الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 264 الرجوع إلى "الثقافة"

ادب الأسبوع، " هذا رأيي وعلي تبعته وحدي . .، الصديقة بنت الصدقي - تاريخ حينجين - حرية، الفن

Share

الصديقة بنت  الصديق

تلقيت أمس الرسالة الآتية من الصديق المحقق الأستاذ أحمد محمد شاكر القاضي الشرعي :

" عزيزي " لعلك قرأت ) الصديقة بنت الصديق ( للكاتب الجريء الأستاذ عباس العقاد ، فإن لم تكن قرأت فاقرا : " وكانت - يعني عائشة - يحفظ من شعر عروة بن الزبير نفسه وتسوق الشاهد منه في موقعه ، كما قالت وهي تري النبي عليه السلام يتندي عرقا في يوم فائظ وقد جلس يصلح نعله : لو راك عروة لكنت المعنى بقوله :

فلو سمعوا في مصر اوصاف خده....لما بدلو في وسيم يوسف من نقد

لواحي زليخا لو ررأين حبيبه.......لا ترن بالقطع الفلوب علي الأيدي

كتب هذا في ص ٥٢-٥٣ ثم كرره في ص ٧١ : " وقد تقدم انها رأته في يوم فائظ وقد توهج خداء فقالت تتمثل بكلام عروة بن الزبير . . وكتب البيتين وقد سبق للكاتب أن ذكر القصة في كتاب ( عبقرية الصديق) ص ٢٠٩-٢١٠ بلفظ آخر ، اعتقد أنه تصرف فيه من عند نفسه ، وذكر البيتين محرفين ، ولكن لم ينسبهما إلي عمروة بن الزبير .

) فهذه قصة واحدة ، لعب الكاتب الحريء بأنفاظها ، وهي - فيما زعم فصه تتعلق رسول الله ، فكان واجب الأمانة بدعوة ان يحكيها يلفظها الذي رأه في مصدرها ، لتكون تبعة روايتها على راويها الأول . وكان

الواجب أن يدكر من ابن جاء بها ، ليخرج من عهدتها .

" أما هذه القصة فقد اطلت البحث عنها في الصادر المحترمة ، من كتب الحديث والسير والتاريخ ، حتى اتعبني البحث ، ثم لم أجدها . وهذا النوع من الكاتبين لا يتورعون عن تكذيب الأحارث الصحيحة المروية في كتب السنة الصحاح ، والتي رضيها اهل العلم بالحديث ، يكذبونها إذا لم توافق آراءهم وما يدعون إليه من نظريات يتناولون فيها قواعد الإسلام ، وبزعمون انهم يتبعون بذلك ما يسمونه ) طرق النقد الحديث ( ثم يحكون عن رسول إن وعن أصحابه الا كاذيب ، لا يرون بحكايتها بأسا ، وينسبونها إليهم نسبة جازمة ، وكأنها من الحديث الصحيح ، لا يتجرون ولا يبحثون ، إنما هو سواد في بياض ، يضل به الناس ، وهم يشعرون أو لا يشعرون

أنا لا أجيز لنفسي أنهم الكاتب الجريء بأنه اخترع هذه القصة من عند نفسه ، ولكن اظن انه راها في كتاب من كتب السمر ، فاجترا علي ان ينقلها وان يحكيها على أنها حقيقة تاريخية ثابتة ، ونسي ان امثال هذه الحكابات تعتبر حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه يجب في الحديث عنه تحري الصدق والصحة ، على قواعد أهل العلم بالحديث خروجا من تبعة قوله عليه السلام " من حدث عن بحديث بري أنه كذب فهو أحد الكاذبين

" ثم العجب العاجب أن تتطور القصة بين يدي هذا الكاتب الجريء ، فيكون هذا الشعر على لسانه من شعر عروة بن الزبير تتمثل ، عائشة للنبي عليه السلام تخاطبه به ، ولم يدر بخلده ان يتحري الحقيقة التاريخية عن عروة ابن الزبير ، وهل كان من الشعراء في الجاهلية أبي في صدر الإسلام ، وهل كان إذ ذاك موجودا على ظهر الأرض ، ولدته امه وولده أبوه ، أو كان في عالم الغيب ، ثم تعرفه عائشة ، ولم يعرفه أبووء ولم تعرفه امه ، ولم يره النبي عليه السلام ، لأنه لما يخلق بعد ؟ !

" الذي نعرفه من التاريخ الصحيح ، في امر عروة بن الزبير أنه ولد في آخر خلافة عمر سنة ٢٣ وقيل بعد ذلك أى بعد موت رسول الله بأكثر من ١٢ سنة . فكيف تتمثل عائشة للنبي بشعر عمروة بن الزبير قبل ان يخلق ؟ !

