هذا مقال لقارىء من قراء الثقافة ينقد فيه شاعرا من شعرائها ويسرنا أن يلتقى القراء بالكتاب على هذا النحو الجميل الثقافة
مر كليم الله فى الفقر برجل يقذف السماء بالحجارة ويصيح يا ظالم أشبعت الناس وجوعنى وكسوتهم وعريتنى وأغنيتهم وأفقرتنى فناجى ربه يارب هذا عبدك فقال الرب دعه يا موسى فإني عنه راض قال كيف يا ربى فقال حسبه أن عرف أننى الواحد الرازق فجاء إلى ولم يذهب إلى الملك وهذا ما أريده من إيمان عبدى التوراة
أما الإيمان فستراه بعد قليل وأما الشاعر فهو الأستاذ عمر عبد العزيز الأقصرى وقد سبق لى أن تشرفت بالتحدث عنه على صفحات الثقافة الغراه وكان دافعى يومها دهشة المأخوذ بروعة الشئ يبحث وراءه متسائلا من هذا
واليوم أعود إلى التحدث بنفس الدافع خاليا من التساؤل الصريح وإن بقيت علامة الاستفهام عن شخصه متحنية الظهر لم ترفع رأسها بعد لتقول هاهو ذا فشعر شاعرنا هذا لا يمكن أن يمر على الذهن مر الكريم بل مر الموكب الحافل منبها لجميع الحواس لا يترك منها واحدة
وأشهد أننى ما قرأت شعرا لهذا الشاعر إلا وأحست فى نفسى يقظة غريبة وفى قلبى يتفتح لذيذ ورأيتنى أقف عند كل بيت أو شطر من بيت لأهز رأسى ببطء نشوان وانفظ بلسانى كأن الكلمات قطرات شهد تتساقط فى فمى ويستولى على شعور مسيطر مربك بأن هذا الشاعر ذو إيمان مثالى عجيب يجعله يرفع الكلفة بينه وبين ربه فيخاطبه بلهجة الطفل المدلل المحبوب من أمه الواثق من مكانته فى قلبها حينما يراها ولا يعرف غيرها وقد حرمته من شئ يشتهيه فيلذلك كما يلذ لهذه الأم أن تستمع إلى توسلاته بتلك اللهجة الطفلية الثائرة البريئة من التزويق المفتعل فتهتز يهتز منك القلب
والروح والشعور ثم تتطرق اللذة إلى عقلك فلسفة وسمة ملبسة بحلاوة الإيمان التسليمي الجوهر المنطقى الظهرثم تمتزج بك أو تمتزج بها ثم إذا بك بعد قليل لا تسألنى كيف قد صرت هو أى الشاعر الطفل المدلل المحبوب من أمه الواثق من مكانته فى قلبها وقد راح يتوسل إليها بالبكاء تارة وبالاحتجاج أخرى بلهجة حادة تحن ولا تجرح حارة تلذع ولا تخرق لكى تعطيه الشئ الذى حرمته منه دون إخوته فيترثم فكرك وتتفشى أذنك ويرقص فؤادك ويدهش لبك حتى تفرغ أو يسكت الشاعر فتستيقظ لتعود مرغما إلى القراءة عود صاحب الحلم إلى إغماض جفنية ليعود إليه حلمه أو يعود هو إلى حلمه الذى استيقظ منه دون أن يشبع من حلاوته
كل هذه التفاعلات كانت وماتزال تتلبسنى بلا رحمة كلما قرأت شعرا لهذا الشاعر وأقوم بعدها إلى القلم لأكتب عن الشعر وعن الشاعر وأكتب وأكتب ولكن لا أجد حدا أقف عنده ثم أقرأ ما كتبت على كثرته فلا أجدنى قد كتبت شيئا أو بتعبير أدق لا أجدنى قد قلت شيئا مما أريد قوله
وقبل أن ألم أطراف مقال يصلح للنشر تطالعنى الثقافة بقصيدة أخرى فأقراها أقرأها وأنا أعلم أنها تبوظ على ما كتبت فتزدحم لدى الصور وتختلط الظلال ويتداخل بعضها فى بعض وإذا فى أقف بينها مشدوها أحاول أن اقتص منها وأن أتخير ولكن فى هذه الزحمة هيهات
وينال منى الإعياء فأجلس لاهثا وأعتمد خدى على باطن يدى أو ظاهرها مكتفيا بالحملقة البلهاء فى
هذه المعاني الحية وهى تدور وتثتنى حول نافورة بلورية تتفجر بها ألسنة نورانية تتحول إلى عرائس أحلامية ترقص فى رشاقة تدير الرأس وخلفة تميل الجسد هشيما تذروه الرياح
وهكذا لم أف بوعدى لقراء الثقافة الغراء بالعود إلى التحدث عن هذا الشاعر وشعره منذ عام أو يزيد
