الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 620الرجوع إلى "الثقافة"

ابن حيان الغرناطى، إمام النحاة

Share

- 2 -

كان ابن حيان النحوي بحق سلطان العلماء ؛ فكانت الأمداح ترفع إليه من كل مكان . وكان أرفع العلماء مكانة وجاها عند سلاطين المماليك لا يجد بأسا في أن يمدح ابن حيان ، لا تزلقا إليه ولا تملقا ، لأن الرجل لم يكن من أصحاب النفوذ وعشاق السلطان . ولكن كان يمدح اختيارا لا اضطرارا . وقد مدحه من الرؤساء والأدباء القاضي محي الدين بن عبد الظاهر صاحب ديوان الرسائل في مصر . والشيخ صدر الدين بن الوكيل ، وشرف الدين ابن الوحيد ، ومجير الدين عمر بن المليطي ، ونجم الدين الإسكندري ، ونجم الدين الطوفي ، والقاضي ناصر الدين شافع ، والشاعر خليل بن ايبك الصفدي . ويكاد يجمع مادحوه على امامته في النحو واللغة ومشيخته في الأدب . والحق أنه مدح كما يمدح السلاطين والأمراء . وقد فطن إلى هذه اللغة الشيخ صدر الدين بن الوكيل الذي زاره ابن حيان في داره فلم يجده ، فكتب بالجص على مصراع الباب شيئا يفيد أنه حضر للزيارة . فلما رأي ابن الوكيل ذلك قال :

قالوا : أبو حيان غير مدافع

ملك النحاة فقلت : بالإجماع

اسم الملوك علي النقود وإنني

شاهدت كنيته على المصراع . .

ولا شك أن علم ابن حيان لم يكن وحده السبب في مدح المادحين له ؛ فقد كانت له جوانب من الخلق حببته إلى الناس جميعا . ولا أدري كيف يذكر تلميذه كمال الدين الأدفوي أنه ) كان يقع في ذم من هو بألسنة العالم ممدوح ويسبب ذلك وقع في نفس جمع كبير منه ألم كثير ( .

فإن الصفدي - وهو تلميذ آخر لصاحبنا - ينكر ذلك ويقول : ) أنا لم أسمع منه في حق أحد من الأحياء والأموات إلا خيرا ( .

ويخيل إلي أن انحراقه عن الإمام ابن تيمية وحملاته على الشيخ ابن دقيق العبد جعلت الأدفوي وأمثاله يقولون عنه مثل ذلك القول ؛ أما انحرافه عن ابن تيمية ، فسببه الخلاف على قول قاله سيبويه ، فرمي ابن تيمية سيبويه بالخطأ في ثلاثين موضعا ، فعز ذلك على أبي حيان ، وكان يعظم سيبويه تعظيما شديدا ، فوقعت بين ابن حيان وابن تيمية قطيعة . ولما كتب ابن حيان تفسيره للقرآن المسمى " بالنهر " وهو مختصر " للبحر المحيط " رمي فيه ابن تيمية بكل سوء ) ١ (

ويخيل إلى أن هناك سببا آخر للخصومة بين أبي حيان وابن تيمية ) ٢ ( ؛ فقد كان ابن تيمية - على سلفيته في الحديث - من أصحاب الرأي والاجتهاد في الإسلام ، وله في ذلك الفناوى المشهورة . ولم يكن ابن حيان من أنصار هذا المذهب . ودليلي علي هذا الذي أميل إليه ما رواه قاضي القضاة ابن جماعة من شعر لابن حيان يقول فيه :

أما إنه لولا ثلاث أحبها

تمنيت أني لا أعد من الأحبا

فمنها رجائي ان افوز بتوبة

تكفر لي ذنبا وتنجح لي سعيا

ومنهن صوني النفس عن كل جاهل

لئيم فلا امشي إلي بابه مشيا

ومنهن أخذي بالحديث إذا الوري

نسوا سنة المختار واتبعوا الرأيا

اتترك نصا للرسول وتقتدي

بشخص لقد بدلت بالرشد الغيا

وإشارته في البيتين الأخيرين تؤيد ما أذهب إليه ؟ فهو لا يتبع الرأي ، ولا يمضي مع الذين نسوا سنة المختار ولا يترك نصا للنبي ليقلد شخصا . . ويخيل إلى أن شبح ابن تيمية كان أمامه وهو ينظم هذه الأبيات . .

