الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 203الرجوع إلى "الثقافة"

اأسكندر الأسكندرية، الألعاب الأولمبية، في عكاظ الإغريقية

Share

في عام ١٨٩٤ ، نادى البارون بيبر دي كوبرتين Pierre de Coubertin - وهو رجل فرنسي ، بإحياء الألعاب الأولمبية ، وفي سبيل هذا النداء أرسل منشورات إلى كل هيئة ذات بال تشرف على الألعاب البدنية في الأمم ذوات الخطر . وقال فيما قاله : " وقبل كل شئ علينا أن نحتفظ في هذه الألعاب بصفات النبل والفتوة التي ميزتها فيما مضى ، حتى نظل نلعب دورا في تربية الشعوب اليوم كذلك الدور الكبير الذي لعبته بنجاح رائع في ذلك العصر الإغريق القديم .

وكان أول اجتماع بعثت فيه هذه الألعاب في عاصمة اليونان - أثينا . وكان هذا بعد الدعوة بسنتين اثنين اي عام ١٨٩٦ . وكانت الألعاب تعقد في العهد الإغريقي كل اربع سنوات ، فهكذا فعلوا عند إحيائها ؟ فكان انعقادها الثاني عام ١٩٠٠ ، وكان في باريس . وكان اجتماعها الثالث عام ١٩٠٤ ، في مدينة سانت لويس بالولايات المتحدة . وقد عانت تلك الاجتماعات الثلاثة الأولى نقصا في التجهيز أو سوءا في التنظيم أوقلة في تمثيل الأمم . حتى إذا جاء عام ١٩٠٤ انعقدت هذه الألعاب في لندن ، فكان لها فيها أول نجاح لفت الأمم إليها . وفي عام ١٩١٢ انعقدت الألعاب في استكهلم عاصمة السويد ، ثم جاءت الحرب العالمية الماضية فقطعتها ثم جاءت السلم من بعد ذلك . فكانت الدول في تخاذل ما مع بعد الحرب وخوره . ثم أعيدت في عام ١٩٢٤ . ثم قطعتها الخصومات والحرب الحاضرة

وليس من غرضنا التعريف بالألعاب الحاضرة ، فليس من حي لم يسمع بها ، وليس من حي لم يقرأ في الصحف وصفها - حي النفس لا حي الجسم - وليس من مصري ذي ثقافة يجهل أن مصر مثلت فيها . ولكن غرضنا الحاضر هو التعريف بها في عهد الإغريق - هو التعريف بذلك الأصل القديم الذي يستعيد الحاضر صوره .

وقد قلنا إن دعوة البارون الفرنسي لأوربا لإحياء هذه الألعاب كانت عام ١٨٩٤ . وهذه الألعاب ألقاها في الإغريق امبراطور الرومان النصراني ثيودسيوس الاكبر Theodosius- عام ٣٩٤ بعد الميلاد وكانت بلاد الإغريق عند ذاك ولاية رومانية ، فدعوة البارون جاءت بعد ألف ونصف ألف من السنين من ذكرى هذا الإلغاء وجاءت لا شك في هذا التاريخ تعمدا .

فلنرجع بأنفسنا القهقري تلك الخمسة عشر قرنا لنرى هذه الألعاب عند الإغريق ، ما كان شأنها ، وما كان خطرها ؟ ولكن هذه الألعاب دامت في انتظام غير مقطوع عندهم اثني عشر قرنا ، بل وراء ذلك قرونا فلنرجع بأنفسنا كل هذه القرون لنتعلم أن الإنسان اليوم في حداثته الحدثى لا يزال يستوحى ذاك القديم الأقدم فيما يتصل بحسه وروحه . وذلك الالعاب كانت في ظاهرها أسس بالجسم . وكانت في باطنها أمس بالروح . ولم تكن عندهم لهوا ولعبا ، فقد كان رباطها بالدين وثيقا . وكانت على قدمها ، من التمام بحيث لم يجد الأحدثون جديدا ذا خطر يضيفونه إلى ذاك القديم يسدون به ، ثغرة أو يستكملون به نقصا

لقد كان الأغريق في البعيد الأبعد من التاريخ ، في تلك الحقب التي تغوص بقدمها اليمنى في مجهوله ، وبقدمها اليسرى في معلومه ، كانوا يجتمعون كما يجتمع الأقوام لقضاء حاجة الإنسان الاجتماعي في مفرحة أو محزنة أو مسلاة فكانوا يجتمعون فيتبارون في الشعر ، ويتبارون في الغناء .

