يا شباب الوادى ! خذوا معانى العظمة في تنها الأعلى من سيرة هذا العصامى العظيم - ۲۸ -
وكان على الرئيس ورجال حكومته بعد قرار التحرير أن يبذلوا غاية جهدهم ليضعوا حداً لتلك الحرب ، فان انتصار أهل الجنوب معناه القضاء على كل شيء، فيه تصبح الحرية مجرد أمنية
وتصير الوحدة ضرباً من الوهم .. ولقد انقضت تلك السنة الثانية للحرب والجنوبيون أرجح كفة ، ففيها أرغم ما كليلان كما رأينا على التراجع وكان من وتشمند عاصمة الجنوب على بضعة أميال ، وفيها حلت الهزيمة بالقائد بوب وهو يدافع عن طريق العاصمة الشمالية ، وكذلك انتصر الجنوبيون فى الميادين الغربية ؛ ولقد كان مرد تلك الانتصارات إلى كفاية توادهم وحسن نظام جنودهم
وفى نهاية تلك السنة حل محل ماكليلان في قيادة الجيش المرابط على نهر بوتوماك ، فى طريق العاصمة ، قائد آخر هو بیرنشيد ؛ ولقد برهن هذا القائد الجديد على كفايته في بعض الأعمال الحربية من قبل ، ولذلك اتجهت الأنظار إليه في مركزه الجديد ، وراح أهل الشمال يعلقون الأمال على تغيير القيادة ، أن كان قد ألقى في روعهم أن ما حل بهم من الهزائم فيا سلف انما رحم الى تدير ما كيلان
ولكن في الجيش عدد كبير من الجند قد آلمهم أن يغارقهم فائده أو أن يحال بينهم وبينه على هذا النحو ، لذلك لم يحسنوا لقاء القائد الجديد أو لم يشعروا تحت رايته بما كانوا يشعرون تحت راية ما كليلان من حماسة وزحف القائد الجدي مل رأس جيش ليحتل فردريك سبرج
على الضفة الأخرى للنهر ، حيث كان يرابط لي قائد الجنوبين العظيم؛ ووقف القائد الشمالي تجاه خصمه يفصل بينهما نهر بوتوماك، وقف ينتظر أن توافيه هناك تلك المعار المتنقلة التي لا بد له منها ليسير النهر ولكن المعابر وصلته متأخرة فاستطاع خصمه القوى أن يحصن المرتفعات حول المكان ، فلما أخذ يعبر النهر هو وجنوده انصبت عليهم النيران الحامية من كل صوب ، ونظر القائد فاذا كثير من جنده حوله صرعى لا يقل قتلاهم عن الجرحى، فكان لا بد أن يتراجع وكانت هزيمة جديدة تضاف إلى سلسلة الهزائم في ذلك العام المشئوم ..
وحمل الجرحى إلى وشنجطون فضاقت بهم المستشفيات حتى لقد حول عدد كبير من الكنائس وغيرها من الأبنية إلى أمكنة للجرحى ، وطافت النذر بالمدينة ، وانعقدت في جوها سحب الغم مركومة سوداء ، وأخذت الناس غاشية من الحزن ورجفة من الدهر زاغت لهما الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ...
وأخذت الأنظار تتجه إلى البيت الأبيض وليس فيها من معاني الأمل بقدر ما فيها من معانى اللوم والفيظ ، وكأنما كانت ترف من حوله أرواح القتلى فتليسه كآبة وتشيع فيه ما يكرب النفوس ويؤلم الصدور
وأخذ يظهر في العاصمة حزب جديد ترى أغراضه إلى وضع حد لهذه الحرب بأية وسيلة ، وألقى الرئيس نفسه بين تيارين ، فهنا من ينادون بوضع حد لتلك المحنة ، وهنا من يطلبون إعادة ما كليلان إلى القيادة والسير في الحرب ولكن في سرعة وحمية وإقدام ، وغير هؤلاء وهؤلاء قوم يطالبون بتغيير القواد والبحث عن وسائل جديدة تكفل النجاح ، وقوم آخرون خيل إليهم أن الفرصة قد سنحت لهم لاعلان رأيهم في مسألة تحرير السيد وكان رأيهم ألا يمس ذلك النظام بما يغير من أصوله ...