لقد قرأت شعر الشاعر الأقصرى كله كل ما نشر له تتبعته فى كل مكان وقرأته فما وجدت قصيدة واحدة منه تخلو من يارب بهذا الرسم المقووس متبوعة بهذه العلامات الحمراء التى لا يخلو بيت فى شعره من واحدة أو أكثر منها
وكثيرا ما استوقفت نظرى هذه العلامات فهو يضعها بإسراف لم يسبقه إليه شاعر والحق أن لهذه العلامات كما أراها لفتات ذات معان دقت بحيث لا يكشف عنها غيرها وجلت حتى لا يسعها سواها فهى أشبه بقطرات الدمع تنساب على الحدود فى صمت وأشبه بذبول الوجنة فى إطرافة حزن وهى أشبه بالرنوة الحبرى الولهى فى عين اليتيم وتشبه كل معنى ذق حتى عى اللسان عن إمساكه وجل حتى ضاق اللفظ المركب المقيد بالوضع عن حصره وإبرازه فوسعته هذه العلامات
يارب تنطلق مدوية مجلجلة فيها لهف الاستغاثة وصخب الألم وفيها مسكنة التوسل وإطرافة الخطيئة ثم فيها إلى ذلك كله لهب الإيمان كل الإيمان ربى أياربى إلام يمور عبد يفور بقلبه تثور منذ استقام لسانه ودعاؤه
ربى وانت بما أكن خبير
حاشاى أن ادعو سواك وباطل
رب يشار له سواك وزور
أخطى نعم أخطى وأخطى كيف لا
أخطى وأنت لأجل ذاك غفور
أتردنى من أجل أخطائى مما
ذك إننى فيما ترى ومعذور
وهنا يبرز العقل بمنطقه المحجى الذي يتفائل منذ الأزل بين جنى كل عاقل يحسن التأمل والنظر والموازنة بين الأشياء
ركبت لى عقلا وعقلي مصدر الـ
آثام فى التفكير حين يجور
فأقدر الأشياء مجتهدا ولا
يد لى إذا ما خاننى التقدير
ولكأتى بهذا الشاعر ينتقى ألفاظه عمدا فى دقة متناهية بحيث يعنى اللفظ المعبر كل المعنى المعبر عنه لا يعدوه ولا يقصر دونه ترى ذلك واضحا فى اللفظ نفسه وتراء فى القوسين المحاصر بينهما
ومع ذلك فأنت لا تحس بتلك الوعورة التى تحسها بادية فى الصنعة وأنت تقرأ شعرا فيه أثر منها وإنما تشعر وأنت تقرأ لشاعرنا هذا بحلاوة العبارة تنساب من أذنك إلى قلبك انسياب الماء العذب الفرات فى فم العادى وقت الهاجرة فتطرب وتعجب فى وقت معا وهى ظاهرة يمتاز بها شعراء الفطرة
ويسترسل الشاعر وهو كثير الاسترسال والاسترسال ضرب من البلاغة الفطرية فى تصوير البلبلة الفكرية التى تتخبطه تخبط الشيطان لمن به منه سى أو تخبط العشواء طاح برشدها الديجور ويالله من هذه الصور الفنية تأخذ روعتها بمجامع القلب وتطيح بالرشد وإنها لشتى يعج بها شعر هذا الشاعر عجا
وما أنا ولا أحد بذى قدرة على أن يتناول هذا الشعر ليئم به فى حديث واحد إلا مجزا فى عدة أحاديث
وعلم الله ما أدري أى ناحية منه اليوم أتناول ولكنه خبط كخبط الشاعر نفسه فى تأملاته الكونية
وماذا على لو قلدته فى استطراداته المتتابعة ونقلاته الرشيقة من المنطق المحجى فى أعقابه الشك إلى الإيمان التسليمى المطلق رغم أنف هذا الشك
لكن إيمانى به ذاتك رغم أنـ
ـف الشك لا يرقى إليه فتور
رغم أنف الشك لماذا لم يقل مثلا رغم هذا الشك وكان البيت يظل مستقيما وزنا ومعنى
ولكنها الدقة فى انتقاء الألفاظ لإبراز معنى خاص مقصود فكلمة أنف تحمل معنى التحدى تحدى القلب المؤمن للعقل الشاك
غفرانك اللهم قد أسرفت فى
سؤلى وأنت بما أريد بصير
لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدنا فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسأل عما يفعل تبارك الله هذا قوله يذكره الشاعر حينما رأى نفسه قد أوغل فى منطقة حرام بسؤاله الذى لا يسأل عما يفعل فيحى هامته حتى تلامس الرغام مبالغة فى الانكسار ويتلمس المغفرة هاتفا
غفرانك اللهم ويعترف بذنبه قد أسرفت فى سؤلى
