( ١ ) كان الأمر فى مصر قد انتهي - فى أواخر القرن الثامن عشر - بقوتين من ثلاث : وهما قوة الباشا ، وقوة الديوان ، إلى الضعف العام ، والانحلال الشامل ؛ كما انتهى بالقوة الثالثة ، وهى قوة المماليك ، إلى نوع من الانتعاش والصحو ؛ لهذا نجد أن هذه القوة هى التى تتولى أمر الدفاع عن مصر أمام خطر الغزو الفرنسى ؛ ولكن المماليك اصطدموا هذه المرة بغرب غير ذلك الغرب الذى عرفوه فى الحروب الصليبية ، وسرعان ما رأوا أن لا أساس لما زعموه " من أنه إذا جاءت جميع الأفرنج لا يقفون فى مقابلتهم ، وأنهم يدوسونهم بخيولهم " ، فكان هذا الجيش الجديد الآتى من الغرب الجديد يتبع نقلا جديدة ، ويستعمل أسلحة جديدة ، ويقوده شاب يمتلىء شجاعة وإقداما وأملا ، فلم يكن من الممكن ، أو من المحتمل أن تقف أمامه فلول المماليك - رغم شجاعتهم الشخصية - بنظامهم الفروسى القديم ، وخططهم العتيقة - خطط الكر والفر - وسلاحهم البالى من سيوف ورماح ونبال . . . . الخ
هزمت جيوش المماليك ، وتفرقت جنودهم شيعا تلوذ بأذيال الفرار شرقا نحو الشام ، وجنوبا نحو أقاصى الصعيد وبلاد النوبة والسودان ؛ ولهذا نستطيع أن نقرر أن الحملة نجحت من الناحية الحربية ، ولكنه كان نجاحا وقتيا لم يلبث أن انكشف عن صعوبات جديدة ، ومعارك جديدة ، يقوم بها عصبة من الأعداء ، إذ لم يكن من اليسير أن تتنازل فلول المماليك عن غنيمتهم بهذه السرعة ، ولم يكن من السهل أن يترك السلطان مصر - درة تاجه -
للفرنسيين دون أن يناضل فى سبيلها - ولو بجهد المقل - ولم يكن من الجائز عقلا فى شريعة إنجلترا أن تلقى لفرنسا الحبل على الغارب تستولى على هذا الشريان الذى يصل بين قلبها وبين أطراف الامبراطورية فى الشرق ، ولم يكن من المقبول أخيرا لدى سكان مصر أن يضع هؤلاء الفرنج أيديهم على بلادهم ، وهم هؤلاء الكفرة الذين يشربون الخمر ، ويراقصون النساء ، ويرتكبون المنكر عيانا ، وهم الذين يفيدون من حرياتهم يوما بعد يوم فيمنعونهم الدفن فى منازلهم ، ويأمرونهم بكنس الشوارع ورشها وإنارتها ليلا ، ويهدمون أبواب حاراتهم ، ويزيلون أسقف أسواقهم ، ويسجلون مواليدهم وموتاهم ، ويفرضون عليهم الضرائب . . . الخ
وثارت هذه القوى جميعا ضد الفرنسيين ، ولكل يغيتها وأمنيتها ، وظلت الحملة الفرنسية سنوات ثلاثا تناضل نضالا عنيفا حتى عجزت فخضعت ثم خرجت .
غير أن فريقا آخر من رجال الحملة نجح نجاحا مشكورا فى مهمته التى ألقيت على عاتقه ، ذلك هو فريق العلماء المرافقين للحملة ، فقد كان الجنود يحاربون ويناضلون فى الصحراء وفى المدن ، وفى القرى ، وهؤلاء العلماء عاكفون على أبحاثهم وآلاتهم وكتبهم يدرسون تربة مصر ، ونباتاتها ، وحيوانها ، وطيرها ، ونيلها ، ومعادنها ، وطرقها ، وأسواقها ، وصناعاتها ، ومجتمعاتها ، وآثارهاالخ . ثم يسجلون فى دفاترهم نتائج أبحاثهم هذه كلها لتكون الرصيد المختزن المؤلف العظيم الذى يضمونه عن مصر بعد خروج الحملة ، وهو كتاب وصف مصر "Description de l'Egypte"
وكان الناس فى مصر يشاهدون هؤلاء الفرنسيين يتنقلون فى القرى والمدن يقلبون أنظارهم فى كل شىء ، ويخضعون كل ما يرون ويشاهدون لبحثهم وآلاتهم، ويسألون
ويقيددون ، فلفت أنظارهم هذا الفضول ، ولكنهم لم يلبثوا أن انصرفوا عن هؤلاء الفضوليين ، وجذبتهم شئون حياتهم الخاصة .
