الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

ابوحامد العرالي والعقل

Share

لا يمكن للباحث ان يفهم موقف الغرالى من العقل وان يدرك آراء الغزالي في شان قدرة العقل وسلطان العقل وحدود العقل في ميدان المعرفة ان لم يضف الى جميع العناصر التى استعرضناها فى سالف مقالاتنا ( ١ ) عنصرا جديدا هو ما يمكن ان نسميه " نظرية الحجب " عند الغزالى !

وانها لنظرية تمكن من وقف عندها وقفة وجيزة من ان يفهم ما هو الهم الذي كان هم الغزالى اذ اقبل على تحليلاته النفسية وما هو الطابع الذي طبعت به انظاره النفسية

قد اكدنا واثبتنا ان الغزالي حرى بان يعتبر علما من اعلام البحوث النفسية ليس في عصره فحسب بل ايضا فى كافة عصور ازدهار التفكير الاسلامى بفضل ما امتاز به من دقة فى التحليل ويقظة فى الطلب وبراعة فى النفاذ الى ادق اسرار الحياة الباطنة الزاخرة دواما واستمرارا بشتى الخواطر والاحاسيس والصور ! هذا لا ريب فيه .

ولكنه يجب علينا الآن ان نثبت انه لم يقبل على تحليلاته النفسية اقبال العالم الهادي البال ؟ المطمئن النفس ؟ المتمتع بكامل الصفاء المنفصل عن المادة التي يدرسها انفصال العالم الذى يدرس مثلا خصائص الحيوان او النبات او طبقات الارض او ما اشبه ذلك . بل نعرف انه انما اقبل على دراساته وابحاثه ليفوز بحسم الازمة المعنوية التى طرقت على نفسه طرقا اليما بغيضا . فكان يريد . من ابحاثه ودراساته لا الاهتداء الى معرفة مجانية تميط له اللثام عن اسرار النفوس وتمكنه من اشباع نهم عقلي صرف يل كان يقصد " تكدية حقائق " تشبع نهمه الروحى وتعبد البه الطمأنينة السليب والاعتدال الفقيد !

وهذا هو ما يعلل لنا ذلك " الطابع الخلقي " الذي تمتاز به تحليلاته النفسية عن التحليلات النفسية في العصر الحاضر

فالغزالي خلافا لعلماء النفس المعاصرين الراغبين في دراسة شؤون النفس دراسة

علمية صرفا كان انما ندرس النفس وشؤونها والعقل وخطاه وقدرته او عجزه وحدود سلطانه فى ميدان المعرفة ليستخلص من كل ذلك اصولا يعتمدها في حياته العملية والاعتقادية فيكون فى أمن من الغلط والضلال !

وانك لتستعرض استعراضا خاطفا كل ما سطرته يراعته عن شؤون النفس عامة وشؤون العقل خاصة فتجد ان موقف الغزالى يتارجح بين قطبين اثنين من دون ان يستقر لا فى هذا القطب ولا فى ذلك بل تجده حريصا كل الحرص اذا ما نظر في قطب على الا ينسى الآخر كي لأيلحد عن جادة الحق والصواب قيد انملة وكى لا يقع منه لا افراط ولا تفريط ، شانه فى ذاك شان " اهل الحق " ومن يدينون بالمنزلة بين المنزلتين او بالاقتصاد في الاعتقاد !

وليس من شك عندي في انه انما اهتدى الى هذين القطبين بفضل تاملاته في الكتاب وامعان النظر فيه امعان البصير المدرك لمقاصده وبفضل تنظيره بين ما جاء ؛ الكتاب وما تدله عليه الحياة الباطنة !

وليس من شك كذلك في انه انما عادت اليه صحة العقل والاعتدال الروحي والطمأنينة النفسية وبرد اليقين لانه فاز بان يتجاوز حجم الالفاظ وينفذ الى صميم المعاني ولانه انتهى الى ان ما جاء فى الكتاب انما هو الاعراب الصادق المبين عما تدلنا عليه التجربة النفسية حينما نحسن النفاذ الى اسرارها ونحظى بالتوفيق في الغوص عن زاخر ينابيعها المشعور بها وغير المشعور ، ونظفر بالقدرة على التمييز بين انوارها وظلماتها !

