الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 643الرجوع إلى "الثقافة"

ابنة المثال، أسطورة قديمة

Share

كان يعيش في مدينة طيبة ، في عصر الأمير العظيم سنرع ، مثال فقير يقضي معظم أيامه في المحاجر القريبة يدق بأزميله في الصخر العنيد كي يخرج منه تماثيله الجميلة . . كان حقا فنانا بارعا . يبد أن الآلهة لم ترزقه من نعمها سوى ابنة وحيدة تملأ كوخه الحقير بسحر جمالها . . وكان قانعا بأخلاف الرزق التي يحصل عليها من بيع تماثيله .

وفي يوم من أيام الربيع البهيجة شاءت الآلهة أن تجمع في حفل شعبي بين ابنة المثال هذه . وبين ابن الأمير سنرع . فرآها ورأته ، وأحبها وأحبته ، وكان بينهما حديث ، وكان بينهما لقاء . .

وتدله الفتي في حب الفتاة ، وأراد أن يتزوجها . .

ولكن من أين لابنة المثال الفقير أن ترقي إلى مرتبة الأشراف أنصاف الآلهة ؟ أو كيف لابن الأمير صاحب المدينة أن ينزل إلى مرتبة الفقراء من شعبه ؟...

إزاء هذا لم يجد الحبيبان إلا الصبر يتذرعان به في انتظار قضاء الآلهة العادل ...

وذاع أمر حبهما في المدينة . وتناقله الناس حتى بلغوا به مسامع الأمير سنرع . فلم يكد يسمع بالخبر حتى أرسل في طلب المثال الفقير .

وظن المثال أن الأمير إنما يستدعية ليري بعض ما يصنعه من تحف فانتقى اجمل ما عنده من تماثيل وحملها معه إلى قصر سنرع . .

وشاهد الأمير التحف ، فأعجب بما يتجلى فيها من براعة

صناعة وجمال فن . وتحدث إلي صاحبها زمنا ، فعرف فيه طيبة القلب وسماحة الخلق . لذلك صارحه قائلا :

- أيها الرجل ، إن ابنى قد أحب فتاتك ، وإني قد فكرت أولا في التخلص منها ومنك بالقتل لأضع حدا لهذا الأمر . ولكني بعد ما رأيت من إبداع فنك ، وكرم خلقك ، مال قلبي إليك . لذلك سوف أسمح لابني بالزواج من أبنتك . ولكن على شريطة أن تصنع أنت تمثالا لي يكون في روعته ودقة صنعه أبدع ما أخرجت يدا فنان . وإني بعد مشاهدة تحفك الفنية لعلى يقين من أنك تستطيع أن تقوم بهذا . ولكن يجب أن تتذكر القانون الذي سنه أمراء أسرتى ، وهو يقضي بقتل كل مثال يصنع لنا تحفة خالدة - كما لا أشك في انك ستفعل - وذلك خوفا من أن نري أميرا آخر في إحدي المقاطعات يجتذب إلي بلاطه هذا الفنان بالمال والعطايا ، فينافسنا في فخامة التماثيل وجمالها . فلتفكر إذا في الموضوع جيدا . وإذا راقتك الصفقة فلتصنع التمثال لتخلد به أسمك واسمى وتقيم سعادة أبنتك وابنى ؟

... في المحاجر العريقة ، وتحت الشمس المحرقة . أخذ المثال يدق بإزميله في الصخر العتيد . إنه يعمل بهمة لا يعتريها كلال همة الفنان يدفعه الإلهام الجميل ، فينشط إلى فنه يستمد منه القوة والحياة . .

إن العرق يتصبب غزيرا على جبينه . وإن الشمس من ورائة لتهبط في الأفق رويدا رويدا . ولكن يديه لا تتوقفان عن العمل في هذا التمثال الذي سوف يجلب لابنته السعادة . ويجلب له هو الموت . .

