الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 667 الرجوع إلى "الثقافة"

ابن عبد ربه

Share

كتاب العقد الذي اشتهر باسم " العقد الفريد " للأديب الأندلسي أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه من الأصول الأدبية المعدودة ، ومن المراجع التاريخية المأثورة، ويمتاز بغزارة مادته ، وحسن تبويبه ، وجودة اختياره ، وقدم عهده ، وتطالعك من وراء أخبار المنوعة ومختاراته الممتازة شخصية مؤلفه الأديب المطبوع ، والناقد البارع ، والشاعر المجيد ، والفقه العالم المتمكن . وكتاب العقد من الكتب القلائل الجديرة بالعناية والخليقة بالدرس ، وقد أحسنت لجنة التأليف والترجمة والنشر في محاولة إخراج هذا الكتاب القيم إخراجاً علميا مصححاً جهد الطاقة ، فقد كانت الطبعات القديمة كثيرا ما تنفر من قراءته، وتصد عن الاستفادة منه، لرداءتها ودمامتها وامتلائها بالتحريف والتصحيف، ومن مقومات النهضات الأدبية الحقة دراسة الأصول الأدبية واصطناع المنهج التاريخي من أقوم السبل وأصح الأساليب في تلك الدراسة، والأمم التي لا تربط ماضها بحاضرها تصبح من الأمم المفلثة السطحية ، وكتاب العقد في طليعة تلك الأصول الحافلة بالذخائر ، ومن الطرف النفيسة التي خلفها لنا السلف المجد الصالح.

وقد ولد ابن عبد ربه مؤلف هذا الكتاب الجامع أو الموسوعة الأدبية التاريخية في قرطبة سنة ٢٤٦ هجرية، وكان جده الأعلى سالم من موالي الأمير هشام بن عبد الرحمن ابن معاوية المعروف بالداخل مؤسس الأسرة الأموية ابن معاوية المعروف بالداخل مؤسس الأسرة الأموية بالأندلس.

وأخبار ابن عبد ربه التي بين أيدينا قليلة ، فليس عندنا بيان موجز أو مفصل عن العمل الذي كان يباشره أو المنصب الذي كان يشغله ، وقد مدح بعض امراء الأندلس الذين عاصروه مثل الأمير محمد والمنذر وعبد الله ، وله في مدح الناصر طائفة من المدائح ، والظاهر أنه كان على شئ من الصلة الوثيقة به ، وقد أصيب في آخر حياته بالفالج ، وكانت

وفاته في سنة ٣٢٨ هجرية ، وروي الضبى له ستة أبيات ذكر أنها آخر ما ذاله من الشعر ، وقد أشار فيها إلى استطالة حياته ، وامتداد عمره ، وما أصابه في آخر أيامه ، قال :

كلاني لما في عازلي كفاني        طويت زماني برهة وطواني

بليت وأبلتني الليالي وكرها      وصرفان للأيام معتوران

وما لي لا أبلي لسبعين حجة     وعشر أتت من بعدها سنتان

فلا تسألوني عن تباريح علتي     ودونكما مني الذي تريان

وإني بحول الله راج لفضله          ولي من ضمان الله خير ضمان

ولست أبالي من تباريح علتي       إذا كان عقلي باقياً ولساني

ويمكننا أن نستخلص من النوادر والقصص التي تروي عن ابن عبد ربه أنه كان من الأدباء الظرفاء النزاهين إلى طلب المتعة واقتناص اللذة؛ وللبيئة التي نشأ بها أثر واضح في ذلك، فقد كانت قرطبة حينذاك أعظم مدن الأندلس، وكانت تضارع بغداد من وجوه كثيرة ، وكان أهلها من الأثرياء الموسرين ؛ وتكاثر الثروة يجعل أسباب الترف والمتعة وضروب اللهو موفورة ميسورة ، وكان الغناء شائعاً في قرطبة ، وكانت تفد إليها الجواري والمغنيات من سائر الأقطار الإسلامية، وقد نهض زرباب بالغناء الأندلسي وطبعه بطابعه، وكان أكثر المغنين والمغنيات من تلامذته والأخذين عنه والمتأثرين بمذهبه؛ وكان ابن عبد ربه مشغوفا باستماع الغناء. روي الفتح بن خاقان في كتاب المطمح عن أبي محمد بن حزم أن ابن عبد ربه مر بقصر من قصور قرطبة لبعض الرؤساء، فسمع منه غناء أذهب لبه، وألهب قلبه ، فينا هو واقف تحت القصر إذ رش بماء من أعاليه ، فاستدعي رقعة وكتب إلى صاحب القصر بهذه الأبيات:-

