الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 654الرجوع إلى "الثقافة"

إيمان شاعر

Share

هذا مقال لقارىء من قراء الثقافة ينقد فيه شاعرا من شعرائها ويسرنا أن يلتقى القراء بالكتاب على هذا النحو الجميل الثقافة

مر كليم الله فى الفقر برجل يقذف السماء بالحجارة ويصيح يا ظالم أشبعت الناس وجوعنى وكسوتهم وعريتنى وأغنيتهم وأفقرتنى فناجى ربه يارب هذا عبدك فقال الرب دعه يا موسى فإني عنه راض قال كيف يا ربى فقال حسبه أن عرف أننى الواحد الرازق فجاء إلى ولم يذهب إلى الملك وهذا ما أريده من إيمان عبدى       التوراة

أما الإيمان فستراه بعد قليل  وأما الشاعر فهو الأستاذ عمر عبد العزيز الأقصرى وقد سبق لى أن تشرفت بالتحدث عنه على صفحات الثقافة الغراه وكان دافعى يومها دهشة المأخوذ بروعة الشئ يبحث وراءه متسائلا من هذا

واليوم أعود إلى التحدث بنفس الدافع خاليا من التساؤل الصريح وإن بقيت علامة الاستفهام عن شخصه متحنية الظهر لم ترفع رأسها بعد لتقول هاهو ذا فشعر شاعرنا هذا لا يمكن أن يمر على الذهن مر الكريم بل مر الموكب الحافل منبها لجميع الحواس لا يترك منها واحدة

وأشهد أننى ما قرأت شعرا لهذا الشاعر إلا وأحست فى نفسى يقظة غريبة وفى قلبى يتفتح لذيذ ورأيتنى أقف عند كل بيت أو شطر من بيت لأهز رأسى ببطء نشوان وانفظ بلسانى كأن الكلمات قطرات شهد تتساقط فى فمى ويستولى على شعور مسيطر مربك بأن هذا الشاعر ذو إيمان مثالى عجيب يجعله يرفع الكلفة بينه وبين ربه فيخاطبه بلهجة الطفل المدلل المحبوب من أمه الواثق من مكانته فى قلبها حينما يراها ولا يعرف غيرها وقد حرمته من شئ يشتهيه فيلذلك كما يلذ لهذه الأم أن تستمع إلى توسلاته بتلك اللهجة الطفلية الثائرة البريئة من التزويق المفتعل فتهتز يهتز منك القلب

والروح والشعور ثم تتطرق اللذة إلى عقلك فلسفة وسمة ملبسة بحلاوة الإيمان التسليمي الجوهر المنطقى الظهرثم تمتزج بك أو تمتزج بها ثم إذا بك بعد قليل لا تسألنى كيف قد صرت هو أى الشاعر الطفل المدلل المحبوب من أمه الواثق من مكانته فى قلبها وقد راح يتوسل إليها بالبكاء تارة وبالاحتجاج أخرى بلهجة حادة تحن ولا تجرح حارة تلذع ولا تخرق لكى تعطيه الشئ الذى حرمته منه دون إخوته فيترثم فكرك وتتفشى أذنك ويرقص فؤادك ويدهش لبك حتى تفرغ أو يسكت الشاعر فتستيقظ لتعود مرغما إلى القراءة عود صاحب الحلم إلى إغماض جفنية ليعود إليه حلمه أو يعود هو إلى حلمه الذى استيقظ منه دون أن يشبع من حلاوته

كل هذه التفاعلات كانت وماتزال تتلبسنى بلا رحمة كلما قرأت شعرا لهذا الشاعر وأقوم بعدها إلى القلم  لأكتب عن الشعر وعن الشاعر وأكتب وأكتب ولكن لا أجد حدا أقف عنده ثم أقرأ ما كتبت على كثرته فلا أجدنى قد كتبت شيئا أو بتعبير أدق لا أجدنى قد قلت شيئا مما أريد قوله

وقبل أن ألم أطراف مقال يصلح للنشر تطالعنى  الثقافة بقصيدة أخرى فأقراها أقرأها وأنا أعلم أنها تبوظ على ما كتبت فتزدحم لدى الصور وتختلط الظلال ويتداخل بعضها فى بعض وإذا فى أقف بينها مشدوها أحاول أن اقتص منها وأن أتخير ولكن فى هذه الزحمة هيهات

وينال منى الإعياء فأجلس لاهثا وأعتمد خدى على باطن يدى أو ظاهرها مكتفيا بالحملقة البلهاء فى

هذه المعاني الحية وهى تدور وتثتنى حول نافورة بلورية تتفجر بها ألسنة نورانية تتحول إلى عرائس أحلامية ترقص فى رشاقة تدير الرأس وخلفة تميل الجسد هشيما تذروه الرياح

وهكذا لم أف بوعدى لقراء الثقافة الغراء بالعود إلى التحدث عن هذا الشاعر وشعره منذ عام أو يزيد

