الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 585الرجوع إلى "الرسالة"

ابن قزمان

Share

العربية واللاتينية، هما اللغتان اللتان كانتا سائدتين  فى إسبانيا الإسلامية، وعنهما تفرعت لغتان عاميتان: اللاتينية  الدارجة   (الرومنسية أو العجمية)  لغة الصبيان والأحداث،  وأرباب الصناعات والزوجات الإسبانوليات، والعربية الدارجة،  متأثرة بالعجمية والبربرية:

داب نعشق لأليمه نجيمه

من يحبك ويموت فيك

إن قتلت عاد يكون بيك

لو قدر قلبى يخليك

لم يدبّر ذا النُّغيمة

يا مطرنَنِ شِلِباطُ  (يا مذهول)

تُن حزين تنِ بناطُ (إنك مكروب)

ترى اليوم وَشْطاطُ (ضائعاً)

لم تذقى فيه غير لقيمة

بهذه اللغة نظم ابن قزمان - أبو نؤاس الأندلسى -  أزجاله، فطار صيتها إلى مشارق الأرض ومغاربها، وتأثر بها

الشعراء الأوربيون فى تأليف الأغانى الشعبية لا سيما شعراء    (التروبادور)  وعلى رأسهم   (الكونت ده بواتيي)  البروفنسالى نشأ الشاعر فى قرطبة وتوفى أوائل النصف الثانى من القرن  السادس بعد أن تجاوز الثمانين سنة قضاها متنقلاً، بين إشبيلية  وجيَّان وبلنسيه كان طويل القامة أشقر الشعر، أزرق العينين، تزوج،  ثم هجر زوجه لما لقيه فيها - وفى بنات جنسها - من المكر والخديعة:

أنا تايب يا لس نقول بزواج

ولا بجلوَ ولا عروس بتاج

لا رياسة غير اللعب بالزجاج

والمبيت برَّ والطعام والشراب

النسا، كما علمك، الهروب منهم غنيمة

لس نرى لوحدَ منهم ما بقيت فى الدنيا قيمة

وسوى تكن فعينى الجديدَ والقديمة

والبعيدَ والقريبَ والسمينة والدقيقة

عاصر من القواد يوسف بن تاشفين وابنه على وحفيده  تاشفين، ومن الأدباء ابن بسام صاحب (الذخيرة)  ومن  الفلاسفة ابن باجه وابن رشد

فى أزجال ابن قزمان يتقلص ظل التأثير الشرقى فى الأدب  الأندلسي، فلا أطلال، ولا دمن ولا صحراء ولا جمال نجد لها  ذكراً فى ديوانه، بل هو نفسه يستنكر احتذاء الأقدمين ويمعن  فى تعرية أزجاله من الإعراب، موجهاً لومه لأستاذه أخطل  ابن غارة لالتزامه له:

(ولما اتسع فى طريق الزجل باعي، وانقادت لغريبه طباعى  وصارت الأئمة فيه حولى وأتباعي، وحصلت منه على مقدار  لم يحصله معى زجال، وقويت فيه قوة نقلتها الرجال عن الرجال.  وصفيته عن العقد التى تشينه، ومهلته، حتى لان ملمسه، ورق  خشينه، وعربته من الإعراب. . . وجعلته قريباً بعيداً، وبلدياً  غريباً. ولقد كنت أرى الناس يلهجون بالمتقدمين ويعظمون

أولئك المتقدمين يجعلونهم فى السّماك الأعزل ويرون لهم المرتبة  العليا والمقدار الأجزل، وهم لا يعرفون الطريق، ويذرون القبلة  ويمشون فى التغريب والتشريق، يأتون بمعان باردة وأغراض  شاردة، وألفاظ شياطينها غمز ماردة، والإعراب وهو أقبح  ما يكون فى الزجل، وأثقل من إقبال الأجل. ولم أر أسلس

