الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 115 الرجوع إلى "الثقافة"

اتحاد العرب

Share

اشتد اعتداد الناس بالعصبيات ، وغلوهم فيها ، وتقاطعهم بها في هذا العصر . وهذه الحرب التي تدمر كل شيء أتت عليه ، ويصلى بها جُناتها وغير جُناتها , أدت إليها أسباب أولها الغلو في العصبيات .

والغلو في العصبية يملك على صاحبه عقله ورأيه ، ويصرفه بالهوى والأثرة ، فلا يعترف بالحق إلا بمقدار ما بينه وبين عصبيته من سبب . الحق والعصبية الغالية لا يجتمعان ، كما قال الشاعر الفارسي الصوفي سنائي : " لا تستطيع الاستقامة على طريق التوحيد بقبلتين ، فإما رضا الحق وإما هوى النفس " .

فلست حين أتكلم عن قومنا العرب بمشتط أضعهم فوق البشر ، وأضع كل من خالفهم في الدرك الأسفل . لستُ بذاهب مذاهب الذين يدَّعون أن أممهم مهد الحضارات ، ولغتهم أصل اللغات ، وجنسهم فوق الأجناس ، ولا مذاهب الذين يدَّعون أن كل خير في العالم إليهم مرجعه ، وكل فضل منهم مبدؤه . ولا أن يكون إليهم منتهاه .

لا أريد إلا كلمة حق وإنصاف تنير لناشئتنا السبيل ، وتوضح لهم المنهاج ، ليسيروا على طريق لاحب إلى غاية معروفة .

عرف التاريخ منذ وعى أحداث الأمم ، وسجَّل وقائعها أن موطن الأمم السامية ما بين بحر العرب وجبال طوروس ، من الجنوب إلى الشمال ، وما بين دجلة إلى بحر الروم وبيداء سيناء من الشرق إلى الغرب ، وقد عاش العرب منذ أولية التاريخ في هذا الموطن ، وامتدَّت بهم

الهجرة في كل الأرجاء ، حتى اتسع موطنهم غربًا إلى بحر الظلمات ( المحيط الأطلسي ) وجنوبًا إلى بلاد السودان وسواحل أفريقية الشرقية . وهم اليوم في هذا الموطن الفسيح يحتلون خير بقاع العالم .

وقد خلطهم الإسلام وحوادث التاريخ بجماعات هاجرت إلى بلادهم وهاجروا هم إلى بلادها . وبقيت هذه الأمة القوية الكبيرة بين الجزر والمد في هذا الموطن . ولا ينبغي أن يتلجلج سكان البلاد العربية في أمرهم ، أو يختلفوا في أصولهم ويتنابذوا بالعجمة ، فيقال هذا عربي الأصل وهذا غير عربي . فكل من اتخذ بلاد العرب دارًا ، ولغة العرب لسانًا ، ورضى العرب قومًا وشاركهم في آمالهم وآلامهم فهو عربي ؛ كما أن العربي الذي يذهب إلى بلاد غير عربية ويتكلم بلغتها ويتحضر بحضارتها ، ويلبس عصبيتها ، يعد منها . له ما لأهلها من الحقوق وعليه ما عليهم من الواجبات .

ولن يمكن أحداث الزمان أن تغلب الأمة العربية في مواطنها ، وتمحو عروبتها ، فهي أمة خالدة خلود الدهر ؛ ذلكم بأن لهذه الأمة الكبيرة منبعًا عربيًا خالصًا يمدها بالفيض بعد الفيض ، على مر الزمان . جزيرة العرب موطن محتجز عن الأمم الأخرى بحدوده الطبيعية : البحار من ثلاث جهات ، والصحاري والجبال من الجهة الأخرى . وقد أرسلت هذه الجزيرة في غيب التاريخ جماعات بعد أخرى تنزل البلاد الذي اتخذها العرب موطنًا قبلًا أو تحل مواطن جديدة . وما زالت في عصور التاريخ حتى اليوم فياضة مدادة ، تلد العربي الحر القح ، وتنشئه ثم تحفظه في أرجائها أو ترسله مددًا قويًا خالصًا إلى المواطن الأخرى . فإذا ضعفت الأمم بالاختلاط ، أو

فسدت بالحضارة فاسحت ، فستبقى الأمة العربية حافظة خصائصها ومزاياها ما بقى هذا المصنع البشري يصنع لها الأجيال بعد الأجيال - ما بقيت هذه الجزيرة الخالدة .

