الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

ابو حامد الغزالي والاشعرية

Share

ابو حامد الغزالي من اعظم الشخصيات التى عرفها التاريخ الروحي الاسلامي بل هو من ابرز المفكرين الدينيين في العالم - قديما وحديثا - على الاطلاق !

امتزجت لديه الشواغل الفكرية بالشواغل الدينية امتزاجا عجيبا نادرا جعل من التراث الروحى الذي خلفه بين ايدينا " فكرا يتدين " او " دينا يفكر " فاصبحنا ازاءه لا نستطيع ان نغلب المفكر على المتدين او المتدين على المفكر ووجب علينا ان نعترف بان نجمه يلمع على نمط فريد في سماء الفكر وان نسجل انه قلما اتيح لعلم من اعلام السنة الاسلامية مثلما اتيح للغزالي - وهو شرف ليس بالقليل - ان يكون ضميره الحي اليقظ الخفاق هو ضمير السنة نفسها !

وانك لتستعرض الخصائص الفكرية التي بوأته مثل هذه المكانة العالية الممتازة فتجد فكرا جوالا بعيد الآفاق ، واسع المدارك ، غواصا في بحوثه على كل معضلة وكل دقيقة يقتحم الصعاب اقتحاما ويهاجمها مجابهة في غير ما تردد او حذر ، وتجد عاطفة جامحة تتعلق بالجوهري من الامور دون العرضي وبالاصلي دون الفرعي وبالباقي دون الزائل وبالزكي دون الدنس ! وتجد اخلاصا في القصد وصراحة في القول دون ادنى مراوغة او مؤاربة او مداجاة ! وتجد بالخصوص - فوق هذا وذاك - "حاسة"  لا تتوفر لجميع المفكرين بله لجميع الناس هي " اليقظة " وسط المعميات واسرار الحياة وهي " الأنتباه " لخيوط لا تراها كل العيون وان ربطت حسب عبارة جبران خليل جبران " بين اواخر العلم واوائل الدين "!

وهذه الحاسة هي " الحاسة الروحانية " فهي هي التي بوات الغزالي تلك المكانة الممتازة في الشرق الروحاني ايام كان للشرق روحانية . وهي هي التي

حملت الفنانين الايطاليين في القرن الخامس عشر على ان يصوروا صورة الغزالي - مثلما شاهد ذلك جبران - على جدران كنيسة من كنائس فلورنسا " بين صور غيره من الفلافسة والقديسيين واللاهوتيين الذين تعتبرهم ائمة الكنيسة في الاجيال الوسطى دعائم واعمدة في هيكل الروح المطلق !! " . وهي هي التي مكنت الغزالي من ان يكون له - ما كان له - من احساس قوي بكر بآيات الحياة والابداع والخلق في هذا الوجود ومن ان يعرب عن كل ذلك خلال انتاج خصب ضحم بلغة ماؤها زلال كماء البحيرات في اعالي الجبال بالرغم من ان سطورها وصفحاتها تدوي بما كان يدوي به المجتمع الاسلامي المبعثر الاوصال لمشتت العواطف والقلوب الممزق الاحشاء من اصداء المشاكل الدامية في ميادين الاخلاق والدين والسياسة !

لا ريب في ان شخصية الغزالي تملا افق التفكير الاسلامي منذ القرن الخامس هجريا ولا ريب في ان انتاجه الضخم عظيم الدلالة على ما بلغته الثقافة الاسلامية في عهده من سعة الافاق وتعدد النزعات وتشعب المسالك وعمق الاغوار وبليغ الاشارة الى ما وجب على الغزالي ان يبذله من جبار المجهودات كي يطلع على خفايا جميع تلك الافاق والنزعات والمسالك والاغوار وكي يهضم متنوع نتاجها ومختلف ثمارها وكي يوفق الا ان يميز فجها من فاضجها وخيرها من شرها وحقها من باطلها وكي يصفيها ويغربلها وينظمها فيما بعد تنظيم الفكر القوي المهمين على ما درس من مواد ومارس من حقائق وآختبر من شؤون وعالج من معضلات .

وانه ليمكن لك ان تعطف على الآثار العديدة التي تركها لنا الغزالي وان تحللها وان تدرسها من جميع جوانبها وانك لواجد فيها ما يرضي الفقية وما يرضي الاصولي وما يرضي المتكلم وما يرضي المتصوف وما يرضي الفيلسوف !