وكانت تلك العصور عصور حرب دائمة ، فكان مما يتبارون فيه مظاهر الفتوة من الإنسان . واشتق الخيال الإغريقي من تلك المظاهر تلك الرياضات البدنية من سباق الراجل ، وسباق الراكب ، ومصارعة وملاكمة ، إلى أكثر تلك المباريات التي تألفها اليوم وتألفها كل دولة مدنية من دول العصر الحاضر . ومن غريب أمرهم انهم كانوا يقيمون العاب الفتوة هذه عند احتفالهم بموتاهم من ذوي الخطر ومن الملوك أو هم كانوا يكرسونها لإله من آلهتهم ، أو بطل من أبطالهم ، والبطولة عندهم خطوة يخطوها الخاطي من الناس نحو القدسية والخلود . ومن هذا تدرك معنى الجد في هذه الأ لعاب وجمعوا بين تلك المباراة في الفتوة ، وتلك التي كانوا يعقدونها للشعر والغناء ، قأم الأغريق تلك المجامع من كل صوب . وبلغت أربعة من تلك المجامع مرتبة الشيوع الكامل ، فصارت أهلية تقصدها الشعوب الإغريقية في البلد الأم وفي المستعمرات وبرزت منها وبزتها جميعا تلك الألعاب التي انعقدت مجامعها في بلدة أولمبيا في الجانب المغربي من شبه الجزيرة الإغريقية ، في جنوب برزخ كورنته ، غير بعيد من اسبرطة عاصمة الدوربين

وكانت حروب الدوربيين في نزوحهم إلى الجنوب قد قلبت نظم الحياة ، وأشاعت في الناس القلق ، وجعلت العيش صراعا دائما ، والأمن حلما قديما ، وقطعت تلك الحروب العاب أولمبيا زمانا طويلا . ثم كان في هذا الاختلاط أن تولي أمير عرش إبليس ، اسمه إبفيتوس . Iphitus ولم يكن رجلا ذا حرب ، وكان جناحا للسلم . فلما رأى من حال قومه وغير قومه ما رأي ، من صراع غير نافع ، إلا أن يكون الهلاك نفعا ، خطر له أن يتعرف مشيئة الآلهة في ذلك . فجمع قومه الإبليين وأفضى لهم برغيبة نفسه ، فأجمع أمرهم على إيفاد وفد من كبرائهم إلى معبد أبولو ، بمدينة دلفي ، قدس الإغريق أجمعين ، وإلى مكهنة هذا المعبد يلقون بهذا السؤال ، إن غضب الآلهة قد حل بالشعوب الإغريقية حتى أوشكت الحرب أن تفنيها ، فهل من سبيل إلى استرضاء الآلهة ؟ وخرج الوفد في احتفال ضخم حتي يعلم به الإغريق قاصيهم ودانيهم . فجاء الجواب عن لسان الرب ، وهو لسان الكهنة كما قدمنا ، هكذا : " بأن الألعاب الأولمبية كانت لتمجيد الأله الأكبر زيوس وقد وفقتم أيها الإغريق تلك المحافل القدسية فحل بكم غضب الله ، فهي لا بد أن نعود ليرضى . فإن هي عادت ، صارت الحرب أثناءها حراما علي كل دولة ومدينة تشترك فيها " . وذاع جواب الرب في الإغريق وشاع ، ولبى هذا الدعاء أمير إيليس أول من لبى ، وأمر بالهدنة أن تكون في قومه فكانت . ولكن الدول والمدائن الإغريقية الأخرى سادها أن يكون لإيليس هذه الزعامة ، ولم يقووا على عصيان صوت الله ، فلم يكن لهم من سبيل إلا أن يتشككوا فيه فاعتزموا أن يبعثوا وفدا إلى المكهنة من عندهم يستنطق الرب من جديد . وكان الكهان قوما ذوي حكمة وذوي صلابة . فجاء لسان الرب يؤكد مافات فيقول  على الشعوب الإغريقية ان تأتمر في هذا بأمر الإيليسين ،