هذا كان موقف عامة مصر من علماء الحملة . أما موقف علماء مصر فكان مغايرا لهذا ، فقد اتصلت الأشباب بينهم وبين رجال الحملة بعد أن هدأت المعارك الأولى ، وأسفرت عن فرار هؤلاء المماليك الذين كانوا سوط عذاب مشهرا على المصريين منذ أمد طويل ؛ فهم من جانبهم رأوا أن حملتهم قد تخلوا عنهم وفروا هاربين ، ونابليون من جانبه كان يرى - كما قال فى مذكراته - أنه لكى يسوس " هؤلاء الناس - أى المصريين - لا بد من وسطاء يسعون بيننا وبينهم ، وكان لابد أن نقيم عليهم رؤساء وإلا أقاموا رؤساءهم بأنفسهم ، وقد فضلت العلماء وفقهاء الشريعة لأنهم ؛ أولا - كانوا كذلك - أى رؤساء بطبيعتهم . وثانيا - لأنهم كانوا مفسرى القرآن ، ومعروف أن أكبر العقبات تنشأ عن أفكار دينية . وثالثا - لأن للعلماء خلقا لينا ولأنهم - دون نزاع - أكثر أهل البلاد فضيلة ، لا يعرفون كيف يركبون حصانا ، ولا قبل لهم بأى عمل حربى ، وقد أفدت منهم كثيرا واتخذت منهم سبيلا للتفاهم مع الشعب ، وألفت منهم الديوان . . . "
وتكون الديوان من أطهر مشايخ المصريين يرأسهم الشيخ عبد الله الشرقاوى ، وكان له شأنه الخاص - من الناحية السياسية - فى حكم مصر تحت نفوذ الفرنسيين وكون علماء الحملة مجمعهم وأقاموا عددهم وآلاتهم وأعدوا مكتبتهم ، وتوفروا على أبحاثهم ؛ وجذب هذا كله بعض المستنيرين من علماء مصر كمؤرخ مصر وقتذاك الشيخ عبد الرحمن الجبرتى . بل إنهم " كانوا إذا حضر إليهم بعض المسلمين ممن يريد الفرجة لا يمنعونه الدخول إلى أعز أماكنهم ، ويتلقونه بالبشاشة والضحك وإظهار
السرور بمجيئه إليهم ، وخصوصا إذا رأوا فيه قابلية ، أو معرفة ، أو تطلعا للنظر فى المعارف ، بذلوا له مودتهم ومحبتهم ، ويحضرون له أنواع الكتب المطبوع بها أنواع التصاوير ، وكرات البلاد ، والأقاليم والحيوانات ، والطيور والنباتات ، وتواريخ القدماء ، وسير الأمم ، وقصص الأنبياء بتصاويرهم وآياتهم ومعجزاتهم ، وحوادث أمسهم ، مما يحير الأفكار " .
وطاف الجبرتى بحجرات المجمع وأروقته ، ووقف عند كل مشهد جديد ، ولدى كل كتاب طريف مشدوها مفتوح الفم من الدهشة والعجب ، ولم يسعه - وهو المؤرخ الثقة - إلا أن يثبت وصف ما رأى فى تاريخه معلنا دهشته وإعجابه وعجزه - وهو كبير من علماء مصر وقتذاك - عن فهم هذه الآلات والعدد ؛ فهو قد نشأ بالأزهر ، وتلقي فيه العلم ، والنمط الذى كان يتبعه طلاب العلم فى مصر وقتذاك ساذج بسيط وإن كان متعبا فى نفس الوقت ؛ فالطالب يجلس فى السجد ، أو فى داره ، وينحنى على كتاب مخطوط كلما أراد أن يقرأ ؛ فإذا دخل الجبرتى بعد ذلك مكتبة المعهد ، وشاهد نظام المطالعة الجديد الدقيق أعجب به ، ووصفه بقوله " وفيه جملة كبيرة من كتبهم ، وعليها خزان ومباشرون يحفظونها ، ويحضرونها للطلبة ومن يريد المراجعة ، فيراجعون فيها مرادهم ، فتجتمع الطلبة منهم كل يوم قبل الظهر بساعتين يجلسون فى فسحة المكان المقابلة لمخازن الكتب على كراسى منصوبة موازية لتختاة عريضة مستطيلة ، فيطلب من يريد المراجعة ما يشاء منها ، فيحضرها له الخازن ، فيتصفحون ، ويراجعون ، ويكتبون ، حتى أسافلهم من العساكر . , "
ثم يطاف الجبرتى بعد هذا بأقسام المجمع المختلفة الخاصة بعلماء الفلك والكيمياء والطب ، ووصف ما بها من عدد وآلات وصور ، وما أجرى أمامه من تجارب وصفا رائعا
ختمه بقوله : " ولهم فيه أمور وأحوال ، وتراكيب غريبة ينتج منها نتائج لا تسمها عقول أمثالنا " .
وبمضى الوقت قويت الصلة بين الجبرتى ورجال الحملة الفرنسية فى مصر ، وكان الديوان قد عطل إبان المفاوضات بين الفرنسيين والأتراك لعقد معاهدة العريش ، فقد كان الفرنسيون معتزمين الرحيل إذا نفذت المعاهدة ، لكن المعاهدة نقضت ، ومع هذا ظل الديوان معطلا ، ولم يفكر " كلبير " فى إعادته ؛ فلما قتل ، وانتقلت القيادة إلى " ميتو " أعاد الديوان فى صورة غير صورته ايام " نابليون " وليس فيه كما يقول الجبرتى : " خصوصى وعمومى . . . بل هو ديوان واحد " ، وكونه من " نسمة أنفار متعصمين لا غير ، وليس فيهم قبطى ، ولا وجاقلى ، ولا شامى "،
واختبر مؤرخنا الشيخ عبد الرحمن الجبرتى عضوا فى هذا الديوان ، وأشار إلى نفسه عند ذكر أسماء الأعضاء بقوله : " وكانيه " بعد ذكر اسم الشيخ الصاوى ، مما جعل البعض ينكر اختياره عضوا فى الديوان ، ويظن أنه بقصد يلفظ " كاتبه " كاتب الشيخ الصاوى غير أنه مما يؤيد اختياره عضوا فى الديوان أن جريدة " الكوربيه دليجيبت " Courier De l'Egypte" التى كانت تصدر فى مصر وقت وجود الحملة بها نشرت فى العدد ٩١ الصادر فى ٥ افريمبر من السنة التاسعة (ديسمبر ١٨٠٠ ) رسالة ودية أرسلها أعضاء الديوان وقتذاك إلى نابليون القنصل الاول فى فرنسا ، وفى أسفل الرسالة توقيعات أعضاء الديوان جميعا ومن بينها توقيع الجبرتى .
( للبحث بقية )