طبعاً وأخصب رَبْعاً - ومن حجوا إليه طافوا به سبعاً - أحق  برياسة فى ذلك والإمارة، من الشيخ أخطل بن غارة. فإنه نهج  الطريق، وطرق، فأحسن التطريق. ولو لم يكن له رحمة الله  من قوة التخيل وصحة المعارضة إلا. . . كقوله: أنا من أهل  البادية، ومعى دارا خالية، ملأ بدم الدالية. . . وليس اللحن  فى الكلام المعرب القصيد أو الموضح بأقبح من الإعراب  فى الزجل. ولو عاش ابن غارة، وأحضرنا وإياه سلطان وضمّنا  قصر، حتى يسمع الغرائب والأسمار لحار، ولعلم أن لنا قصب  السبق ولواء الغلب

سمى ديوانه   (إصابة الأغراض فى ذكر الأعراض)  وفيه  يصف أعياد المسلمين والمسيحين، ويفرط فى ذكر محاسن  الغلمان، وامتدح السكارى والمخمورين، ومجالس الشراب،  ولا يخفى تبرمه بالصوم:

تركيب الإنسان مذ كان لطيف

وبالصيام قد صرت نحيل ضعيف

رقيق أنا يابس. أصفر نحيف

يحملنى البرطال   (العصفور)  فى شان شاله

ولا سخريته بالفقهاء: اسمع اش قلَّى الفقي: توب، إن ذا فضول أحمق! كيف نتوب والروض ضاحك والنسيم كالمسك يعبق!؟ فطعن من أجل ذلك فى دينه، وكاد يقتل لولا أن لطف به  أحد القضاة من أصحابه

وهو إذ ينظم الزجل، لا يعبر فيه دائماً عن إحساسه  الشخصي، وإنما يؤلف الكلام لينشده المغنى على لسان ملك،  أو تاجر أو عبد مسترق أو امرأة. وقد يكون المغنى والمستمعون  كلاهما من المتسولين والمشعوذين والمحتالين، بل مما لا غنى عنه  أن يتألف منهم (الكورس)  لترديد (المركز)  كلما كف  المنشد عن الغناء، وقلما تحتجب - فى مثل هذه المحافل الشعبية - العيدان والمزامير والطبول والمصافق وغيرها من  آلات الطرب، مع الاستعانة بالرقص فى بعض الأحيان.

الديوان

يرجح أن الذى عثر عليه فى العراق هو   (روسو)  قنصل  فرنسا فى بغداد، ثم بيع للإسكندر الأول قيصر روسيا  سنة ١٨٢٥ فضم إلى المخطوطات الشرقية فى المتحف الأسيوى  بسان بترسبورج  (لنينجراد)  وبقى منسياً فيه إلى سنة ١٨٨١

حين كتب عنه   (البارون ده روزن) ، ثم نشره   (البارون ده  جونزبرج) بالتصوير الشمسى سنة ١٨٩٦، وضمنه وعدا  بإيراد سيرة الشاعر، وترجمة أزجاله ومقارنة لغتها بلهجات  الأندلس وشمالى أفريقية، خلال القرن السادس، ولكن  الموت أدركه سنة ١٩١٠، دون أن يفى بما وعد. ثم جاء بعده  المستعرب الإسبانى  (ريبرا) ، فألقى محاضرة عنه طبعت  سنة ١٩١٢ وفى عام ١٩٣٣ طبعه (نيكل)  فى مجلة الأندلس

بحروف لاتينية إلى المقدمة، فإنها بالرسم العربي، وعنى بذكره  بعد ذلك الأستاذ بلينسيا فى كتابه (تاريخ الأدب العربى  فى أسبانيا)  المطبوع سنة ١٩٢٨

وأخيراً يردد فى الدوائر الأدبية أن المسيو لاوى بروفنسال  شرع فى التأهب لنشره والديوان المطبوع بالتصوير الشمسى منسوخ بخط شرقى    (استكتبه لنفسه الأديب محمد بن أبى بكر القطان بصفد  المحروسة استحساناً له وغواية فيه)

اشترك في نشرتنا البريدية