وترامى إلى الناس فضلا من مزعجات الحرب وشائعاتها أن المجلس التشريعي منقسم بعضه على بعض ، وأن مجلس الوزراء نفسه قد شاع الخلاف بين أعضائه ، ورأى الناس مما يشاع ويذاع أنهم على حافة الكارثة . ولكن السينديانة ثابتة على الرغم العاصفة لا تنال الريح العاتية شيئامن ثبوت أصلها وسموك فرعها . أولم يك فى الغابة منبتها
وكان فيها غذاؤها وريها ؟ ... أجل ، إن رجلا واحدا هو الذى بقى أمام هذه الشدة رابط الجأش صارم العزم قوى الايمان، وذلك هو الرجل الذى ألقت عليه الأقدار عبء قومه دون غيره من الرجال فكانت كأنما اختارته عن بيئة مما تبيت وتدبر !
وقف ابراهام عزيزا لا يهان، صلبا لا يلين ، بصيرا لا يترك حلمه ، أميناً لا يخون العهد الذي قطعه على نفسه ، مؤمنا لن يقعد حتى يتم رسالته أو يموت ... وكان موقف الرئيس هذا هو كل ما بقى للقضية من عناصر القوة ... ولكن أية قوة العمرى هى أعظم وأبقى من تلك القوة ؟ ألا إن الظروف التي بالغت في قسوتها على الاتحاد وأنصاره قد عوضتهم من جهة أخرى خبر الموض بأن جعلت على رأسهم ذلك الرجل العظيم ..
وليت شعرى ماذا كان عسيا أن يحدث من أول الأمر لو لم يكن على رأس البلاد هذا الذي درج من بين أدغالها ؟ بل ماذا كان عسيا أن يحدث فى هذه الآونة الدقيقة التي لم يكن للبلاد فيها من عاصم إلا الصبر كأعظم ما يكون الصبر ؟ وأى صبر هو أشد وأبلغ من صبر ذلك الطود الراسخ الأشم ؟
وكان من قواد الحرب ومئذ قائد يدعى هوكر وهو في المرتبة الثانية من بعد بيرنسيد ، راح في ذلك الوقت يذيع في الجند أن البلاد أشد ما تكون حاجة إلى ديكتاتور يقضى على المنازعات وبرغم الأحزاب أن تحبس مذرها وتدفن خلافها ، وأن الجيش لن يقوده إلى النصر إلا مثل ذلك الرجل الذي يقبض بيد قوية على أزمة الأمور في الدولة وفي الميادين جميعاً ! ... ولقد ذاعت أفكار هوكر حتى لقد اجتراً ضابط كبير أن يعلن « أن الجيش وعلى رأسه ماك الصغير يستطيع أن يطهر المجلس التشريعي والبيت الأبيض » ... قالها في غير تحرج وإن كان قد ألقى القبض عليه من أجلها
وكتب لنكولن إلى هوكر يعاتبه على ما يذيع من أفكار ويحذره العاقبة ويمينه قائداً لجيش بوتوماك ، ومما جاء في خطابه قوله : « إنك لن تستطيع أنت ولا نابليون – إذا قدر له أن يبعث - أن ترجع بخير من جيش هذه هي روحه ... ألا حذار من التعجل ، حذار من التعجل ، ولكن أقدم في نشاط وحمية لا تخبو واكسب لنا النصر » انتهى العام الثانى لهذه الحرب الهائلة ، وقد لاقى الشماليون
ما لاقوا من الهزائم ، واقى الرئيس من عنت الظروف والرجال ما لاقى ، وحل العام الثالث فاتى الرئيس في مستهله وقود المهنئين بالعام الجديد وباليوم الذى يحل فيه موعد التحرير ، والرئيس مشغول بالحرب وما تتطلب من الرجال والمال ... وها هو ذا يعلن الآمال على ما عسى أن يفعل هوكر ويسأل نفسه ترى ماذا سيكون نصاب الفضة في هذا العام
