الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 704الرجوع إلى "الرسالة"

اتحاد شمال أفريقيا

Share

مضى عصر الموت والانحلال في شمال أفريقيا وبدأ عصر  جديد يلوح في الأفق، وبذلك لا تضيع السنوات الطويلة التي  قضاها في الكفاح سدى. وقد تطورت قضايا تونس والجزائر  بحيث أصبح من المستحيل تجاهلها. فلأبواق الاستعمار أن تزعم  ما تشاء، وللسلطات المحلية أن تتصرف كما تريد، فإن الفترة  الحالية لن تدوم طويلا. إن حالة الضغط والاضطهاد والفوضى  التي تشمل اليوم هذه الأقطار العربية الشقيقة، إنما هي  مظاهر انهيار يشق طريقه إلى القبر بخطى حثيثة، أما هذه النهضة  الوطنية المكافحة الصابرة فهي طليعة عصر جديد. ذلك أن قضايا  شمال أفريقيا تخرج من حدودها الضيقة المحدودة، إلى حدود  أوسع لم يكن لها عهد بها من قبل، فصوتها يرتفع اليوم في  العواصم العربية كلها كما يرتفع في باريس ولندن ونيويورك،  وليس هناك من يستطيع أن يقف في وجه شعب صمم على أن  يعيش مهما كان الثمن الذي يدفعه في سبيل أن يعيش.

وللاستعمار القاسي الشديد مساوئ لا تحصى، ولكن له  حسنة في هذه البلاد، فقد عرف الناس بواسطته أن الحديد لا يفله  إلا الحديد، ولذلك لم يوجد فيها من يحاول اصطياد الفرص لأنه  لا توجد فرص، وإنما عبأوا جهودهم للمقاومة الطويلة الحافلة  بالصبر والكدح والشقاء، فأكسبهم ذلك قوة قل أن يتسلح بها  شعب دون أن تصل به إلى النجاح، وبذلك برهنوا على أن  بلادهم - بالرغم مما قاسته - غير قابلة للموت.

أضف لذلك أن الوضعية في شمال أفريقيا غير طبيعية،  فالناس فيها يحكمون بأساليب بعيدة كل البعد عن أن ترضى  ما يصبون إليه بعد أن تعرفوا إلى الحياة الحديثة، ونزعوا إلى  الحرية والاستقلال. وإذن فليس هناك بد من أن تتغير الحالة  الحاضرة سواء رضي السادة المستعمرون أم كرهوا؛ ذلك أنهم  يقفون في وجه التاريخ، ولن يكون من اليسير الوقوف في وجه  التاريخ طويلا. . .

ولست أكتب هذه الكلمة لأتحدث عن الإستعمار الفرنسي

ومساوئه الشهيرة، وإنما أريد أن أتحدث عن نوع النظام الذي  يجب أن تخضع له هذه البلاد الشاسعة بعد أن يزحزح التاريخ  هؤلاء السادة الواقفين في وجهه. ما هي قواعد السياسة في شمال  أفريقيا الحرة؟ هل يظل التقسيم الحالي قائماً أم يقوم مقامه اتحاد؟

يظن كثير من الناس أن تقسيم شمال أفريقيا الحالي يرجع إلى  الاستعمار الفرنسي، وهذا ليس بصحيح. فقد عرفت شمال  أفريقيا على  هذا النظام منذ زمن بعيد، حتى قبل الإسلام خضعت أجزاؤه المختلفة إلى مقادير متباينة، بحيث لم يستطع أحد أن  يوحده في ظل الحرية أو الاستعمار، إلى أن جاء الإسلام، ولم  يكد ولاة القيروان يوحدون تلك الأراضي حتى تصدعت هذه  الوحدة من جديد. ويكفي أن نقول إن شمال أفريقيا في تاريخه  الإسلامي الطويل لم يتوحد إلا مرتين، أولاهما في عصر  الفاطميين إلى أن رحلوا إلى مصر، وثانيتهما في عصر الموحدين  ملوك مراكش إلى أن انفصل عنهم بنوا زيان في الجزائر، وبنوا  حفص في تونس، وهكذا تصدعت وحدة شمال أفريقيا لآخر مرة  في القرن السابع الهجري بعد أن لم يكتب لها النجاح في المحاولتين  اللتين أسلفنا الإشارة إليهما. وكان هذا على أساس قيام ثلاث  دول هي مراكش والجزائر وتونس، وقد ظل الأمر على ذلك  منذ هذا الحين.

ذلك هو التاريخ، وهو دون شك عامل حيوي لا يحمل  إغفاله. بيد أن ظروف الحياة في العصر الحديث قد تغيرت وبات  نظام العالم يدعو إلى قيام كتل دولية كبيرة، تقوم على أساس  التعاون وتبادل المنفعة. فإذا أعدنا النظر في اتحاد أو وحدة شمال  أفريقيا على ضوء هذا استطعنا أن نلاحظ أشياء جديدة.