يا من يضن بصوت الطائر المغرد

                 ما كنت أحسب هذا الضن في أحد

لو أن أسماع أهل الأرض قاطبة

                     أصغت إلي الصوت لم ينقص ولم يزد

فلا تضن على سمعي ومن به

                  صوتاً يجول مجال الروح في الجسد

أما النبيذ فإني لست أشربه

                ولست آتيك إلا كسرتي بيدي

وذكر القرمي أن هذه الجارية كانت تسعى مصابيح، وكانت عند الكاتب أبي حفص عمر بن قلهيل ، وقد أخذت الفناء عن زرباب نفسه، وروي أنها كانت غاية في الإحسان والنيل وطيب الصوت، وأن سيدها عند قراءة أبيات ابن عبد ربه خرج حافياً وأدخله إلي مجلسه فتمتع من سماعها.

وقد خصص ابن عبد ربه من عقده كتابا للغناء واختلاف الناس فيه وهو كتاب " الياقوتة الثانية وذكر فيه كثيراً من الروايات التي احتج فيها الناس بإجازة الغناء، وذكر بعض الأحاديث التي تجيزه، وقد استهل هذا الكتاب بقوله: "وكرهنا أن يكون كتابنا هذا بعد اشتماله على فنون الآداب والحكم والنوادر والأمثال عطلاً من هذه الصناعة التي هي مراد السمع، ومرتع النفس، وربيع القلب ، ومجال الهوى، ومسلاة الكئيب، وأنس الوحيد، وزاد الراكب، لنظم موقع الصوت الحسن من القلب وأخذه بمجامع النفس". ويقول في موضع آخر من هذا الكتاب:" وقد يتوصل بالألحان إلى خير الدنيا والآخرة ، فمن ذلك أنها تبعث على مكارم الأخلاق من اصطناع المعروف وصلة الارحام واللب عن الأعراض، والتجاوز عن الذنوب، وقد يبكي الرجل بها علي خطيئته، ويرقق القلب من قسوته، ويتذكر تميم الملكوت ومثله في ضميره".

وهذا كلام يستوقف النظر ، ويستدعي الملاحظة ، ويمكننا أن نتبين منه حسن تقدير الأندلسيين للغناء والوسيقي، وإدراكهم لوظيفتهما السامية وأثرهما في صقل النفوس، وتهذيب العواطف، وترقيق القلوب.

والظاهر أن ابن عبد ربه لم يقتصر على الاستمتاع بسماع الأصوات الجميلة، بل كان ولوعا كذلك باجتلاء الوجوه الحميلة أينما كانت ولمن كانت وربما يكون قد أسرف في ذلك، فقد قال حينما آثر التوبة.

يا رب غفرانك عن مذنب     أسرف إلا أنه نادم

ولم يكتف - على ما يظهر - بالاستمتاع بسماع الغناء

واجتلاء الوجوه الحسان بل أكثر من الشراب ، والأرجح أنه ظل يشرب حتى تقدمت به السن ، قال في شيخوخته:

أتلهو بين باطية وزير      وأنت من الهلاك على شفير

فيا من غره أمل طويل     به يردي إلى أجل قصير

أتفرح والمنية كل يوم       تريك مكان قبرك في القبور

والظاهر من الآيات التي قالها في الزهد والتوبة أنه لم يمل إلي الزهد ويشرع في التوبة إلا حينما اعتلت صحته، وضعفت بنيته، وكلت حواسه، فهي مثل توبة أكثر الحسيين الذين لا يعرفون الزهد أو التوبة بدافع من التقوى أو قوة الإرادة، وإنما يعرفونها حينما تضعف حواسهم، وتخذلهم بنيتهم، وهم في هذه الحالة يكثرون من التظاهر بالورع والإفراط في الزهد والعبادة، وفي الوقت نفسه يكثرون من التحسر على أيام الشباب وعهود اللهو، ومن أشعاره في ذكري الشباب قوله:

