وترى ابن الرومي بالرغم من إطالته في المدح وإكثاره فيه يذم هذه الخطة فيقول:
وإذا أمرءٌ مدح امرأً لنواله ... وأطال فيه فقد أراد هجاءه
ويقول للممدوح:
فإن الله أعلى منك جِدّاً ... ويرضيه من الحمد اليسيرُ
على أن له بالرغم من كل ذلك مقدرة كبيرة على توليد معاني المدح كما في الأبيات التي يقول فيها:
والناس تحت سماء منك مُشْمِسةٍ ...
والناس تحت سماء منك مدرار
فيتتبع هذه المعاني الشائعة ويولد منها معاني أخرى، وله الأبيات التي يقول فيها:
هب الروض لا يثنى على الغيث نشره ...
أمنظرة يُخْفي مآثره الحُسْنى
والتي يقول فيها :
له هيبة لم يكتسبها بكلفة ... إذا اكتسبت ذاك الوجوهُ العوابس
والتي يقول فيها:
آراؤكم ووجوهُكم وسيوفُكم ... في الحادثات إذا دَجوْنَ نجوم
والتي يقول فيها:
خِرْقٌ تَعَرَّضَتِ الدنيا له فصبا ... إلى المكارم منها لا إلى الفتن
له حريم إذا ما الجار حل به ... أضحى الزمان عليه جد مؤتمن
كأنه جنة الفردوس قد أمنت ... فيها النفوس من الروعات والحَزَنِ
ولكن أهاجيه بالرغم من ذلك أبرع وأشد أثراً، وهو فيها أكثر ابتداعاً للمعاني والخيالات، وأحياناً يسوق فيها الأخيلة
الفكاهية مترادفة ويولد الذم من الذم والهجاء من الهجاء وينتشي بالهجاء ويعربد كل عربدة ويطلق لنفسه العنان كراكب الجواد الذي يطلق العنان لجواده يعدو ما شاء العدو. ومن شعره المشهور في الهجاء قوله:
ولو يستطيع لتقتيرِهِ ... تَنفّس من منخر واحد
وقوله:
إن للجد كيمياء إذا ما ... مسَّ كلباً أَحالهُ إنسانا
وقوله:
فلو لم تكن في صُلبِ آدم نطفة ... لخر له إبليس أول ساجد
وقوله:
لو كنتمُ صحتي وعافيتي ... فررتُ من قربكم إلى السِّقمِ
وقوله في هجاء طبيب:
سلَّط الله عليه طبَّهُ ... وكفاه طبه لا بل كفاني
وقوله:
وأخرق تضرمه نفخةٌ ... سفاها وتطفئه تفلة
وقوله:
وقال اعذروني إن بخلي جِبلةٌ ... وإن يدي مخلوقة خلقة القفل
طبيعة بخل أكَدَّتها خليقة ... تخلَّقتُها خوفَ احتياجي إلى مثلي
وقوله: وقد أبدع واستطرد في وصف صور السعادة التامة وتصويرها تصويراً بارعاً كي يقول: إن سعادة الناس التامة لا تقتضي الشكر عليها ما دام المهجو منهم، فانظر إلى براعة الرسم والتصوير في قوله:
ما كرَّمَ الله بني آدم ... إذ كان أمسى منهمُ خالد
والله لو أنهمُ خلِّدُوا ... حتى يبيد الأبد الآبد
وأصبح الدهر حفياً بهم ... كأنه من بِرِّهِ والد
ولم يكن داءٌ ولا عاهة ... فالعيش صافٍ شربه بارد
ودامت الدنيا لهم غضة ... كأنها جارية ناهد
ما كلِّفوا الشكر وقد ضمهم ... وخالد اللؤم أب واحد
على أن هذا كله أهون ما في شعره من الهجاء، وأسهل تحملاً من فحشه الذي أطلق لنفسه العنان فيه وخلع الحياء، وأتى بأشد
مما جاء به كل الشعراء. فلا الحطيئة ولا الأخطل ولا جرير يدانيه في الهجاء، وهو مع ذلك أحياناً يخلط الهجاء بالحكمة والمثل كما في قوله:
توَقىِّ الداء خيرٌ من تصدِّ
لإيسره وإن قرب الطبيب
وكما في الأبيات المشهورة
التي يقول فيها:
رأيت الدهر يرفع كل وغد ...