" أفدني ، أفادك الله : أمن قواعد العلم والأدب ، لدي الأدباء الكبار الإحركاء ، ان يخرجوا على كل قاعدة وضعها العلماء السابقون ، وان بأنفوا من التحري والتثبت فيما يقولون ويكتبون ، اعتمادا على قوتهم الجبارة ! وعلي عقولهم الضخمة ، فيحرفون ما يشاءون ، ويثبتون وينقضون ، لا يحاسبون أنفسهم ، ولا يحاسبهم غيرهم ، أم ماذا ثري من شأنهم ، فأنت أعرف بهم والسلام .

هذا كتاب صديقي كما جاءني ، لم أنقص منه حرفا ولم ازد ، وإنه في هذا الباب من علم السنه لمن أهل الاختصاص والرأي ، فليس لي تعقيب علي ما قال من هذه الجهة وإنما أثبت كتابه ليكون تحت أعين القراء يرون فيه رأيهم ، وتحت عبلي الأستاذ الكبير صاحب ) العبقربات " . ليجيبه بما يشاء أو برده إلي الحق إن كان مخطئا . .

ويسألني الصديق ، أمن قواعد العلم والأدب لدي الأدباء الكبار أن . . " ولست أردي إلخ يخصني الصديق بسؤاله ذاك ، ولم يتعجل النتيجة قبل أوانها والأستاذ المقادلم يزعم فيما كتب أو كتب عنه أنه من اهل الاختصاص في علم السنة ، ولو قدزعمتم ذلك اوزعمه  أحد لكان ثمة وجه المناقشة والجدل ، وإنما أنشأ هذا الكتاب وغيره مما سبق من كتب " العبقربات " على طريقته رفنه وحدود اختصاصه الأدنى في تحديد الشخصيات التاريخية وجلاء صورتها كما هي قائمة في نفسه وبعضها إلي الحياة ، وهو باب من الفن يعرفه قراء العربية للعتاد ، وأحسبه قد اشار إلي غابته تلك في مقدمة " عبقرية محمد " الكتاب الأول من هذه السلسلة ؛ وإنما تتجسد الشخصية الأربية في نفس مبغشئها نتيجة لمطالعات شتى في أزمان

مختلفة ، متقاربة أو متباعدة ، فإذا تمت الصورة تمامها في نفس الكاتب وامتلأ بها وعيبه الباطن شرع يكتب ، وإنما يعتمد فيما يكتب وفيما يرسم من خطوط الصورة على ما وعته الذاكرة في الأزمان المتقاربة أو المتباعدة ، لا على كتاب خاص أو مصدر بعينه ، وقد يذكر الحادثة ولا يذكر مرجعها ، وقد يذكرها ويذكر مرجعها ولا يتأتى له أن يحققها تحقيق العلم لأن نفسه ممتلئة بها منذ قرأها لأول مرة ، فتمر به كما تمر البديهيات لا يسأل سائل عنها برهانا ولا حجة ، فهذا من ذاك فيها أري .

تاريخ بيتين :

على أني بهذا الذي أبديت من رأى لا أريد أن أناقض صديقي الأستاذ شاكر فيما ذهب إليه من تكذيب هذه الرواية ، بل لعلي معه على الرأي في ذلك ، ثقة بتحقيقه وعليه في هذا الباب . وثمة حجة أخري تؤيد هذا الرأي ، ليست من علم السنة ولا من فن التاريخ ، ولكن من نسج البيتين نفسها :

فلو سمعوا في مصر أوصاف خده . . فإنه نسج مبادل ضعيف لا يقع في نفس أحد أنه من لغة العصر الأول أو م مما يجري به لسان شاعر من شعرائه ، وأحسب هذين البيئين - إن صح حدسي - لواحد من شعراء الخلاعة بعد القرن السابع ، فالهما في " أوصاف حد " غلام رقيق من غلمان الترك أو الروم يلتمس قربه أو بطلب وده ، على طريقة شعراء ذلك العصر وخلعائه ومجانه فلم يكن في عصر النبوة ولا بعده بمئات من السنين ، شاعر واحد ، عربي أو رومي ، كان خليقا بأن يقول : " فلو سمعوا في مصر " و " أوصاف خده "   و " بذلوا في سوم يوسف من نقد " من هذه التعبيرات السامية الساقطة الضعيفة الدلالة ؛ ولم يكن في عصر النبوة ولا بعده بمئات من السنين ، شاعر واحد ، عربي أو رومي ، كان خليقا بأن ينزع بشعره إلى مثل هذه البالغة المستحيلة في العقل والواقع في مثل قوله : " فلو سمعوا لما بذلوا في