شبابي كيف صرت إلي نفاد       وبدلت البياض من السواد

فراقك عرف الأحزان قلبي        وفرق بين عيني والرقاد

زمان كان فيه الرشد غيا            وكان الغي فيه من رشادي

فكم لي من غليل فيك خاف

                     وكم لي من عويل فيك بادي

ويعتري الحسيين حينما يقعد بهم عجز الشيخوخة والهرم عن مباشرة الملذات نوع من التشاؤم فيرون أن لذات الحياة ومتعتها فاتية ، وأن أحزانها وهمومها باقية ، وأنها قصيرة المدى سريعة الكر ، ولا تخلف في النفس سوى اللوعة والأسى، ولما يميلون إلى ذم الدنيا حتى يشتبه أمرهم بأمي العباد النامكين ، من ذلك قول ابن عبد ربه:

ألا إنما الدنيا نضارة أيكة

               إذا أخضر منها جانب جف جانب

هي الدار ما الآمال إلا فجائع

                     عليها ولا الملذات إلا مصائب

فكم أسخنت بالأمس عيناً قريرة

                         وقرت عيوناً دمعها الآن ساكب

فلا تكتحل عيناك منها بعبرة

                    على ذاهب منها فإنك ذاهب

وقد أجاد ابن عبد ربه دراسة علوم عصره من تاريخ

وشعر ونحو ولغة وفقه ودين ، وأثر هذه الدراسة العلمية المستوعبة الشاملة يتجلى في كل باب من أبواب كتابه، وهذه الثقافة الكثيرة الجوانب أكسبته اعتدالا في التفكير، وسعة في الرأي والنظر، وتجافت به عن الضيق والتعصب والتزمت، وهو يعول في مراجعة على علماء المشارقة، ويكثر من النقل عنهم، وعمدته امثال المبرد والأسمعي والمداني وأبي عبيدة وابن المفقع والجاحظ وابن قنيبة ، وقد لحظ ذلك الصاحب بن عباد حينما اطلع على كتاب العقد فقال فيه كلمته المشهورة " هذه بضاعتنا ردت إلينا، ظننت أن هذا الكتاب يشتمل على شيء من أخبار بلادهم، وإنما هو مشتمل على أخبار بلادنا، لا حاجة لنا فيه".

وقد كان ابن عبد ربه مولعا بالهجاء ، محبا للدعابة والفكاهة ، وقد ذكر لنا القري في نفح الطبيب بعض ما حدث بينه وبين أبي محمد محيي القلفاط الشاعر، وقد كان هذا الرجل صديقا لابن عبد ربه ففسد ما بينهما بسبب أن ابن عبد ربه مر به يوما وكان في مشيه اضطراب ، فقال له:" أبا عمر ما علمت أنك آدر إلا اليوم لما رأيت مشيك". فقال له ابن عبد ربه : " كذبتك عزسك أبا محمد " فساء القلفاط كلامه ، وعز عليه هذا الرد  وقال له " اتتعرض للحرم؟ والله لأرينك كيف الهجاء"، ثم صنع فيه قصيدة أولها :

يا عرس أحمد إني مزمع سفراً

                  فودعيني سراً من أبي عمرا

وتهاجيا بعد ذلك ، وكان القلفاط يلقبه "بطلاس" لأنه كان أطلس اللحية، ويسمى كتاب العقد "حبل الثوم" .

وأثر ميل ابن عبد ربه إلى الهجاء والدعابة والفكاهة ظاهر في كتاب العقد ، ومن سخريته بالمبرد في كتابه قوله عنه:" ما احسبه لحقه هذا الاسم إلا لبرده". وهو بارع في فن الهجاء لأنه يحسن الوقوع على المساوئ ويصبها في القالب المضحك ، فيضطرنا إلى أن نشترك معه في الضحك والسخرية؛ من ذلك قوله في الآبيات التي مطلعها " ما بال بابك محروسا ببواب" وقد يمزج الهجاء بشكوي الزمن مثل قوله:

وأيام خلت من كل خير     ودنيا قد تدرعها الكلاب

كلاب لو سألتهم تراباً      لقالوا عندنا انقطع التراب

وقال شاكيا الشيب والحكام:

جار الشيب على رأسي فغيره

                  لما رأي عندنا الحكام قد جاروا

وكان في بعض الأحيان يفرط في الإقذاع، شأن أكثر شعراء العرب الذين شغفوا بالهجو، ويظهر أن آداب عصرهم كانت تسمح لهم بذلك.