ويخفض كل ذي شِيَم شريفهْ
كمثل البحر يغرق فيه حي ...
ولا ينفكُّ تطفو فيه جِيفهْ
أو الميزان يخفض كل وافٍ ...
ويرفع كل ذي زنةٍ خفيفهْ
فترى أنه مُغْريً دائماً
بتتبع الصور وبالتصوير سواء أكان ذلك في مدحه أو ذمه. وتظهر مقدرته على التصوير أعظم ظهور في وصف الأزهار أو الأنهار أو الأشجار أو القفار أو الرياح أو السماء أو السحاب أو الفواكه أو الروائح أو المأكولات، وله في كل هذه الأشياء أشعار كثيرة. أنظر إلى وصفه للنسيم:
وشمائل باردة النسيم ...
تشفي حزازات القلوب الهِيْم
كأنها من جنة النعيم
وقوله في وصف الأرض والمطر:
أصبحت الدنيا تروق من نظرْ ...
بمنظر فيه جلاء للبَصَرْ
أثنت على الأرض بآلاء المطر ...
فالأرض في روض كأفواف الحبر
نَيِّرَةَ النوار زهراء الزَّهَرْ ...
تَبَرَّجَتْ بعد حياء وخَفَرْ
تَبَرُّجَ الأنثى تصدت للذكر
ويقول في غروب
الشمس:
كأن خُبوَّ الشمس ثم غروبها ...
وقد جعلت في مجنح الليل تمرض
تخاوُص عينٍ مس أجفانها الكرى ...
يُرَنِّقُ فيها النوم ثم تُغَمِّضُ
ومن بدائعه القصيدة التي يقول فيها (حيتك عنا شمال طاف طائفها) والتي يقول فيها: (ورياضٌ تخَايَلُ الأرض فيها) والتي يصف فيها النرجس والورد في قوله (للنرجس الفضل المبين لأنه) والأخرى التي يصف فيها فواكه أيلول ويقول: إنه لولاها لزهد في الحياة. وله القصيدة البديعة التي يصف فيها غروب الشمس.
وأول وصفها قوله فيها: وقدر نَّقَت شمس الأصيل ونفَّضت ... على الأفق الغربيِّ ورسا مذعذعا
وفيها يتخيل أن الشمس تودع النبات ويودعها النبات وكأن كلا منهما يحس لوعة الفراق. ويخيل إلى أنه لو كان نقاشاً لرسم
ونقش صورة مملوءة بالحياة كابدع ما صنع المصورون فى معنى هذه القصيدة ، ولكن ما احسب أن مصورا يأتي بأحسن مما جاء به فى الشعر ، وله وصف العنب الأبيض الذي يقول فيه :
لم يبق منه وهج الحرور إلا ضياء فى ظروف نور
وله فى وصف الخمر :
لطفت فقد كادت تكون مشاعة فى الجو مثل شعاعها ونسيمها
وأمثال هذا الوصف كثير فى شعره . وهو مصور أيضا فى غزله . انظر إلى وصفه محاسن النساء النساء فى قصيدة ) اجنت لك الورد اغصان وكثبان ( ووصفه الجمال والغناء فى قصيدته الدالية فى وحيد المغنية وهي التى يقول فيها : ) ياخيللى تيمتني وحيد ( وكانما هو فيها يصور الألحان كما يصور الوجوه الحسان . ومن بدائعة فى الغزل لال لو انه ( وقوله ) لو كنت يوم قوله : ) وحديثها السحر الحلال لو انه ( وقوله : ) لو كنت يوم الفراق حاضرنا ( وقوله : ) لا تكثرن ملامة العشاق ( وقوله : ) وفيك أحسن ما تسمو النفوس له ( وقوله : ) شفيعك من قلبي شفيع مشفع ( . وله غزل كله شهوة ، وله مجون شنيع ، وكان يفتخر بالقدرة الحثمانية على الملذات . وهذا كله لا يلبق نشره ولكن له مع ذلك عزلا وجدانيا رقيقا ، فهو قد جمع الأطراف لأنه كان مرهف الإحساس كما كان مرهف الحواس وتراه يجمع الوجدان والتصوير فى قوله فى حب الوطن