ونستهدي بهديهم ، في استرجاع ماضى عاداتهم وشريعة أسلافهم ،

بهذا تدرع أمير إيليس في استعادة تلك الألعاب . فقضى بأن يقام للإله الأكبر حفل كبير في معبده من أولمبيا مرة كل أربع سنوات . وأن يؤذن لكل الإغريق بالشركة فيه ، وبأن تذبح فيه الذبائح ، وتقرب القرابين . وأن تلعب الالعاب في تمجيد الرب ، وبما أن الحرب تمنع الإغريق أفرادا أو شعوبا من حضور هذا الحشد الإلهي ، إذا وجبت الحرب أن تكون حراما في كل أرض إغريقية ، زمانا من قبل انعقاده ، وزمانا من بعده ، فمن استباح حرمة تلك الأيام فعليه لعنة الله الأكبر زيوس ، صاحب الحشد

وحامية . وقضى أمير إيليس ،إنفاذا لمشيئة الرب ، أن يكون قومه الإيليسين قواما على تلك القرابين والألعاب ، وأن يكونوا قساوسة المعبد ما طال الزمان . وقد حفظ الإغريق لهم تلك المكانة قرونا . وقضي أمير إيليس . انفاذا لمشيئة الرب أيضا ، أن تكون إيليس نفسها حرما لا يباح فيه قتال ، فإن غزاها غاز ، صار على الإغريق فرضا أن يغزوا غازيها ، وقد احترم الإغريق هذا الحرم أيضا ، فلم يقم في إيليس للدفاع عنها قلاع . ويظهر أن هذه الألعاب ، الألعاب الأولبية ، استكملت شأنها عام ٧٧٦ قبل الميلاد ، ففيه ، هذا العام ، وكان أول سجل لكل من أحرز سبقا فيها . ورجل اليوم يقرأ

تلك السجلات فيعجب لكل هذه الدقة وهذه العناية . واخذ الإغريق من هذا العام تاريخا ، يؤرخون به على الأخص آدابهم . وأسموا فترة الأربع السنوات " بالأولمبياد )  Olmpiadفقالوا الأولمبياد الأول والعاشر والتثوي ، إلى نحو التسعيني بعد الثلاثمائة وطاولت هذه الألعاب الزمن أكثر مما طاوله استقلال الإغريق ، فعاشت من بعد ضياعه في أحضان الرومان أكثر من خمسة قرون من الزمان

وهكذا ارتفعت تلك القرية الصغيرة ، قرية أولمبيا ، إلى أن صارت مجتمع الدول الإغريقية ، وبهجتهم ، كل أربعة أعوام فكان فيها تعبدهم ، وكانت فيها ألعابهم ، وأنشدت فيها أشعارهم ، وتغني مغنوهم ، ورقص رقاصهم ، وتحاور وتشاور ساستهم ، وعقد الصفقات تجارهم ، وكل هذا في شهر حرام لا يستبيح حرمانه إلا الجاحدون . ولم يكن للاغريق عاصمة تجمعهم . لكثرة عواصمهم بكثرة دولهم ، ولم تكن تزيد كثيرا عن مدائن ، فاتخذوا من أولمبيا لهم عاصمة دينية اجتماعية أدبية لما عزتهم العاصمة السياسية (لها بقية)

اشترك في نشرتنا البريدية