وزار الرئيس ميدان القتال على نهر بوتوماك وقضى هناك أسبوعاً يشرف بنفسه على الجيش ثم عاد إلى العاصمة يمنى بالعوز الذي يضع حدا لهذا القلق الذي تزايد حتى عم الرجال جميعاً وتحرك جيش بوتوماك في إبريل من تلك السنة ولكنه مالبث
أن هزم هزيمة منكرة في شانزلورزفيل ، بعد أن أبلى في المعركة بلاء حسناً أول الأمر ... ثم انقطعت أخبار الجيش عن العاصمة بعد الهزيمة حتى بات الناس في حيرة شديدة ... ورضى لنكولن من الفتيمة بالإياب ، فكان يمنى نفسه أن يعود الجيش إلى موقفه الأول فيمنع الطريق إلى العاصمة . . . وأخيراً وصلته رسالة من القيادة أن الجيش قد عاد إلى موضعه ، ولقد تسلمها الرئيس وقرأها فتندت جفونه ، وهو يقول لمن حوله من أصحابه : ماذا على أن يقول الشعب ؟ ماذا عسى أن يقول الشعب ؟ واشتد به الفم حتى ما يفلح كلام في الترقيه عنه
وركب الرئيس وجماعة من صحبه زورقاً بخارياً إلى حيث يرابط الجيش، فاستطلع واستفهم القائد عن سبب الهزيمة ثم رجع إلى المدينة وقد عقد النية على أمر ... أعلن الرئيس ما يشبه الأحكام العرفية ، فحد من حرية الصحافة ومن حرية القول ، وأنذر من يعمل على عرقلة قضية الاتحاد أنه سوف يقدم إلي المحاكم العسكرية لتنظر في أمره ، ولم يعبأ الرئيس فيها فعل بالنقد الشديد يوجه إليه من كل جانب ، فاقد كان مستنداً إلى أحكام الدستور الذى يخول له أن يتخذ عند الخطر ما تتطلبه مصالح البلاد من الأحكام
وحل الورق محل الذهب والفضة في المعاملة إذ كانت الحكومة فى حاجة إلى المال لتنفق منه على هذه الحرب الضروس ، ولفد النجات من أجلها إلى الفرض ... وعمت الضائقة حتى شملت الناس جميعاً وهكذا ظهر للناس أن هذا العام الجديد أشد هولاً مما سبقه
ولكن هذه الشدة لم تأت بالغرض منها ، فلقد وجد أعداء الحرب وأعداء القضية فيها فرصة لنشر آرائهم ، وسرعان ما تألفت في نواح كثيرة من البلاد جمعيات سرية تعمل على مقاومة الرئيس وحكومته بكل ما يمكن من الوسائل
وجهر فريق من ذوى الرأى والمكانة بمقاومتهم هذه السياسة ومن هؤلاء ولندنجهام وهو نائب من أهايو في المجلس التشريعي.. ولقد أخذ هذا الرجل يعمل فى نشاط وقوة على معارضة كل مشروع فى المجلس يراد به نصرة قضية الحرب ، وفى خارج المجلس راح يطلق لسانه في الرئيس بكل فاحش من القول فتارة يسميه ( الملك لنكولن ) وتارة يسخر من ذلك الرجل الذي يريد أن يخلق الحب بالقوة ، وأن ينمي شعور الأخاء بالحرب )
و تطرف ذات مرة فهتف بسقوطه فى مجتمع احتشد فيه عدد من الديمقراطيين الدين أعجبوا به
وكان برنسيد يقود الجيش في الجهات التي تقع فيها أهايو مدينة ذلك التائب ، ولقد أعلن القائد أن كل شخص يعمل ضد الحرب وقضية الاتحاد جزاؤه أن يقدم إلى محكمة عسكرية لينال عقابه على يديها ... ورد ولندجهام على هذا بخطاب حماسي احتشد الناس في تلك الولاية لسماعه ودعا للناس إلى رفض هذا القرار وعصيانه ؛ ولم يسع القائد إلا أن يقبض عليه ويسوقه إلى المحكمة العسكرية فقضت محيه فى أحد الحسون هناك ..