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ولبست فيه العيش وهو جديد
فإذا تمثل فى الضمير رأيته وعليه أفنان الشباب تميه
فهنا ايضا نزعة التصوير غالبة عليه فى البيت الثاني . وله اشعار اخرى فى حب الوطن ، ولا غرو فإنه كان يمقت الاسفار . ومن رابي ان محسر ابن الرومى على ذهاب الشباب ليس له مثيل فى شعر الشعراء وان كانوا قد كثروا فى هذا الموضوع . واحسن قصائده فيه قصيدته التى يقول فيها ) كفى بالشيب من ناء مطاع ) ومن أبياته فيها ، وقد غلبت عليه النزعة إلى التصوير فى هذه الأبيات :
يدكرني الشباب جنان عدن على جنبات أنهار عذاب
تفئ ظلها نفحات ريح تهز متون أغصان رطاب
إذا ماست ذوائبها تداعت بواكى الطير فيها بانتحاب
يذكرنى الشباب وميض برق وسجع حمامة وحنين ناب
وكانت أيكتى ليد اجتناء فصارت بعده ليد احتطاب
وهو لا يكتفى بما يكتفى به غيره من جعل الحياة بعد الشباب كالموت بل يقول إنها عذاب . وله قصائد اخرى فى التحسر على الشباب منها قصيدة ) دابر او طاره إلى الذكر) ( و ) خليل ما بعد الشباب رزية ( و ) لا تلح من يبكى شبيبته ( و ) أيام استقبل المنظور مبتهجا ( وقوله :
اكتهلت همتى فأصبحت لا أب
مج بالثنئ كنت أبهج به
وحسب من عاش من خلوقته خلوقة تعتريه فى أربه
وهذا الرجل الميهوم بمحاسن الحياة ولداتها ، المولع بوصف مباهجها وقتها واطايبها ، له حالات إذا وصف فيها الزهد انى بالقول المؤثر ، كما فى قصيدته فى وصف الزهاد ، وهي قد جمعت ايضا بين التصوير والوجدان ، وهي التى يقول فيها :
تتجا فى جنوبهم عن وطئ المضاجع
ولكن الجمع بين التهافت على الملاذ فى وقت من أوقات الحياة وشدة الشعور الديني فى وقت اخرامر مشهود ؛ وقد يتردد صاحبهما بينهما مرات عديدة .
وقصائد ابن الرومى فى الاخوان والعتاب متنوعة الاغراض والمعاني والانغام والصور . واشهرها قصيدة : ) يا اخي ابن ريع ذاك اللقاء ( وفيها يتخيل مناظرة ونقاشا طويلا بينه وبين هنات صاحبه ، وهى بارعة فى التصوير والتفكير ؛ ولكن له من القصائد ما هو أكثر وجدانا وعاطفة ، وله مقطوعات موسيقية كقوله :
طلبت لديكم بالعتاب زيادة وعطفأ فأعتيم بأحدى البوائق
فكنت كمستسق سماء نخيلة حيا فاصابته بإحدى الصواعق
وقوله :
عدوك من صديقك مستفاد فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه يحول من الطعام او الشراب
والأبيات التى ذكرت من قبل وأولها : ) تخذتكم درعا وتزسا لتدفعوا ( وهى من ابدع ما قال فى العتاب الوجدانى ، وكذلك قوله : ) أتانى مقال من أخ فاغتفرته ( ، وقوله : ) إنى لاغضى
عن الزلات مجتنبا ( . وكثرة العتاب فى شعره تدل على انه كان منكوبا فى الإخاء والانصار . وقد اجاد ابن الرومى ايضا فى الرثاء لانه كان منكوبا فى اولاده ، وإنما هذه نكبة الرزء والموت لا نكبة الجفاء التى دعت إلى إجادة العتاب ، ولا اذكر قصيدة فى رثاء الأبناء فى اللغة العربية تقارب قصيدة ابن الرومى الدالية فى رثاء ابنه الأوسط غير قصيدتي التهامى ، ومطلع قصيدة التهامي الأولي :