سوم يوسف " ، وقوله : " لو راين جبينه لآثرن بالقطع القلوب على الأيدي " ولم يكن عروة بن الزبير ، ولا عائشة بنت الصديق ، من غلظة الذوق وضعف الحس البياني بحيث يتأتى لأحدهما أو كليهما أن يسوم محمدا عليه السلام سوم الرقيق في سوق الزايدة ، ولم يكن أحدهما او كلاهما ليسمح له دينه وتخرجه أن يتناول آية من  القرآن فيستخدمها هذا الاستخدام في باب واسع من الغزل او باب من المديح ، وإن القرآن عليهما لأعز وأكرم . . ثم إني أسأل : في أي غرض من أغراض الشعر كان عروة بن الزبير حليفا بأن يقول هذين البيتين : أفي الغزل ؟ فذلك لون منه لم يعرف قبل إبى  نواس ام في المديح وما عرف في مدائحهم إلى ذلك التاريخ وبعده أنهم كانوا يتمدحون بأوصاف الجد وملاحة الصورة !

ذلك رأي في هذين البيتين بأن كان صديقي الكريم يعتبه أن يعرف رأيي فيهما من ناحية أدبية ، أما ما عدا ذلك من أسئلته فإني أتركه وصاحب العبقربات بسأل منهما من يسأل ويجيب من يجيب .

حرية الفن

ويدعوني كتاب صديقي هذا إلى بحث آخر يتصل بسببه ، فقد ازدحمت المكتبة العربية في السنوات الأخيرة بطائفة غير قليلة من الكتب مختلف الوانها والغرض منها وتتحد في الموضوع ؛ تلك هي الكتب التي تتناول حياة محمد وسيرته وسيرة أصحابه وعصره ، على أسلوب من الفن ، أو أسلوب من رواية التاريخ ، أو في لون من ألوان العربية الدينية ؛ فثمة عشرات من الكتب والمقالات لعشرات من الكتاب قد اتخذوا عصر النبوة موضوعا لحديث ذي أفانين ، يختلف باختلاف من يتناولونه ذوقا وأداء وفنا ؛ فمنها الكتاب الذي حاول كاتبه أن يجعله للتحقيق والرأي ، والكتاب الذي خرج للفن وإمتاع القارئ، والكتاب الذي هيأه مؤلفه للحوار أو للمسرح ، والكتاب الذي أنشئ لتصوير عبقرية . .

. هذه الكتب على اختلاف غايتها ، من أين يتناولها الناقد : أمين ناحية الحقيقة التاريخية المجردة ، أم من حيث أداؤها المعني الذي انشئت له ، أم من حيث أثرها في قارئها باعتبار صلتها بعقيدته ودينه ، أم من هذه النواحي جميعا ؟

. ذلك الكتاب الذي حاول كاتبه ان يحمله للتحقيق والرأي فأصاب ما أصاب في الرواية والرأي ، وأخطأ ما أخطأ . .

وذلك الكتاب الذي أخرجه مخرجه للفن فالتمس للفن أسبابه كاملة وأغفل ما عداه من حقائق التاريخ . .

وذاك الكتاب الذي أنشي ليجلو صورة ويحدد شخصية ، ويبرز عبقرية كما هي في خيال منشئها .

وهذه الفصول ، وتلك الأقاصيص ، وهاتيك الصحف المسودة ، أيتناولها الناقد من حيث هي فن أم من حيث هي تاريخ ؟

لقد قرأت هذه الكتب جميعا ، وأعلى قرأت كل أو أكثر ما نقد الناقدون ؛ وإني لأحشي أن أكون مصيبا في الظن حين أزعم ان عدوي اعد ننا من الأدب الأورني حين حسيل إلي كثير من أداثنا وكتابنا اننا من تاريخ عصر النبوة بإزاء مادة يستخدمونها فيما ينشئون - للفن أو للتاريخ ، أو لما يريدون غير الفن والتاريخ - استخدم أدباء أوربا أساطير الإغريق وخرافات اليونان منذ عصر مضي . . وإن تاريخ هذا العصر لأعز علينا!

على ، إن للفن حريته ، ما في ذلك شك ، ولكنه هنا ، في هذه الحقبة من تاريخ الإسلام ، ينبغي أن يقيد بقيوده ؛ حتي لا تكون حريته سببا إلى فساد عقيدة ، أو إلى مسخ تاريخ ! . (قاف)

اشترك في نشرتنا البريدية