شركة إيرانية سوفيتية لغرض التنقيب عن البترول واستخراجه ، ولكن البرلمان الإيراني لم يوافق على مشروع الاتفاقية التي انتهت إليها المفاوضات ! وهكذا ظلت روسيا محرومة من البترول الإيراني ، رغم أنها أقرب الدول العظمي إلى موارد هذا البترول . ومن ثم فان الوضع الجديد سيتيح للروسيا فرصة الحصول علي حاجاتها من البترول ، على الأقل من السوق الإيراني الذي لن يتحكم فيه إلا قانون العرض والطلب ؛ هذا إذا لم تنتهز فرصة الفراغ الذي ستخلفه تصفية الشركة الانجليزية الإيرانية فتبسط سيطرتها على هذا المورد الحيوي من موارد إيران .
أما انجلترا فقد اغضبتها حركة التأميم أيما إغضاب . وعجيب منها أن تغضب وعلى رأسها حكومة تهدف سياستها إلى تأميم كثير من الموارد في انجلترا ، فقد أممت السكك الحديدية وأممت أهم صناعتين في الجزر البريطانية ، وهما صناعة الفحم وصناعة الحديد ، مع العلم بأن هذه الصناعات جميعا كانت تملكها رءوس أموال وطنية ، على العكس من الحالة في إيران التى كانت تدير صناعتها الأولى رءوس أموال أجنبية دخيلة . وكان أولى بإنجلترا بدلا من أن تغضب اليوم أن تسعى من زمن إلى عقد اتفاقية عادلة تضمن لها موارد البترول ولكن
تصون في الوقت نفسه حقوق إيران ومصالحها .
ويرجع غضب انجلترا إلي أكثر من سبب . . غضبت لأن البترول الإيراني فضلا عن كمياته الهائلة التي تبلغ ٢٤ % من الإنتاج العالمي له أهمية خاصة بالنسبة لكيان الأمبراطورية البريطانية من الناحيتين السياسية والاقتصادية ، إذ عليه تعتمد البحرية البريطانية إلى حد كبير ؛ وهذا هو الذي حدا بالحكومة الإنجليزية من قبل إلى أن يكون لها نصيب كبير في شركة البترول الإنجليزية الإيرانية ، وضياع البترول الإيراني من يدها فيه تهديد مباشر للبحرية التي هي قوام الإمبراطورية كلها .
وغضبت لضياع هبتها ، وخشيت أن يقتدي بإيران غيرها من دول الشرق الأوسط فتؤمم كثيرا من مرافقها ، وفي هذا ضربة قاضية على رءوس الأموال البريطانية ومصالح انجلترا الاقتصادية ؛ ولا نعرف ماذا يكون الموقف أو تشجعت مصر فأممت قناة السويس وتشجع العراق فأمم آبار الزيت ؟! ثم إن انجلترا تخشى أن يؤدي الوضع الجديد إلي إطلاق يد الروسيا في البترول الإيراني ، وموارده لا تقوم بحاجيات الروسيا فحسب ، بل إنها تزيد على حاجتها إذا شنت حربا طويلة الأمد ، ومن ثم فإن في تأميم البترول وزوال النفوذ الإنجليزي من مناطقه خطورة بالغة من النواحي السياسية والحربية والاقتصادية .
وتتمني انجلترا لو أن في استطاعتها أن تبعث بقواتها إلي الأراضى الإيرانية لحماية الشركة التي تساهم فيها حكومتها ، ولكنها لن تستطيع أن تفعل ذلك إلا إذا اشتبكت في حرب مع الروسيا ، إذ أن المعاهدة الإيرانية الروسية المعقودة في سنة ١٩٢١ تقضي بأن تتحرك القوات الروسية إلى داخل إيران إذا ما حاولت دولة ثالثة غزو إيران .
ويري المسئولون في بريطانيا أن اتفاقية امتياز البترول العقودة مع شركة البترول الانجليزية الإيرانية ستظل سارية المفعول حتى ينتهى أجلها في سنة ١٩٩٣ ، وأنه من الناحية القانونية لا يمكن لإيران أن تتخذ قرارا من جانب واحد بإلغاء الامتياز ، وقد أرسلت الحكومة الإنجليزية مذكرة بهذا المعنى ، فلم تثن البرلمان الإيراني عن الموافقة على سياسة
التأميم ، كما لم تهتم إيران بتهديد بريطانيا برفع الأمر إلى محكمة العدل الدولية .
وتري إيران أنها أمة حرة ذات سيادة وأن لها حق التصرف الكامل في حماية مواردها القومية وأن اتفاقية قديمة مجحفة لا يمكن أن تستمر أساسا للعلاقات بين الطرفين ما دامت مناقضة لإرادة الأمة مهدرة لحقوقها . ولعل إيران على حق فما ذهبت إليه إذ كان نفوذ الشركة من القوة بحيث كانت تلعب دورا خطيرا في سياسة البلاد الداخلية وقيام الحكومات وإسقاطها ، الأمر الذي جعل إيران تحيا في السنوات الأخيرة حياة كلها قلق واضطراب .
وهنا نتساءل : هل تستطيع إيران وليس لديها رأس المال ولا تتوفر فيها الخبرة الفنية - هل تستطيع أن تنفذ خطتها بنجاح ؟ الجواب على ذلك : نعم ذلك لأن رأس المال والخبرة يمكن استعارتهما من الخارج ، بل ويمكن أن تستمر الشركة القائمة الآن في إدارة آبار البترول ولكن لحساب الحكومة الإيرانية ، وخير لبريطانيا أن تفعل ذلك حتى لا تترك الباب مفتوحا أمام الروسيا التي صرح سفيرها في حديثه مع " رازم آره " أن بلده تدرك " دقة الأحوال الاقتصادية في إيران كما تقدر أهمية الدور الذي يلعبه البترول في ميزانها الاقتصادي ، فإذا رأت إيران تأميم هذه الصناعة - وهي خطوة ستحقق الكثير من أهدافها السياسية - وفقدت تبعا لذلك ما تلقاه من معونة الخبراء البريطانيين ، فإن الروسيا مستعدة لمدها بالخبراء والعتاد الصناعي اللازم للمضى في إنتاج البترول بعد تأميمه " .
لقد كان من بين الدوافع إلي سياسية التأميم والإسراع في تنفيذها رغبة إيران في إغلاق الباب في وجه أي طلب يتقدم به الاتحاد السوفييتى للحصول على امتيازات التنقيب على البترول في إيران ، فهل تدرك بريطانيا هذا الدافع فتقبل الأمر الواقع ، وتحاول أن تخلق جوا من المودة والتفاهم بينها وبين إيران ، وأن تقوم العلاقات بينهما على أساس من التعاون الصحيح ؟ . . إن في ذلك مصلحة للطرفين ، بل ومصلحة للديموقراطيات جميعا .