ومن أبياته المؤثرة قوله في رثاء ولده:

وا كبدا قد تقطعت كبدي         وأحرقته لواعج الكمد

ما مات حي لميت أسفاً            أعذر من والد على ولد

يا رحمة الله جاوري جدثاً           دفنت فيه حشاستي بيدي

ونوري ظلمة القبور على           من لم يصل ظلمه إلى أحد

لا صبر لي بعده ولا جلد           فجعت بالصبر فيه والجلد

يا لوعة لا يزال لاعجها            يقدح نار الأسي على كبدي

وشعر ابن عبد ربه مثل نثره يمتاز بعذوبة الألفاظ وسهولتها، ووضوح المعنى، والبعد عن التكلف، وترك استعمال الغريب النافر، وإيثار الجزالة والسلاسة، وفي بعض أشعاره تتغلب ثقافته الواسعة على عواطفه ومشاعره، فيجيء شعره غثاً فاتراً لا روح فيه ولا حياة.

وفي كتاب العقد أخبار كثيرة ، وطرف ونوادر عن كبار رجال الإسلام، سواء من الخلفاء والقواد والحكام، أو من الحكماء والمتكلمين والشعراء والكتاب، وفيه كثير من المعلومات التاريخية، والفوائد الأدبية، وأخبار عن أحوال العرب في الجاهلية والإسلام، وألوان معيشتهم، وأساليب حياتهم، وقد جعله وجوده بالأندلس بعيدا عن نفوذ حكام المشرق ، ومكنه ذلك من أن يكون أقدر على الصراحة، وإبداء الرأي، ولكنه مع ذلك لم يستطع التغلب على أهوائه وميوله. وابن عبد ربه مؤرخ بارع ، واسع الإحاطة، جيد السرد للأخبار والوقائع؛ ولكن يلزم أن تتلقى أخباره ورواياته بشيء من التحفظ، لأنه حذف ذكر الإسناد، وبعض الأخبار التي رواها لا نعرف من أين استفاها؛ وهو يسارحنا بطريقته فيقول: إنه عمد إلى بعض الأخبار فاختصرها أو اختار منها ما يلائم كتابه ويرضى ذوقه، وقد لحظ نقاده أنه ينقل بعض الأخبار على علاتها دون غربلة أو تميز، ودون عرضها على محك النقد ووزنها بميزان

التفكير الدقيق، وقد كان هدف الرجل قبل كل شئ أدبياً محضاً، أي أنه كان يريد تسلية القارئ وإمتاعه والترفيه عنه بالأخبار الموثقة، والروايات المستجادة، والأقوال البليغة، والحكم والأمثال والأشعار؛ وقد أشار في المقدمة إلى ذلك فقال:" وقد ألفت هذا الكتاب وغيرت جواهره من متخير جواهر الآداب ومحصول جوامع البيان ، فكان جوهر الجواهر ولب الالباب ، وإنما لي فيه تأليف الأخبار، وفضل الاختيار، وحسن الاختصار، وفرش في صدر كل كتاب،

وما سواه لمأخوذ من أفواه العلماء، ومأثور عن الحكماء والأدباء ، واختيار الكلام أصعب من تأليفه، وقد قيل اختيار الرجل واقد عقله".

وربما لا يكون اختيار الكلام أصعب من تأليفه كما يحاول أن يعتقد ابن عبد ربه، ولكن الاختيار مهما يكن أمره دليل عقل المرء، وعنوان ذوقه، وقد أحسن ابن عبد ربه الاختيار في كتاب العقد ، فدل على سلامة ذوقه ، ورجاحة عقله، وغزارة علمه.

اشترك في نشرتنا البريدية