هذه الأمة العظيمة الخالدة التي تنزل هذه المواطن الفسيحة ، لها على اختلاف الديار أسباب تربط بينها ، وتوحد جمعها ، وتجد طريقها وتبين غايتها . للأمة العربية ما بين دجلة والمحيط الأطلسي ، أواصر تجعلها أمة واحدة على اختلاف الأرجاء وتباين الأحوال :

أ - هي أمة ذات لغة واحدة تعرب بها عن أفكارها وعواطفها ، وتقرأ بها ما أدركه آباؤها من علم وأحسوه من عاطفة . وقد اختلفت لهجات اللغات العامية ، ولكن بقيت الفصحى لغة جامعة ، تجعل جرائد بغداد مقروءة مفهومة في فاس وشنقيط . وقد خابت دعوة الطامعين في تفريق هذه الأمة بتبلبل ألسنتها ، وإحلال اللهجات العامية محل اللهجة الفصحى . وليست هذه الفصحى لغة الخاصة من المتعلمين فحسب ، بل هي لغة العامة في كل بلد ، يسمعونها فيفهمونها . وهل تعرف بلدًا عربيا لا تفهم عامته القرآن ؟ والناس في ارتقاء إلى اللغة الفصيحة مستمر ، وسيأتي يوم لا تفترق فيه العامية منها إلا بالإعراب أو أمور أخرى يسيرة .

ب - وللأمم العربية أدب قوي غني يغذو عواطفها ويقوي آمالها ، ويطمح بها إلى جلائل الأمور ، ويمتعها بهجة الحياة . وهذا الأدب يزخر في أرجاء بلادها وعصور تاريخها منذ أمد بعيد ، وهو أدب جامع يتناول كبائر أمورها وصغائرها ، ويحفظها أن تتحلَّل من أواصرها ، أو تزول من مكانتها على كر الدهور . وقد جاوز المواطن العربية إلى بلاد أخرى ، اتخذته أدبًا لها ، ولا يزال مدروسًا معروفًا في بلاد الفرس والترك والهند . وقد صبغ الآداب الإسلامية كلها بطابعه ، فقربت منه وتقاربت فيما بينها . وحسبك بهذا الأدب القوي حياة وإلهامًا وعزًا وإباءً

وسيرًا إلى الغايات ، وارتقاءً إلى المعالي . حسبك به جامعًا أشتات الآمال كما تؤلف السحب من البخار المنتشر ، ثم تهطل فتكون غيثًا محييًا ، وسيلًا جارفا ، ثم تكون على الأرض حياة ونضرة .

أدب الجاهية القوي قوة رجل الجزيرة ، الناضج نضج سهوبها ، العالي علاء جبالها ، ما يزال يوحي إلى قلب كل عربي فروسية عنترة ، وفتوة امرئ القيس ، وحكمة زهير ، ورجولة لبيد ، وجود حاتم ، وغير أولئك من أدب الفطرة القوية ، والإحساس المرهف .

والأدب الإسلامي في عصوره المتطاولة ، ودياره المترامية ، ما بين بغداد وقرطبة ، أجل من أن يحيط به وصف ، وأروع من أشير إلى جماله وجلاله في هذا المقام . ج - ولهذه الأمة الكريمة تاريخ وضاء رائع ، جليل جميل ، مرعُوب مرهوب .

ولست أغلو فأبدأ بتاريخ بابل وأشور . ولا أبعد فأذكر تاريخ اليمن القديم وما وعت الرواية ، وكشف البحث من آثار العرب في الجاهلية . ولكني أكتفي بما فيه كفاية كل نفس عظيمة طماحة مجاهدة جاهدة . أذكر بتاريخ العرب في عصور الإسلام ، التاريخ الذي طوى ما بين الصين وبحر الظلمات في حقبة قصيرة ، ولف الممالك في راية صغيرة . وجمع في همة العرب ، وعدل العرب ، أممًا وبلادًا وحوادث لم تجتمع لغيرهم في أضعاف زمانهم . تقاربت جنبات الأرض واجتمعت

في همة العرب أقطار وأمصار

كأن ما بين بغداد وقرطبة

على الخريطة أفتار وأشبار

فما تطمح النفس الطماحة إلى إمام في الأخلاق ، أو قدوة في العدل ، أو مثل في الحرب ، أو بطل في أمر من أمور الحياة إلا قابلها تاريخ العرب بما يردعها ويدفعها في سبيل المجد إلى أبعد الغايات . ( للكلام صلة )

اشترك في نشرتنا البريدية