فما هما ذانك القطبان اللذان يتارجح بينهما فكر الغزالى اذ يحدثنا عين النفس ويشؤونها عامة وعن العقل وبشؤونه خاصة ؟ ! وكيف بين ان الكتاب والتجربة النفسية يتفقان فى شانهما وينير بعضهما بعضا وياتى كلاهما مصداقا للاخر ؟

اما القطب الاول فمجموعة ما جاء فى الكتاب عن النفس الامارة بالسوء وعن مثلها الى الكيد والكذب والنفاق والغدر والعجب والحسد ، عما ينبجس فيها من ضروب الوسوسة التى تنتسب الى الشيطان وعما يعمى القلوب او يميتها او يحجرها او يطبعها بطابع القسوة او يرين على الابصار من غشاوات وحجب ويحول دونها ودرك الحق

واما القطب الثاني فما جاء في الكتاب من ايات عديدة هن من بينات الكتاب

لا من متشابهاته فى التنويه بالتدبر والتبصر والاعتبار والتامل والنظر وعقل اشياء . الوجود باسره رائع التنويه وبليغه وواضحه مما لا يدع للشك مجالا ولا لللبس بابا !

ولا ريب فى ان الغزالى وقف من هذين القطبين موقف الحيرة بادي ، ذى بدء ثم اقبل باليقظته التى هى يقظه على شؤون النفس يسيرها بميله النفاذ فاذا به يجدها تشتمل على مجموعة من القوى المتداخلة المتماسكة الخادمة بعضها بعضا واذا به ينتبه الى ان نورانيها ينير ظلاميها ويستمد منه احيانا القوة واحيانا الضعف واذا به يقبل على تحليلها وتفكيكها لمعرفة اسرار تداخلها وتماسكها واذا به يستخلص من تحليله وتفكيكه نظرية نفسية شاملة يهمنا منها فى هذا المقال جزء ان : جزء سميناه " نظريه الحجب " اى ما يحجب النفس عن ادراك الحق وجزء نسميه نظريته في العقل وقدرة العقل وحدود العقل

قال الغزالي في كتاب " ميزان العمل " في فصل خصصه " لبيان مراتب النفس فى مجاهدة الهوى والفرق بين اشارة الهوى والعقل " :

" الفكرة مترددة بين الشهوة والعقل ، يخيم العقل فوقها والشهوة تحتها . فمتى مالت الفكرة نحو العقل ارتفعت وشرفت وولدت المحاسن واذا مالت الى الشهوة تسفلت الى اسفل السافلين وولدت القبائح

فالنفس الانسانية يتجاذبها اذن فى نظر الغزالى صنفان من القوى . صنف يجذبها الى فوق والآخر الى تحت . ولبست نظرية " الحجب " الا تحليلا للقوى التي تجذب النفس الى تحت فتنزل بها حسب عبارة الغزا الى افق البهائم وليست نظريته فى العقل سوى التحلل للقوى التى تجذب النفس الى فوق وترتفع بما على حد تعبيره لذلك الى افق الملائكة !

اما فيما يخص " القوى الظلامية " او الحجب التى تحول دون الحق فقد حصرها الغزالي فى اصول عديدة : منها حب الدنيا والجاه ومنها اتباع الهوى ومنها التكالب على زائف الرتب بين الناس ومنها الاغترار بالالفاظ وعدم الاهتمام الى المعاني والحقائق ، ومنها أشكال التقليد وضروب الالف وأصناف العادات ومنها ارتكاب المعاصى وكدورات الفواحش !

ولئن كان الغزالي لا يذكر متكلمي عصره وفقهائه الا بعبارات قاسية الى ابعد درجات القسوة احدانا فلان هذه العناصر جميعها او بعضها كان يحول دون اهتدائهم الى الحق !

قال عنهم فى الجزء الاول من كتاب احياء علوم الدين فى المقدمة :

" قد استحوذ على اكثرهم الشيطان واستغواهم الطغبان واصبح كل واحد منهم يعاجل حظه مشغوفا فصار يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا حتى ظل علم الدين مندرسا ومنار الهدى فى اقطار الارض منطمساوقد خيلوا الى الخلق ان لا علم الا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطعام او جدل يتدرع به طالب المباهاة الى الافحام او سجع مزخرف يتوسل به الواعظ الى استدراج العوام اذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام وشبكة للحطام !

وقال عنهم في الجزء الرابع من نفس الكتاب اثر تحليله لبعض اسرار الاعمال والنوايا : وهذا وامثاله مما يلتبس على اتباع الشيطان وان كانوا ارباب الطيالسة والاكمام الواسعة واصحاب الالسنة الطويلة ! . . .

وقال عنهم في " ميزان العمل " :

رايت جماعة اشتغلوا بالوعظ والتدريس والقضاء والخطابة وانواع الرياسة وهم فيه متبعون الهوى ويزعمون ان باعثهم الدين ومحركهم طلب الثواب ومنافستهم عليها من جهة الشرع وهى نهاية الحمق والغرور ! . . .

