الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 185الرجوع إلى "الثقافة"

اخت

Share

وعمت وجهها نحو الدار في بطء وتثاقل كأنما كانت في جناز أو أشد وقعا . وكأنما حيل بينها وبينه . أو كأنما خشيت ما توهمته حقيقة ، أو ليس ما وقع حقيقة أو ما كان بينها وبين الموت خطوة أو بعضها ؟ اما كان هناك مركبة ترام قد كادت تأتي على ما بقي فيها من حياة ، حتى كان ذلك البائع الجائل فافتداها بعربة كانت هناك .

أجل . كان كل ذلك حقيقة . وهي عينها ما جعلتها في شبه غيبوبة . وجعلها تتهالك وهي تسير في إعياء ظاهر وجهد كبير . .

ما قد يكون من أمر أخوات تعسات وأم فانية عجوز . بل ما قد يكون من أمر أخ كرست له جل عمرها ، وجعلته أملا لعله أن يخلفها على أخوانها ، وان يعوضها عن فقد أبيها وعما سلف خيرا . . وما إن تمثلت ذلك حتى انقبض ما بين صدرها في اسي ولوعة . وحتي وصلت الدار وهي أشد لهفة لتري من اضحوا من نفسها أقرب لنفسها . . ودخلها ، فتفر إليها الصغار في براءة وجذل يسألونها ما حملته لهم من حلو ولعب ، فخبيت يدها - على غير عادة - مما أملوا شيئا . إلا انهم لم يعدموا تقبيلها في طهر ، اعتراها منهم بعطفها وحدبها . فعلوا كل ذلك في سذاجة وبراءة وصدق . فأما الكبار فتطلعوا إليها في شفقة ظاهرة وأعينهم عندها معبرة بأصدق آيات الجميل

أما هي . فقابلت كل ذلك بنفس مرحة طروب ووجه كله ) إيناس ، وما بدا عليها اي بادرة مما تضطرب نفسها من لواعج الهم والحسرة . لم يبد عليها من ذلك شيء ، غير فرح أحالت به جوهم العابس الصامت إلي بهجة وسرور

وسردت ما مر بها فانخلت قلوبهم واستطارت جزعا . . ولكنها لم ترد من ذلك شيئا ، فهي ليست عادتها ، إنما حسبت ذلك قتلا للوقت ونصيحة تنفعهم إذا ساروا يوما في الطريق . . وما زالت بهم تنتدر مع الكبار وتعابث الصغار ، حتى استحال الحادث فكاهة نسوا معها ما كانوا فيه يفكرون

وعلمتها الأيام كيف تصمت .

فاذا هجمت للراحة - إن كانت - عزتها الهموم واستكلبت عليها الأفكار . كيف يكون الأمر لو لم يسعفها ذلك البائع الجائل فنجت من موت محقق أكيد ؟ ويعاودها السؤال : ماذا لو حسم القضاء وكان ما كان ؟

إنها لتضطرب مما ينتظرهم من مستقبل مظلم مجهول . كيف تتيسر لهم سبل العيش وهي - عندها - موصدة في وجه كل طارق شريف . . وهي لم تقنط بعد من رحمة الله . فهي مؤمنة بالله وبرحمته كل الإيمان . . ولكنها الإيام الأيام عليها اي اهوال تعترض سبيل الرغيف . وإنها لترضي - لنفسها - بكل صعب من الحياة وقاس ، تتقبله راضية باسمه على الا ينال قلامة ظفر الصغار مكروه .

وذكرها حادث اليوم بنوائب الماضي . . هذا الفقر وهو ينشب أظفاره الحادة السامة في جسدها وأهلها . يكرههم على ما ليس لهم به تجربة ولم يكن لهم سابق عهد ، فتصرخ بطونهم مؤيدته ، ويلح عليهم الجوع ثم يلح ، ويقف القدر منهم بعيدا وقد افتر ثغره الأجوف الكربه عن بسمة صفراء تنذر بالويل ، وتخفي وراءها كل معاني البؤس والتشريد . . فاثبرت وحدها تفدى الكبار وتحمي الصفار ، وكانت قربانا على مذبح الأيام .

وضحت في سبيل الكل ، وسخت في التضحية ، حتى إنها ما تأوهت يوما مهما افتن الدهر في تسديد الطعنة . وفي عنقها ، تنظر إلي دمها الغزير ، فلا يتكلم فيها غير قلب يتوجه إلى الله بين الحين والحين ، ليخفف المحنة ، ويزيل

الكرب ، وليعوضها في أخيها عما أصابها خيرا .

أجل . أخوها . فمجرد ذكره ومجرد رؤيتها له صباح . كل يوم وعند المساء ، كافية لان نتائج ما اججته في صدرها الايام ، وإنها لتري فيه المعزي والمسلي ، والمشجع على مجالدة الخطوب . عاشت لأجله على الأمل ، فتكسرت كل موجات الظروف العاتية على صخرة إرادتها الصلبة ، وارتدت خاسرة فلم تزدها إلا استمساكا واستبسالا .