وأظلمت الدنيا ، والتمثال على وشك أن يتم . فلم يعد يلزمه غير سويعات معدودة يقضها الفنان في مسحه وتجميله .

عندئذ توقف الرجل عن العمل ، واتكأ على صخرة كبيرة بجانبه ، وراح يسرح بفكره في بيداء الخيال...

إنه يفكر في ابنته ، وفي زواجها الذي أوشك أن يتم ، وفي سعادتها المستقبلة . .

. . وفجأة مرقت في رأسه فكرة كأنها السهم القاتل فكرة خفق لها قلبه أسى ولوعة ؛ إنه لم يخبر ابنته بأمر الشرط الذي كان بينه وبين الأمير ولكنها لابد قد علمت به من حديثها مع الناس ومع حبيبها ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف رضيت أن تضحي بأبيها في سبيل حبيبها ؟ ! . .

يا لها من فكرة رهيبة ! .

لا .. لا .. إنها لا تعلم ، ولو علمت لمنعت أباها عن المضي في عمله ... ولكن الشك ظل يتنازع قلب الرجل ويفعل فيه فعل السم الزعاف ، فعاد إلى بيته بائسا كسير الفؤاد ! . .

واستقبلته الفتاة كعادتها مستبشرة ، وسألته في شئ من اللهفة : ألم تنته بعد يا أبت من تمثالك الأخير !....

فرماها بنظرة ملؤها الشك والأسي . ومضي إلي حجرته مسرعا ...

منذ ذلك اليوم والفنان لا يقرب من مثال الأمير ؛ لقد تركه وقبع في عقر داره يفكر ويتحسر . . لقد رضي بالموت في سبيل سعادة ابنته ، حينما كان يعتقد أنها هي لا ترضي له بالموت ولو في سبيل حبها . أما اليوم فهو يراها تجحد تضحيته وتهزا بآلامه فلا تستقبله إلا بالضحكات ، وكأنها تقول له ساخرة :

- إنك تعمل من أجلي ، وإنك سوف تموت من

أجلي ، ولكن شيئا من ذلك لا يهمني ، ما دمت سأحظي بفتاى !...

ومضت الأيام بطيئة متثاقلة ، وبدأت الفتاة تتساءل عما حدا بأبيها إلي التكاسل والاعتكاف . إنها لم تكن تعلم أن زواجها سوف يكون سببا في موته . . ولم تستطع أن تسأله عن سر قعوده عن العمل ، لأنها كانت كلما أشارت له في حديثها عن موضوع قلقها عبس وازور عنها في قنوط ...

وفي ذات ليلة لقيت الفتاة صاحبها ابن الأمير ، وحكت له حال أبيها .

فقال لها في عطف : مسكين أبوك . إنه يموت في سبيل إسعادنا . .

قالت مستغربة : وكيف ذلك ؟! . .

فقص عليها في اقتضاب ما كان من شرط بين الأمير والمثال .

وعندئذ بكت الفتاة بكاء مرا . . أهكذا يضحي أبوها بحياته الغالية من أجلها ، وهي عن أحزانه لاهية ولتضحيته ناكرة ؟ !.

.... وأسرعت إلي البيت . وقالت لأبيها في صوت متهدج ؛ يا أبت إني قد عرفت سر آلامك . أهكذا تخفى عنى تضحيتك . وتحسبنى غير أهل لتقديرها ؛ يا أبت إنى لا أريد أن أتزوج ابن الأمير . بل أفضل عندي أن أشقى في حبي لتعيش أنت حياتك العزيزة . يا أبت أرجو أن تهدم التمثال الذي بدأته للأمير . .

عندئذ برقت أسارير الفنان في ابتسامة غريبة . . وعانق فتاته طويلا . .

وفي اليوم التالي كان التمثال المطلوب قد تم صنعه . وأرسل إلى قصر الأمير صاحب المدينة . .

اشترك في نشرتنا البريدية