ثم يطغى عليه إيمانه الإغراقى ويتغلب فيه الرجاء على الخوف فيرفع رأسه ويرنو إلى ربه قائلا وأنت بما أريد بصير
تعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور وصدرى ما أخفى غير إيمانى بأن علمك بحالى يغنيك عن سؤالى وتعلم أن كنه سؤالى توسل بحت فى قلب احتجاج برىء لا يكبر على عفوك حينما قلت
وعيدك المسكين يسجد خاشعا
لك فى الثرى ونصيبه التعقير
عم أتحدث أأترك روعة المعانى وألتفت إلى حلاوة التعبير
هذا الأسلوب أشهد إن فيه لحلاوة وإن عليه لطلاوة
ثم المعنى ماذا فيه رائحة انتقاد لنظام الله فى ملكه تفوح وتذكو حتى تطفو فيحسبها الجاهل انتقادا صريحا إن لم أقل كفرا
أما أنا فأرى احتجاج الطفل المدلل المحبوب من أمه المؤمن بها كضمة هو منها وقد حرمته الشئ ناله إخوته فهو يبكى ويحتج ويصرخ ويثور ويدق الأرض بقدميه الصغيرتين فيثير الغبار ليقينه أن أمه لن تغضب
عليه فتلمنه بل سترق له وتحنو وتتمنى له لو قوى على تحمل الحرمان من شئ ضار أو لو عرف أنه ضار فلا تذهب نفسه عليه حسرات
فنهاره عرق يسيل وليسله
أرق وويل دائم وثبور
يغدو ليخدم ربه من ربه
هو ذلك المتسأله المغرور
مترجلا يسعى إليه وبطنه خاوا و كرش وليه مخمور أترى جيدا إلى تلك الأقواس وما حشر بينهما قف قليلا عند كرش وليه وتأمله وهو يعلو ويهبط ولا يجدفيه النفس طريقا يتردد فيه من فرط التخمة فهو يكاد ينفجر
ثم لا تنسى أنه مخمور يا الله ألا يكفى كرش التمنى ا كتظاظه بالأطايب واللذات حتى يسد الشاعر مسلمه بالخمر
إن التعبير عن الحواء ب البطن وعن التخمة ب الكرش لإعجاز يحصل المفارقة بين الغنى والفقير تبلغ الثروة والأوج
ويقلل يعصر ذهنه رباه كم
قد شيد من عرق الفقير قصور
الذهن والعصر والتشييد ثم رباه قائمة فى الوسط قلعة حصينة يعتصم بها وقد أطبقت الأعاصير صورة فنية رائعة للمعركة الخالدة بين الفقير والغنى بين الخادم والمخدوم بين الرئيس والمرءوس بين الحاكم والمحكوم لا عاصم من وبالها غير رباه
أمسى وأصبح ثم أصبح فى الذي
أمسيت فيه كأننى طنبور
هذا يدار فيستفاد بمائة
وأنا حياتى كلها تسخير
لو خطر لك أن تثر هذا الشعر لتلخص حياة الموظف الصغير فهل تقدر على أن تأتى بتعبير أرق أو أساسى أو أخصر لفظا منه حاول وإن لم تقدر فاهتف مع الشاعر
شيئا من الإنصاف أو شيئا من الـ
تجديد يا ربى وأنت قدير
لا أبتغى ملكا ولا أرجو عنى
حسبى القليل وما لديك كثير
أبغى الحياة كريمة وسطا فلا
أنا قاهر فيها ولا مقهور
أحيا كإنسان يعيش بفكره
حرا وجوهر عرضه موقور
أأكون ذا طمع وهذا مطلبى
متواضع سهل عليك يسير
أم قد قضيت بأن اعيش مشردا
حتى أموت وخاطرى مكسور
أموت وخاطرى مكسور هيه أين قلبك الآن وما حاله ألا يزال بين جنبيك بضعة متماسكة لم يذب عطفا على هذا الطفل البائس المحروم من كعكة العيد يستجديها أمه وقد حرمته منها خوفا على صحته
ثم وفي النهاية النهاية التى ترغمنى على افتعالها الصفحات الضيقة الضيقة رغم أنفها هى أيضا فأقفز بك إلى هذه النهاية نهاية القصيدة لأبرز لك ذلك الإيمان الإغراقى إيمان الشاعر الذى حدثتك عنه والذى لم أتحدث إليك عن شئ سواء فى هذه العجالة يتجلى فى أبهاء روعته وأوج ذروته ويرغمك على أن تهتف من أعماقك فى صدق مكين قائلا للشاعر
حاش لربك أن يتركك
حينما تستمع إليه فى هذا البيت الأخير يهتف
ربى إلهى ما أظنك تاركى
فردا ومالى فى الحياة نصير
وبعد فهل ترانى قلت شيئا مما أريد قوله أما أنا فأشهد أن لا فإلى اللقاء