وارتفعت الأصوات بالاحتجاج على هذا الفعل الذي يتجلى فيه خنق الحرية، فغير لنكولن حكم الحبس بالنفي إلى خارج مناطق النفوذ الشمالي، وأرسل ذلك النائب المتمرد إلى الولايات الجنوبية حراسة نفر من الجند
تكاثفت السحب واكفهر الجو ، ولم يعد يرى الناس بصيصاً من نور الأمل ، فيئسوا من النصر ، وتحرجت الأمور حتى ما يعرف لنكران نفسه ماذا يفعل ! ... الا هل من قائد يكسب معركة واحدة فيعيد الرجاء إلى النفوس، والأمن إلى الخواطر ، والعزم إلى القلوب !
إن هزيمة الشماليين في شانسلو رزفيل كانت أقسى ما لاقوا من المحن ، حتى لقد عد مايو وهو الشهر الذي وقعت فيه الهزيمة شر الأيام هولا في تاريخ تلك الحرب الأهلية الكبيرة ... ولقد كانت خسائر الشماليين في تلك المعركة بعد ما ذاقوا من الهزائم
من قبل ، مما يثبط الهمم ويحل العزائم بينما خرج منها الجنوبيون ولم يخسروا كثيراً اللهم إلا إذا ذكرنا خسارتهم الفادحة بموت قائدهم جاكسون الذى خر صريعاً من رصاصة طائشة أصابته من يد أحد جنوده ...
ما هو ذا الرئيس يفكر ويدور بعينه يتلمس القائد الذى يفلح مسعاه بعد أن خابت مساعى القواد ... ألا من له بهذا القائد ! من له بهذا القائد ؟ ولكن أين جرانت ؟ إنه هو الرجل ، وإن قلب الرئيس ليلتفت إليه في هذه المحنة كأنما يلتفت من إلهام . لقد برهن جرانت على كفايته في بعض المواقع وإن لم تكن بذات بال ، وحسبه النصر فيها على أي حال ، ولعله لا تخلف
عنه النصر إذا ألقيت على عاتقه القيادة في غيرها من المعارك الكبيرة ... لقد استطاع أن يستولى على حصني هنري ودو نلسن على نهر المسيسبي في فبراير من عام ١٨٦٢ سنة الكروب والهزائم واستطاع كذلك أن يحمل الجنوبيين في أبريل على التراجع في معركة حامية حدثت في أبريل من تلك السنة
وكان الرئيس لا يعرف جرانت معرفة شخصية ، ولكن هاتيك الانتصارات في أوقات عن فيها النصر تتم عن كفاية ، وتدل على بطولة ، وإن عين الرئيس البصيرة لتستشف من وراء تلك الأخبار الرجل المرجو ... وإذا فليرسل الرئيس إليه وليمه الراية ولينتظر النصر على يديه
ولكن بعض الرجال ياقي إلى الرئيس من أنباء ذلك الرجل أنه بإبنة المنقود مولع حتى ما يفيق منها إلا قليلا ، فاستمع إلى الرئيس وقد هداء قلبه الذي لا يكذبه ودلته بصيرته التي لا تخطئه، استمع إليه يقول المؤلاء الناس و أرجو أن تدلوني : أي نوع من أنواع الويسكي يشرب ذلك الرجل لأرسل منه درا لكل قائد من توادى الآخرين » !
أيقن الرئيس أن سوف تنقشع از جب ويتنفس الناس الصعداء ، فلئن لم يكن لهم إلا ثقتهم في رجلهم ، لقد امتدت عيناه البصيرتان إلى القائد الذى يكون في ميادين القتال مثل إبراهام في البيت الأبيض ، رشيدا لا يزوغ بسره ، قويا لا يكل عزمه ، ثابتا لا يخف حلمه ، حكيما يعرف ما يأخذ مما يدع ، جريا مؤمنا يرى الحياة الحقيقية في أن يموت في سبيل مبدئه .... و يتبع