على أننا إذا تركنا هذا الجانب من خصومة ابن حيان ، فإننا نرى فيه جوانب من الخلق الكريم ؛ فقد ذكر تلميذه " الرعيني " عنه أنه " شيخ فاضل ما رأيت مثله . كثير الضحك والانبساط بعيد عن الانقباض جيد الكلام ، حسن اللقاء جميل المؤانسة ، فصيح الكلام ، طلق اللسان ، وهذه صفات تجعل من العالم المتزمت رجلا اجتماعيا ، يألف ويؤلف ، ويأنس ويؤنس إليه . إلا أن هذه المزايا الاجتماعية لا يؤكدها لنا شعره الذي يقول فيه :

لقد زادني بالناس علما تجاربي

ومن جرب الأيام مثلي تعلما

وإني وتطلابي من الناس راحة

لكالمبتغى وسط الجحيم تعما

سأزهد حتي لا أري لي صاحبا

وأمجد حتى لا ألاقي متهما

فهذا كلام رجل ضاق بالناس وتعب منهم والتمس البعد عنهم . فهل كان ذلك الزهد في آخر حياته الطويلة التي زادت على تسعين عاما ؟ أم هو كلام شاعر يدل به على أنه قادر على النظم في أي باب ، كما رأينا منه قبلا شعرا يمدح به السواد ، وشعرا آخر يذمه به أشنع المم ؟ .

لاشك أن حياته تدلنا على أنه لم يكن من العلماء المغامرين الطامعين في المناصب والمراتب كابن خلدون ، وابن الخطيب الذي جنت عليه مطامعه ؟ فما سمعنا أنه غامر في العصر المملوكي القلاووني ليصيب عند سلاطينهم جاها أو نفوذا ، ولكن

السلاطين أنفسهم هم الذين أحبوه وأجلوه لعلمه وفضله . وقد كان العلم والفقه والحديث والكتب تشغله عن بريق المناصب . وعلى الرغم مما شرق وغرب في العالم الإسلامي ، فقد كان يجد في العلم أسمى مطالبه . وكانت الكتب أحب شئ إليه ، وجد فيها صداقة أغنته عن صداقة الناس التي تفضي إلي العداوات . ولا شك أن عفة فيه وإباء قد صاناه عن التبذل في طلب الحياة ، وقد عبر عن كل ذلك في أبيات يقول فيها :

أعاذل ذرئي وانفرادي عن الوري

فلست ارى فيهم صديقا مصافيا

نداماي كتب استفيد علومها

احباي تغنى عن لقائي الاعاديا

وانسها القرآن فهو الذي به

نجاني اذا فكرت او كنت تاليا

لقد جلت في غرب البلاد وشرقها

انقب عمن كان لله داعيا

فلم أر ألا طالبا لرياسة

وجماع اموال وشيخا مرائيا

قبضت يدي عنهم وآثرت عزلة

عن الناس واستغنيت بالله كافيا

وقد بلغ من حبه للعلم أنه كان يحب طلبته ، وخاصة أهل الذكاء منهم ، وكان عنده تعظيم لهم ) ١ ( ، وبنوه بقدرهم ) ٢ ( .

ويصادفنا في شعر ابن حيان ما يقفنا أمامه موقف المتحير من وقوع التناقض فيه ؛ فنخشى أن يكون سلوكه مظهرا لهذا التناقض . . إلا أنني أدركت من كثير من شعر صاحبنا أنه يحب " المغايرة " في الكلام على مذهب البلاغيين . فإذا مدح السواد اليوم فإنه يذمه هامة اليوم أو غدا . . وإذا رأيت في شعره نزعة زاهدة صادفك في بعض أشعاره نزعة

مرحة معابثة منبسطة وإذا قرأت له في الجود وبذل ما في اليد مثل قوله :

وقصر آمالي مسآلي إلي الردي

وأني وان طال المدى سوف اهلك

فصفت بماء الوجه نفسا أبية

وجادت يميني بالذي كنت املك

قرأت له في البخل افتخارا كما يفتخر الكريم بالكرم ، وسمعت له وصية لأحد تلاميذه يقول فيها : ) أوصيك احفظ دراهمك ، ويقال عنك بخيل ، ولا تحتج إلى السفل ( . وليس هذا البخل عند أبي حيان طبعا ، ولكنه عارض لخوفه من الأيام ، وخشيته من الحاجة إلي اللئام . وقد اضطرب صاحبنا بين الحرص والبذل ، فبينما يقول :

وجاؤك فلسا قد غدا في حبائلي

قنيصا وجاء للنتاج من العقم

أأتعب في تحصيله وأضيعه

إذا كنت معتاضا من البرء بالسقم ؛

إذا به يقول :