وانه ليكفيك ان تلقي بنظرة سريعة على سلسلة مؤلفاته العديدة الحلقات لتتبين انه لم يترك مادة من مواد التفكير الاسلامي او بابا من ابوابه الا خصه بعنايته ومنحه جانبا من اوقاته وتأملاته والف في مشاكله تأليفا او اكثر اثناء حياته العامرة . وهو لم يتناول موضوعا من المواضيع الا جدد قديمة وصفى عكره وانار ظلمته ووضح غامض سبله وبين غايته !

ومن البدهى انا لا نقصد استيعاب مختلف جوانب شخصية الغزالي ولا ان نقف عند جميع مؤلفاته نجمل فيها القول او نستخلص زبدتها او نستعرض ما اتى به فيها من جديد في شتى الفنون والميادين . وانما نريد ان نحصر همنا في موقفه من السنة الاسلامية المتأزمة في عصره وفى الطريقة التي سلكها في سبيل احياء علوم الدين وان نحاول تحديد العمل الذي كان عمله اذ تصدى لتحرير مذهب الاشعري تحريرا بلغ بفضله اوجه من حيث سعة الآفاق ومتانة الاركان ووضوح المبادي الفلسفية التي هي مبادئه !

وبعبارة اخرى فانا نرغب في ان نميط اللثام عما بين الاشعري والغزالي من وشائج روحية وعن وجه انتماء الغزالي الى الاشاعرة !

ولقد كنت كثيرا ما اسائل نفسي - أول عهدي بمؤلفات الغزالي منذ بضع سنين - عن السر الذي جعله ينضوى تحت لواء الاشعري في حين انه يبدو - لاول وهلة - اقوى شخصية واوسع آفاقا واعمق تفكيرا وارسخ قدما في الميدان الفلسفي ! أهو محض تواضع منه ام هو اخلاص لامام تقدمه ام هو الاعتراف له بالفضل اذ غذى بمقالاته ايام كان طالبا من طلبة الكلام والتوحيد على يدي امام الحرمين ابي المعالي الجويني الاشعري !

زد على ذلك ان الغزالي يفتح عهدا جديدا في تطور السنة الاسلامية من حيث ان اهل السنة قبله لم يصطدموا بالفلسفة الا خلال آثار المتكلمين ومقالات أهل الكلام والجدل في حين ان الغزالي سيصطدم بالفلسفة وبالفلاسفة امثال الفارابى وابن سينا مباشرة وسيطلع على آثارهم وسيهتم بالرد عليهم وهو ما حمله على ان يقول في كتابه " المنقذ من الضلال " : " ولم ار احدا من علماء الاسلام صرف عناية وهمته الى ذلك - يعنى الى دراسة الفلسفة في كتبها الفنية والرد على منتحليها مثلما فعل هو في كتابيه " مقاصد الفلاسفة " و " تهافت الفلاسفة " .

وهذا هو ما حمل ابن خلدون على ان يعتبر الغزالي تاريخا يدل على انتهاء الطريقة القديمة " في ميدان علم الكلام وبدء ما يسميه " طريقة المتأخرين " وشتان بين الامرين .

والملاحظ ان الازمة المعنوية في الاقطار الاسلامية لم تبلغ قط ما بلغته في

ايام الغزالي من سعة وتفاقم وعمق . ولعلها لم تحدث في نفس من النفوس ما احدثته في نفس الغزالي من بلبلة واضطراب وشك وآلام وانقسام النفس على النفس

ولعل الآداب العربية على الاطلاق ليس فيها اثر يضاهي تلك الوثيقة النفسية النادرة التي حررها الغزالي ليشرح لنا فيها في اسلوب بليغ جدا مؤثر جدا ما عاناه اثناء ازمته النفسية وما كابده وقاساه في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق مع تباين المسالك والطرق !

وتلك الوثيقة النفسية هي رسالة المنقذ من الضلال . قال الغزالي : " ان اختلاف الخلق في الاديان والملل ثم اختلاف الائمة في المذاهب على كثرة الفرق وتباين الطرق بحر عميق غرق فيه الاكثرون وما نجا منه الا الاقلون وكل فريق يزعم انه الناجي و " كل حزب بما لديهم فرحون " وهو الذي وعدنا به سيد المرسلين صلوات الله عليه وهو الصادق الصدوق حيث قال :

" ستفترق امتي ثلاثا وسبعين فرقة الناجية منها واحدة ! " فقد كاد ما وعد ان يكون ! آستيقظ الغزالي الى الحياة العقلية وسط هذا الخضم الزاخر من الآراء المتدافعة المتداخلة فكان اضطرابه الباطني وكانت حيرته وكان اندهاشه وذهوله وانكسرت عنه زجاجة التقليد على حد تعبيها واصبح من القائلين بتكافؤ الادلة بدليل قوله في " المنقذ من الضلال " : " فأعضل هذا الداء ودام قريبا من شهرين انا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال " .

وكان بدء التيه العقلي وبدء تحسس الوجود وشؤونه وطلب الحق ! وانما الذي اريد ان اقف عنده هي المزايا العقلية التي اظهرها الغزالي اثناء ازمته . فهي هي التي ستكون العربون الذي يضمن النجاح في ميدان البحث والاجتهاد وميدان التحسس والطلب !

واولا اريد تمجيد هذا " التعطش إلى درك حقائق الامور " الذي كان تعطيشه وارغب في التنويه بهذه " الحيوية العقلية " التي كانت له كالمهماز الذي لا برحم ولا ينفك يحثه ويلح عليه في الحث كي يواصل السير والداب والطلب . قال الغزالى في وصف حاله وشأنه :

" لم ازل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين الى الآن وقد أناف السن على الخمسين اقتحم لجة هذا البحر العميق واخوض غمرته خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور واتوغل في كل مظلمة واتهجم على كل مشكلة واتقحم كل ورطة واتفحص عن عقيدة كل فرقة واستكشف اسرار مذهب

كل طائفة لا ميز بين محق ومبطل ومتسنن ومبتدع : لا اغادر باطنيا الا واحب ان اطلع على بطانته ولا ظاهريا الا واريد ان اعلم حاصل ظهارته ولا فلسفيا إلا واقصد الوقوف على كنه فلسفته ولا متكلما الا واجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفيا الا واحرص على العثور على سر صفوته ولا متعبدا الا واترصد ما يرجع اليه حاصل عبادته ولا زنديقا معطلا الا واتجسس وراءه للتنبه لاسباب جرأته في تعطيله وزندقته " !

الا تستشف خلال هذه السطور آيات اليقظة العقلية في اعلى مظاهرها واروع صورها ؟ السنا امام ضرب من الشره يمكن ان نسميه " شره العقول " ثم اليس هو كجهنم يقول دائما وابدا : هل من مزيد ؟ وهل يمكن لمن كان له هذا الشره او هذا النهم وكان عقله يشع بانوار اليقظة ان يجمد على التقليد في شؤون الدين ؟ وان يبقى مرددا بطرف اللسان مع جمهور المقلدين ما لم يلمع نجمه من الاراء في الرؤوس الذكية وما لم يتفجر ينبوعه من الاحساسيس في القلوب الجامحة وما لم تنقدح ناره في زند العزم الصادق ؟ اليس الحق مع الغزالي اذ يقول في المنقذ من الضلال :

" لا مطمع في الرجوع الى التقليد بعد مفارقته اذ من شرط المقلد ان لا يعلم انه مقلد فاذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده وهو شعب لا يرأب وشعث لا يلم بالتلفيق والتاليف الا ان يذاب بالنار ريستانف له صنعة اخرى مستجدة ! " .

بمثل هذا الزاد من الراي الصائب لا يمكن للباحث الا ان يجد ضالته ولسالك السبيل الا ان ينتهى الى غايته ولقاصد الحق الا ان يبلغ واحتة ! فليكن الرحيل اذن ولتبدأ المغامرة فلا يمكن الا تكون خصبه مجدية وان تعثرت الخطى ببعض المواطن وأدمت الاقدام ببعض المسالك وعض الجوع الروحي النفس بنابه ببعض المفاوز !...

وليكن دائما نصب عينيك هذه النتيجة الغالية التي اسداها الينا الغزالي في آخر سطور كتابه " المنقذ من الضلال " اذ قال : " فلا خلاص الا في الاستقلال :

خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به         في طالع الشمس ما يغنيك عن زحل !

ولو لم يكن في مجاري هذه الكلمات الا ما يشكك في اعتقادك الموروث لتنتدب للطلب فناهيك به نفعا اذ الشكوك هي الموصلة الى الحق فمن لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في العمي والضلال !!" (١)

اشترك في نشرتنا البريدية