إنها لتذكر كل ذلك ، إلا أن قلبها مع هذا عامر بالإيمان ، واثق كل الثقة بالله ، لم تغير صروف الدهر من عقيدتها شيئا ، فهي أبدا ثابتة ، وهي أبدا لله مطمئنة

إنها مازالت تعاني من أمر محنتها الكثير ، فمن إراقة ماء الوجه ، إلي بيع النفس وما ملكت يمينها ، إلي كل ما رخص وغلا في سبيل امنيتها ، لتري اخاها قد كبر شأنه ويمكن من اعاضتها عما فات . فاستمهدت من أجل ذلك الوعي من كل شئ . وطوت من أجل ذلك الليلة والليالي خاوية البطن ، حتى توفر له ما يطعمه ويغذيه ، وتعرت إلا من خلق الثياب لتكسوه وتأويه . وسهرت ومهدت عليه الليالي الطوال حتى ينام ويهدأ ، يشاركها في ذلك أخوات وأم مجوز ، والكل صابر متصبر مؤمل في وجه الله الخير الكثير ،

حتى هو ، أخوها ، لم يسالمها فيه الزمان . فحاربه وعانده وتنكر له وتجهم ؛ ولكنهم صبروا جميعا وصابروا ، وهي تتقدم القافلة وتقود الركب .

وما كان ليضحك لها الزمن يوما ، فهو عبوس قطوب ، وهي تذكر له نتفة مما كان يزفها في عبث بين الحين والحين ، نتفة كادت نودي بما أملته في غباهب العدم وطوايا النسيان ، ولطف الله بها ومر الحادث كغيره في سلام ؛ و كم من مثله مئات ومئات ، إلا أنه كان أشدها ألما وأوقعها نكابة ، ولم تنس - مع هذا - في نهايته أن تحمد الله .

مرت تلك الخواطر برأسها المتعب ، فما وعت مما حولها شيئا ، بها الآن في بيداء الحياة الواسعة ، تكافح بائسة لتصل إلى واحة واحدة من واحات السلام ، لتحط عصاها وليتولى اخوها البقية الباقية ، فتطلع بصرها المحدود نحو الأفق ، فإذا بينها وبين الغابة أميال وأميال ، وإذا ما حسبته غاية ما كان أكثر من سراب .

ولقد يمر عليها الليل طوله تفكر في الفقد وتفكر ، تستنبط في ذلك الحيلة لجلب الطعام . ولقد تمر الليلة والليالي وهي تبتهل لله دامعة ، ليبرأ مرضا حل أو مصيبة نزلت ، ولربما فوجئت وهي على هذا الشأن ، فتناومت حتي لا يشعر أحد بوقر الحال .

فهي قد فرضت تربيتهم عليها فرضا ، وهنأت الجهد - بذلك ؟ فكانت لهم الأب وكانت لهم الأم ، وكانت لهم كل شئ ، وودت من أعماقها أن تعطيهم أكثر عما تملك ؛ ولكن ما أضأل - مع العزة - ما كانت تملك

ولربما هان ذلك لو انتصف لها المجتمع ، فلم يشهر بها وينبذها في تهكم وسخرية واستهزاء

لكم استندت الأيدي ، واستدرت الرحمة . واها لها . وخانتها الشجاعة لأعوام ، فاستسلمت للأميرات .

وجاش بنفسها ذكر ابيها أما لو كان حبا لهنأت وعاشت كأترابها في سعادة ورخاء وهي بعد في مقتبل العمر ورببيع الحياة وما عرفت ما مقتبل العمر ورببيع الحياة . خلقت شقية

ما يفرقها عن الجارات والصاحبات . يرقلن في ظل والديهم في بحبوحة من العيش ورغد من الحياة . لا يهتمن لا كثر من يومهن . وهي وحدها الشقية

ولربما نظرن إليها في أنفة كأنا يحذرونها إلا تدنو منهن بحال ، فتأكل صدرها الحسرة ، ويشوي قلبها الالم شيا . ولا تملك غير التباعد والتغاضى عما يأتين . وعصفت بها الذكري لأودية الماضي السحيق . يوم

رفلت في ثوب الشباب فضحكت وأعيت . يوم لفتها السعادة بغلائها الحريرية الزاهية . يوم يوم لم تفكر في الغد

ومرت بيدها الناحلة فوق جبيبها المتغصن ، فأسفت لهذا العمر المنصرم وقد عصفت به الأحداث ، حتى ربما أخطأها الناظر على انها شارفت الخمسين . وما تعدت عقدها الثاني بسنوات . بئست الحياة كلها شقاء . أو على الأقل لها وحدها شقاء .

ليتها لم تكن . . غلبها الضعف فبكت . واستطرق جمعها صوت أخيها قد ارتفع في طلب حاجة . فجففت الدمع وأسرعت تلبي النداء . .

) كلية الآداب

اشترك في نشرتنا البريدية