وزهدني في جمعي المال أنه

إذا ما انتهي عند الفني فارق العمر

فلا روحه يوما أراح من العنا

ولم يكتسب حمدا ، ولم يدخر أجرأ

على أن هذه الصور المختلفة من شعر ابن حيان تدعونا إلى التساؤل عن القيمة الفنية لشعره ؛ ومن حسن الحظ أن الآبيات التي عرضناها ليس فيها من تكلف الصنعة ما يسيء الرأي فيه ؛ ولكن الحكم على الشاعر ببعض شعره لا يجوز . فإذا عرضنا له البيتين التاليين :

سأل البدر هل تبدي أخوه

قلت يا بدر لن تطيق طلوعا

كيف يبدو وانت يا بدر باد

أو بدران يطلعان جميعا ؟

وجدنا فيهما تكلفا في الصناعة .

وإذا عرضنا الأبيات التالية :

شوقي لذاك المحيا الزاهر الراعي

شرق شديد وجسمي الواهن الواعي

أسهرت طرفي وولهت الفؤاد هوي

الطرف والقلب مني الساهر الساهي

نهيت قلبي وضي أن أبوح بما

يلقاه واشوقه للناهب الناهي

بهرت كل مليح بالبهاء فما

في النبرين شبيه الباهر الباهي

لهجت بالحب لما أن لهوت به

عن كل شئ فويح اللاهج اللاهي

وجدنا فيها من صناعة البديع ومحسنات اللفظ ما لا يبعد صدوره من ذلك العصر . إلا أن الحكم أيضا ببعض الشعر لا ينصف الشاعر ولا يرضي قوله الحق فيه .

على أن من الأنصاف لابن حيان أن تذكر أن له شعرا ارتفع به إلى مرتبة المجيدين في عصره وفي كل العصور . وما أجمل وأصدق بيتيه المشهورين اللذين قالهما في فضل الأدباء :

عداي لهم فضل علي ومنة

فلا اذهب الرحمن عني الاعاديا

همو يحنوا عني زلتي فاجتنبتها

وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا

ولا بأس هنا أن نسمع رأي الأدباء السابقين في شعره . فهذا لسان الدين بن الخطيب يذكر في كتابه " الإحاطة في أخبار غرناطة " أن شعر ابن حيان كثير يتصف بالإجاده وضدها . . وهذا ابن تغري يردي المؤرخ المشهور يقول : " ومذهبى في أبي حيان أنه عالم لا شاعر " ) ٢ (

وأعجب ما في أبي حيان الفقيه المفسر النحوي الشاعر أنه مال إلي نظم الموشحات ؛ وقد روي له صاحب " النجوم الزاهرة " موشحته المشهورة التي أولها :

إن كان ليل داج

وخاننا الاصباح

فنورها الوهاج

يغني عن الصباح

سلاقة تبدو

كالكوكب الازهر

مزاجها شهد

وعرقها عنبر

يا حبذا الورد

منها وان انكر

قلبي بها قد هاج

فما تراني صاح

عن ذلك المنهاح

وعن هوي يا صاح

وهي طويلة . وقد ذكرها صاحب ) نفح الطبيب وابن شاكر السكني صاحب " فوات الوفيات ولكن ابن تغري بردي ذكرها - كما سلف القول في نجومه الزاهرة ثم عقب عليها بهذه العبارة " ولم أذكر هذه الموشحة هنا لحسنها ، بل قصدت التعريف بنظمه بذكر هذه الموشحة ،

وقد انطفأ سراج هذه الحياة العالمة الشاعرة اللغوية

المتمكنة بعد واحد وتسعين عاما قضاها ابن حيان متنقلا من أرض إلى أرض . كما كان متنقلا في العلوم من فن إلي فن ، ما بين فقه وتفسير وحديث ونحو وصرف وشعر ولغات سامية ومات في سنة ٧٤٥ ه كما تجمع كل المصادر الشرقية ، وكما ذكره تلميذه ومعاصره خليل بن أيبك الصفدي الذي بعد أوسع وأوثق مصدر لترجمة ابن حيان . وقد رفض صاحب " نفح الطيب " أن يقبل ما قاله كثير من أهل المغرب من أن ابن حيان توفي بمصر سنة ٧٤٣ ه . ورد عليهم قائلا : " إن أهل المشرق اعرف بذلك إذ توفي عندهم .

ولا تزال كتب التاريخ والتراجم تحتفظ بمرئية الشاعر صلاح الدين الصفدي للشيخ الإمام أثير الدين بن حيان التي يقول في أولها :

مات اثير الدين شيخ الوري

فاستعر البارق واستعبرا

ورق من حزن نسيم الصبا

واعتل في الأسحار لما سري

اشترك في نشرتنا البريدية