لقد قرأت شعر الشاعر الأقصرى كله كل ما نشر له تتبعته فى كل مكان وقرأته فما وجدت قصيدة واحدة منه تخلو من يارب بهذا الرسم المقووس متبوعة بهذه العلامات الحمراء التى لا يخلو بيت فى شعره من واحدة أو أكثر منها

وكثيرا ما استوقفت نظرى هذه العلامات فهو يضعها بإسراف لم يسبقه إليه شاعر والحق أن لهذه العلامات كما أراها لفتات ذات معان دقت بحيث لا يكشف عنها غيرها وجلت حتى لا يسعها سواها فهى أشبه بقطرات الدمع تنساب على الحدود فى صمت وأشبه بذبول الوجنة فى إطرافة حزن وهى أشبه بالرنوة الحبرى الولهى فى عين اليتيم وتشبه كل معنى ذق حتى عى اللسان عن إمساكه وجل حتى ضاق اللفظ المركب المقيد بالوضع عن حصره وإبرازه فوسعته هذه العلامات

يارب تنطلق مدوية مجلجلة فيها لهف الاستغاثة وصخب الألم وفيها مسكنة التوسل وإطرافة الخطيئة  ثم فيها إلى ذلك كله لهب الإيمان كل الإيمان ربى أياربى إلام يمور عبد يفور بقلبه تثور منذ استقام لسانه ودعاؤه

                   ربى وانت بما أكن خبير

حاشاى أن ادعو سواك وباطل

                  رب يشار له سواك وزور

أخطى نعم أخطى وأخطى كيف لا

              أخطى وأنت لأجل ذاك غفور

أتردنى من أجل أخطائى مما

                 ذك إننى فيما ترى ومعذور

وهنا يبرز العقل بمنطقه المحجى الذي يتفائل منذ الأزل بين جنى كل عاقل يحسن التأمل والنظر والموازنة بين الأشياء

ركبت لى عقلا وعقلي مصدر الـ

             آثام فى التفكير حين يجور

فأقدر الأشياء مجتهدا ولا

                يد لى إذا ما خاننى التقدير

ولكأتى بهذا الشاعر ينتقى ألفاظه عمدا فى دقة متناهية بحيث يعنى اللفظ المعبر كل المعنى المعبر عنه لا يعدوه ولا يقصر دونه ترى ذلك واضحا فى اللفظ نفسه وتراء فى القوسين المحاصر بينهما

ومع ذلك فأنت لا تحس بتلك الوعورة التى تحسها بادية فى الصنعة وأنت تقرأ شعرا فيه أثر منها وإنما تشعر وأنت تقرأ لشاعرنا هذا بحلاوة العبارة تنساب من أذنك إلى قلبك انسياب الماء العذب الفرات فى فم العادى وقت الهاجرة فتطرب وتعجب فى وقت معا وهى ظاهرة يمتاز بها شعراء الفطرة

ويسترسل الشاعر وهو كثير الاسترسال والاسترسال ضرب من البلاغة الفطرية فى تصوير البلبلة الفكرية التى تتخبطه تخبط الشيطان لمن به منه سى أو تخبط العشواء طاح برشدها الديجور  ويالله من هذه الصور الفنية تأخذ روعتها بمجامع القلب وتطيح بالرشد  وإنها لشتى يعج بها شعر هذا الشاعر عجا

وما أنا ولا أحد بذى قدرة على أن يتناول هذا الشعر ليئم به فى حديث واحد إلا مجزا فى عدة أحاديث

وعلم الله ما أدري أى ناحية منه اليوم أتناول ولكنه خبط كخبط الشاعر نفسه فى تأملاته الكونية

وماذا على لو قلدته فى استطراداته المتتابعة ونقلاته الرشيقة من المنطق المحجى فى أعقابه الشك إلى الإيمان التسليمى المطلق رغم أنف هذا الشك

لكن إيمانى به ذاتك رغم أنـ

           ـف الشك لا يرقى إليه فتور

رغم أنف الشك  لماذا لم يقل مثلا رغم هذا الشك  وكان البيت يظل مستقيما وزنا ومعنى

ولكنها الدقة فى انتقاء الألفاظ لإبراز معنى خاص مقصود فكلمة أنف تحمل معنى التحدى تحدى القلب المؤمن للعقل الشاك

غفرانك اللهم قد أسرفت فى

               سؤلى وأنت بما أريد بصير

لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدنا فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسأل عما يفعل تبارك الله هذا قوله يذكره الشاعر حينما رأى نفسه قد أوغل فى منطقة حرام بسؤاله الذى لا يسأل عما يفعل فيحى هامته حتى تلامس الرغام مبالغة فى الانكسار ويتلمس المغفرة هاتفا

غفرانك اللهم ويعترف بذنبه    قد أسرفت فى سؤلى

ثم يطغى عليه إيمانه الإغراقى ويتغلب فيه الرجاء على الخوف فيرفع رأسه ويرنو إلى ربه قائلا  وأنت بما أريد بصير

تعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور وصدرى ما أخفى غير إيمانى بأن علمك بحالى يغنيك عن سؤالى وتعلم أن كنه سؤالى توسل بحت فى قلب احتجاج برىء لا يكبر على عفوك حينما قلت

وعيدك المسكين يسجد خاشعا

                  لك فى الثرى ونصيبه التعقير

عم أتحدث أأترك روعة المعانى وألتفت إلى حلاوة التعبير

هذا الأسلوب أشهد إن فيه لحلاوة وإن عليه لطلاوة

ثم المعنى ماذا فيه رائحة انتقاد لنظام الله فى ملكه تفوح وتذكو حتى تطفو فيحسبها الجاهل انتقادا صريحا إن لم أقل كفرا

أما أنا فأرى احتجاج الطفل المدلل المحبوب من أمه المؤمن بها كضمة هو منها وقد حرمته الشئ ناله إخوته فهو يبكى ويحتج ويصرخ ويثور ويدق الأرض بقدميه الصغيرتين فيثير الغبار ليقينه أن أمه لن تغضب

عليه فتلمنه بل سترق له وتحنو وتتمنى له لو قوى على تحمل الحرمان من شئ ضار  أو لو عرف أنه ضار فلا تذهب نفسه عليه حسرات

فنهاره عرق يسيل وليسله

                أرق وويل دائم وثبور

يغدو ليخدم ربه من ربه

             هو ذلك المتسأله المغرور

مترجلا يسعى إليه وبطنه خاوا و كرش وليه مخمور أترى جيدا إلى تلك الأقواس وما حشر بينهما قف قليلا عند كرش وليه وتأمله وهو يعلو ويهبط ولا يجدفيه النفس طريقا يتردد فيه من فرط التخمة فهو يكاد ينفجر

ثم لا تنسى أنه مخمور يا الله ألا يكفى كرش التمنى ا كتظاظه بالأطايب واللذات حتى يسد الشاعر مسلمه بالخمر

إن التعبير عن الحواء ب البطن وعن التخمة ب الكرش لإعجاز يحصل المفارقة بين الغنى والفقير تبلغ الثروة والأوج

ويقلل يعصر ذهنه رباه كم

                 قد شيد من عرق الفقير قصور

الذهن والعصر والتشييد ثم رباه قائمة فى الوسط قلعة حصينة يعتصم بها وقد أطبقت الأعاصير صورة فنية رائعة للمعركة الخالدة بين الفقير والغنى بين الخادم والمخدوم بين الرئيس والمرءوس بين الحاكم والمحكوم لا عاصم من وبالها غير     رباه

أمسى وأصبح ثم أصبح فى الذي

                أمسيت فيه كأننى طنبور

هذا يدار فيستفاد بمائة

                وأنا حياتى كلها تسخير

لو خطر لك أن تثر هذا الشعر لتلخص حياة الموظف الصغير فهل تقدر على أن تأتى بتعبير أرق أو أساسى أو أخصر لفظا منه حاول وإن لم تقدر فاهتف مع الشاعر

شيئا من الإنصاف أو شيئا من الـ

                    تجديد يا ربى وأنت قدير

لا أبتغى ملكا ولا أرجو عنى

               حسبى القليل وما لديك كثير

أبغى الحياة كريمة وسطا فلا

                 أنا قاهر فيها ولا مقهور

أحيا كإنسان يعيش بفكره

             حرا وجوهر عرضه موقور

أأكون ذا طمع وهذا مطلبى

               متواضع سهل عليك يسير

أم قد قضيت بأن اعيش مشردا

                    حتى أموت وخاطرى مكسور

أموت وخاطرى مكسور هيه أين قلبك الآن وما حاله ألا يزال بين جنبيك بضعة متماسكة لم يذب عطفا على هذا الطفل البائس المحروم من كعكة العيد يستجديها أمه وقد حرمته منها خوفا على صحته

ثم وفي النهاية النهاية التى ترغمنى على افتعالها الصفحات الضيقة الضيقة رغم أنفها هى أيضا فأقفز بك إلى هذه النهاية نهاية القصيدة لأبرز لك ذلك الإيمان الإغراقى إيمان الشاعر الذى حدثتك عنه والذى لم أتحدث إليك عن شئ سواء فى هذه العجالة يتجلى فى أبهاء روعته وأوج ذروته ويرغمك على أن تهتف من أعماقك فى صدق مكين قائلا للشاعر

حاش لربك أن يتركك

حينما تستمع إليه فى هذا البيت الأخير يهتف

ربى إلهى ما أظنك تاركى

         فردا ومالى فى الحياة نصير

وبعد فهل ترانى قلت شيئا مما أريد قوله أما أنا فأشهد أن لا فإلى اللقاء

اشترك في نشرتنا البريدية