وقال عن جدلهم :

اما الخلافات المحضة ومجادلات الكلام ومعرفة التفاريع الغريبة فلا يزيد التجرد لها مع الاعراض عن غيرها الا قسوة فى القلب . . وتماديا فى الضلال وطلباللجاه وقال فيهم هذه الكلمة اللاذاعة : فعمى اكثر القلوب عن ابصار جمال الله وجلاله يضاهى عمى الخنفساء عن ادراك جمال النساء .

وصفوة القول فان الغرالي بذل مجهودا جبارا في سبيل تحليل القوى الظلامية التي تطمس نور العقول فكان لا ينفك يندد بتلك الحجب التى تجعل غشاوة على الابصار وتغلف القلوب بغلافات سميلكة فتصبح لا تفقه ولا تبصر ولا تتبين جلية الامور اوتقف من الدين موقف بعضهم من الجوز لا يعرف ان وراء قشره اللباب المطلوب ! قال الغزالى : من لم يصل من الجوز الا الى قشره يظن ان الجوز خشب كله ويستحيل عنده خروج الدهن منه لا محالة وهو معذور ولكن عذره غر مقبول !

امن الغريب بعد هذا ان يثير الترالي حربا عوانا على تلك الحجب وعلى من اكتتفتهم ظلماتها وكانوا المسؤولين عن الفوضى العقلية وعما نشأ عنها من اشتمال الازمة المعنوية للنفوس ؟

أمن الغريب بعد هذا ان يوجه بعد ذلك ثابت عزماته نحو ( القوى النورانية ) التى تجذب النفس الى فوق وترتفع بها الى افق الملائكة ؟

أليست تلك " القوى النورانية " فى النفس هي الفكر الذي قال عنه :

هو مفتاح الانوار او مبدأ الاستبصار . وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم ؟ أليست هي العقل الذي وضح مكانته من الشرع اذ قال :

الشرع عقل من خارج والعقل شرع من داخل وهما متعاضدان يا متحدان !

بلىء ولكنا حراص على اعطاء هذا بعض حقه من الشرح وزيادة التوضيح اذ لا

نريد القاء الكلام جزافا على سنة بعض الأقوام . نقول :

ان الغزالى اذ يستعمل كلمة العقل يعنى العقل مثلما اكتشفه هو خلال تحليله الحياة الباطنة اعنى انه وسيلة من وسائل التحليل والشرح والعرض لحقائق معلومة من قبل ووسلة للهجوم على الحق ولاقتناصه بوميض حدسه . العقل الذى يعنيه الغزالى منبع العلوم والمعارف ولقد بين الغرالى فى كثير من المواطن ان هذا العقل قابل لكثير من الدرجات مثلما تدلنا على ذلك التجربة النفسية .

فالعقل عند الصبى شىء وهو عند الراشد الجاهل شىء اخر . وهو عند من صقلت مداركه وربيت ملكاته شىء ثالث وهو عند العلماء انفسهم درجات كثيرة لتفاوت حظوظهم وانصبتهم من قوة الحدس العقلي .

وان تلك " القوة الحدسية " لتبلغ درجة عالية عند اولتك المجتهدين الذين لا يجود بهم الزمن الا بعد انقضاء عصور !

وانها لبالغة اقصى حدودها او اعلى درجاتها عند الانبياء .

وهنا ترتبط اواخر العلم باوائل الدين حسب عبارة جبران ! فالعقل الذي يحدثنا عنه الغزالى لبس عقلا طمست معالمه شتى الاهواء والجهالات والغشاوات فاصبح على حد تعبير الغزالي نفسه كالشمس التى ينكسف بعضها او كلها فيذهب نورها وبهاؤها بقدر ظلمتها . بل هو العقل المصقول ، هو العقل المزكبى بالتربية والبحث والاجتهاد والرياضة ، هو العقل الذى يستطيع ان ينفذ الى لباب الاشياء ولا يقف دون قشورها وليس معنى هذا ان العقل له سلطان لا حد له . فهو مفتقر الى الشرع مثلما

ان الشرع مفتقر اليه ولقد اعرب الغرالى عن هذا المعنى بابلغ عبارة اذ قال :

فالشرع اذا فقد العقل لم يظهر به شىء وصار ضائعا ضياع الشعاع عند فقد نور البصر والعقل اذا فقد الشرع عجز عن اكثر الامور عجز العين عند فقد النور

اشترك في نشرتنا البريدية