هذه البلاد شديدة التشابه من الناحية الجغرافية؛ فهي مثل  الجزيرة الخصبة المحصورة بين رمال الصحراء في الجنوب والشرق،  ومياه البحر في الشمال والغرب. والاختلاف في الظواهر الطبيعية  بينها جميعاً يشبه اختلاف هذه الظواهر في كل قطر على حدة.  ولذلك فإن هناك تشابهاً كبيراً بين السكان في الجنس والعادات  والخلقة والتنوع.

ولا توجد حدود طبيعية بين هذه الأقطار، ولذلك ظلت  حدودها مطاطة وغير مستقرة خلال عصور التاريخ.

وتاريخها شديد الارتباط في حوادثه بالرغم من انفصالها

السياسي، وأغلبية السكان الساحقة مسلمون وهم متشابهون في  ظروف الحياة، ومستوى الفكر، وتركيب العقلية، وكل  اختلاف في طبائعهم يرجع إلى عوامل استثنائية لن تلبث أن تزول  مع انهيار الأنظمة الحالية. أضف إلى ذلك خضوعها في العصر  الحديث لدولة واحدة هي فرنسا - مع استثناء الجزء الشمالي  الصغير من مراكش الخاضع للنفوذ الأسباني ولا يتعدى سكانه  المليون نسمة - ومهما تتعدد الأنظمة وأسماؤها، فقد اصطبغ  الاستعمار الفرنسي فيها بصبغة واحدة، لا يختلف في جوهره  مطلقاً. قام فيها بإصلاحات مادية واحدة، وأثار فيها مشاكل  واحدة أيضاً، هي مشكلة العنصرية ونزع الأراضي وكبت  الحريات العامة ومحاولة التوفيق بين التقدم الاقتصادي والاستثمار  وبين الحيلولة دون تطور الأهالي واستفادتهم من التقدم  الاقتصادي، فنتجت عن ذلك حالة واحدة متشابهة.

ثم إن الموقف الفرنسي إزاء أماني هذه البلاد القومية موقف  واحد وهو موقف الحريص على الاحتفاظ بكل شيء وعدم التسامح  حتى في المسائل الصغيرة التي لا تقدم ولا تؤخر في صميم النظام الحالي.

وقد قلنا ونحن معتمدون على طبيعة الحياة وقانون التطور  - إن هذه البلاد سوف تحقق أمانيها القومية مهما فعل الفرنسيون.  فالسؤال الذي نريد أن نطرحه الآن هو: هل في استطاعة هذه  الأقطار أن تكون بعد تحررها من النظام الحالي دولة واحدة أو  أن تؤلف اتحاداً سياسياً؟.

لقد رأينا أن التاريخ لا يقدم إلينا أمثلة مشجعة على التفكير  في قيام دولة واحدة مؤلفة من شمال أفريقيا العربي، ولذلك فنحن نرى استحالة قيامها في المستقبل القريب. أما ما يمكن أن  يقوم فهو (اتحاد شمال أفريقيا العربي)  وهو مشروع يجب  إطالة التفكير فيه، ومحاولة بنائه على أسس مستمدة من التاريخ

كان هذا الاتحاد متعذراً في الماضي يوم كان التاريخ لا يسمح  به لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها في هذه العجالة. أما اليوم فإن  المآسي الحديثة قد صهرت هذه الأقطار، وقربت فيما بينها،  وجعلتها تفكر في مشاكل واحدة، وتقاسي أرزاء واحدة،  وتكون على اتصال دائم بحكم النظام المتشابه الذي تخضع له،  وتبعيتها لدولة واحدة في العصر الحديث.

كان سقوط الجزائر بيد الأتراك إيذانا بسقوط تونس في  يدهم أيضاً. ثم سقطت الجزائر مرة أخرى بيد الفرنسيين فكان

سقوطها مقدمة لسقوطهما جارتيها معاً. وإذن فإن من أبسط  الدواعي إلى قيام (اتحاد شمال أفريقيا العربي)  هو أمن هذه  البلاد الإجماعي في المستقبل. وليس ذلك لأنها لن تستطيع الدفاع  عن نفسها منفردة، ولكن لأن الحدود بينها ليست طبيعية  ولذلك لا يمكن أن يبنى الدفاع عن واحدة إلا على أساس الدفاع  عنها جميعها. والحرب الأخيرة نفسها تقدم إلينا أسطع مثال على  هذا، إذ كان مصير هذه الأقطار واحداً حين انتصر الألمان،  وواحداً حين انتصر الحلفاء، وعجز المارشال رومل عن الصمود  في تونس أمام جيوش الحلفاء التي احتلت الجزائر ومراكش.

وعلى ذلك فنستطيع أن نصل إلى نتيجة منطقية سليمة هي  أن شمال أفريقيا  لن يستطيع أن يكون إلا مجتمعاً؛ وسوف يكون  اتحاده مصدر قوة، ولن تتمتع واحدة من بلاده باستقلالها كاملا ما دامت إحدى جارتيها محتلة بالجيوش الأجنبية. وإن السبيل  الوحيد إلى ذلك هو قيام   (اتحاد شمال أفريقيا العربي) .

وإلا فسوف يكون من سخرية الأقدار أن يجمع بينها  الاستعمار ثم يعجز عن ذلك الاستقلال.

اشترك في نشرتنا البريدية