حكم المنية فى البرية جارى ما هذه الدنيا بدار قرار
ومطلع الثانية :
أبا الفضل طال الليل أم خانني صبرى فخيل لى أن الكواكب لا تسرى
وفيهما برئي ابته كما رتى ابن الرومى ابنه بقصيدته التى أولها مخاطبا عينيه :
بكاؤكما يشفى وإن كان لا يجدى
فجودا فقد اودى نظير كما عندى
وتغلب نزعة الرسم والتصوير على الشاعر ، فيصف ابنه يعالج المرض والموت ، ويصف حزنه إذا راى اخويه يلعبان فى ملعب له . وهذه القصيدة من اجل ما قال ابن الرومى من الشعر ، بل من أجل ما قال شاعر من الشعر ، وهى أكبر دليل على أن الشعر الرفيع المقام لا يكون إلا إذا وجدت العاطفة ، واما الصنعة وحدها فلا يخلق شعرا عاليا . ولابن الرومى قصائد اخرى فى الرثاء تستحاد ، منها رثاء يحيى بن عمر العلوى التى مطلعها :
أمامك فانظر أى نهجيك تنهج طريقان شتى مستقيم وأعوج وفها يقارن بين ترف العباسيين وبين ما كان العلوبون فيه من تشريد واضطهاد . ومما يؤسف له انه شانها بالفحش الشنيع فى هجاء العباسيين ؛ وهذه القصيدة تذكرني بقصيدة دعبل الخراعى الرائعة فى آل البيت وهي أعمق أثرا ومطلعها :
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
والذي يقرأ شعر ابن الرومي برى انه أشد ذوى الفنون عجزا عن حبس بعض ما يجول فى خاطره من الخواطر ، وهذا العجز يجعل صاحبه كانه اسوا خلقا ونفا من الناس ، وهو قد يكون وقد لا يكون ، فإن كل إنسان - كما قال سممرست موام - القصص الانجليزى فى كتاب ) الخلاصة ( بخطر على خاطره خواطر السوء حتى على بال الفديسين المطهرين الذين كانوا يشكون فى نقاوتهم
وطهارتهم بالرغم من أنهم كانوا لا يفعلون ما يدعو إلى هذا الشك ؛ وذو الفنون ، بسبب النزعة ال الفنية إلى تصور أنفسهم والتعبير عن خوالجها ، قد يعجزون عن كتم هذه الخواطر التى يكتمها غيرهم . وإنى أميل أحيانا إلى الاعتقاد أن قصص المجون فى شعر أبى نواس وابن الروى لم يحدث حقيقة ولم يفعلوا ما زعموا أنهم فيلوا أو على الاقل بعضها لم يحدث ، وإنما هى خواطر السوء التى تمر بخاطر الناس ويكتمها الناس ويعجز بعض الفنانين عن كتمها بل يصنعون منها قصصا فخرا بها أو صنعة . وعلى هذا القياس نستطيع أن نفهم قصيدة ابن الروى التى أولها : ) لهف نفس على رصاص مذاب ( أى رصاص منصهر كي يصبه فى فم عدوه حتى يموت ويتشى بسؤاله عن صحته أثناء ذلك ، وهى قصيدة شنيعة . ولكن كم من الناس إذا تألم من عداء رجل ألما شديدا لا تخطر له مثل هذه الخواطر إذا اشتد به الألم وكان مرهف الإحساس ؟ أما أن يصب الرصاص المنصهر فى فم إنسان فهذه مسألة أخرى ، فقد يكون صاحب هذه الخواطر أعجز الناس عن إتيان الشرك كما هو أعجز الناس عن كتمان ما يجول بخاطره من خواطر السوء . ولا ننس أن ابن الروى كان مرهف الإحساس حتى أنه أعد حنجرا مسنوا كى يقضى به على حياته فيما زعموا إذا اشتد به الألم فى الحياة ، وقد اشتد واشتد ولم يفعل

