تحية وبعد - عندما بعثت بكتابي ، الذي تفضلتم فنشرتموه معقبين له بالعدد ٢١٧ من الثقافة ، لم أكن أحسب أنه سيخرج خصومة مستكنة ، أعلنتها وقلت بأنها دفينة وقديمة ، ولم تتفضل فتحدثنا عن وقائعها وتاريخ قدمها ،
وفي الحق أن شباب الأدباء أو أدباء الطليعة لا يعرفون هذه الخصومة وإن تصرفتها إليهم وحدهم ، فهم لا يجدونها في قلوبهم لشيوخ الأدباء أو لأدباء الشيوخ ؛ لأن شباب الأدباء لا ينكرون أدب الشيوخ ولا يجحدون اثره في ثقافتهم ، ولهذا يرون من البر بأساتذتهم أن يتحدثوا بفضلهم ، وأن يذكروهم بالخير كلما ذكرهم الذاكرون .
إن الخصومة يا سيدي الأستاذ لا تكون إلا حيث يكون الجحود او الإنكار ، وما كان للشباب ان يجحد أو ينكر ادب الشيوخ ، ولكن حز في نفوس الشباب
حقا أن ينكر أساتذتهم عليهم أدبهم وإنتاجهم ، وأن يعبرهم عميدهم تعبيرا مكشوفا إن دل على شيء فإنما يدل علي أن الشيوخ قد فقدوا العطف الادبي علي أبنائهم الشباب ، فما كان أجدركم أيها الآباء الأدباء بوصية حسنة من الله كريمة يوصيكم بابنائكم ان تشفقوا وتعطفوا ، وان تحبوا وتغتبطوا ولا تعيروا .
لقد انكرت يا سيدي ادب الشباب ، فكان منك الحد منه في لون واحد من ألوان الأدب وصفته بأنه الأدب الحالم أدب الغرام والهيام ، ثم قلت : " أما أن يكون الأدب علي هامش الحياة ، فالجزاء الوفاق أن يكون أدب الهامش هامش الادب " .
وهذه تهمة الصقت على وجه التعميم بشباب الأدباء ، وإن كانت متصلة بطبيعة حياتهم وأمالهم وخيالهم ، ولكنها على أي حال تهمة مشرفة باعثة على الخلق ، والإيحاء والإيجاد متى احسن الشباب تدبير عواطفه ، وصرف انفعاله إلي صور جميلة من الخيال والسمو والتسامي بالروح إلي اشرف الغايات . وهذا طور من الأدب يجب ان يكون في حياة الأديب ، إن خلت منه لغة جمدت أفئدة بنيها ، وتصلبت شراين حياتها . ومن غير الشباب يجول هذا المضمار من الأدب ؟ أتريد من الشيوخ أن تتصابي أم تريد من الشباب ان يتصنعوا الحكمة والوقار ؟ إن هذا لن يكون ادبا ، لأن الأدب صورة منتزعة من الحياة ، فهو جميل من الشباب إذا صور الشباب حقا ، وهو جميل من الشيوخ إذا صور الحكمة والوقار حقا
فهذا اللون الحالم من الأدب لن يكون على هامش الأدب إذا ما صدر عن قلب الشباب الحائر الضال وراء انشودته وأماله المتنقلة الشؤون رويدا في صحراء الحياة ، ولكنه يقع من هامش الأدب إذا ما صدر عن قلب يجتر الماضي ، هرم تركه الربيع يابسا محروما ! ولهذا فلست افهم كيف تلوم الشباب علي انه صادق التعبير والأداء عن شعوره وحسه ووجدانه . ومع ذلك ، فليس هذا اللون
من الأدب هو وحده جهد ادباء الشباب ، وإنما جهدهم قد بذلوه سخيا منذ عشرين سنة أو يزيد ، عند ما تفتحت عيونهم ، فلم يجدوا غير ادب المقامة ثم ادب المقالة ، فلم يرقهم هذا اللون من الأدب فشقوا سبيلا جديدا ، ونهضوا بأعباء القصة والرواية على الرغم من أن ذلك العصر لم يكن مهيأ لقبول هذا اللون الجديد من الأدب لحرمانه من عناصره الحيوية الفعالة كالمرأة وحرية التعبير ، وصراحة السفور والأداء ، ولكن شباب الأدباء قد نجحوا فكتبوا القصة والقوا الرواية ، حتى أصبحت لونا قائما في حياة الأدب ، ليس في مصر وحدها ، بل في جميع الأقطار الناطقة بالعربية وليس من الهين اليسير ان ينشيء الادب قصة أو رواية لأن هذا الإنشاء يحتاج إلى جهود أدبية وفكرية ونفسية لا تطلبها المقامة او المقالة . وهل من يبني بيتا من طابق واحد كمن ينشئ ناطحة سحاب أو عمارة أو مدينة ؟
لقد قضى شباب الأدباء على عصر المقامة والمقالة . وانشئوا عصر القصة والرواية ، فالقصة صورة منتزعة من الحياة ، بل هي الحياة متحركة دائبة في كتاب ، فمن من شيوخ الأدب - غير صاحب الأيام - كتب روايته ، وعاش في روح الشباب المتجدد ، ومن من شيوخ الأدب فعل ما فعله ولز وبرنارد شو الهرم المهدم الذي يعيش دائما في روح مرحة لا تشيخ ؟
والمسرح يا سيدي الأستاذ هو الآخر ميدان اقتحمه ادب الشباب ، وتركه الشيوخ هزؤا وسخرية ، ثم عادوا إليه ولكن بعد ان فاتتهم القافلة ، أو بعد أن تركهم القطار فعادوا إلي ادب المقالة يديجون ويكتبون إنشاء وتنميقا ، ثم يؤلفون ما يكتبون في كتاب ، كمن يجتر طعاما مختزنا ، ولهذا ، وفي هذا هم أكثر نتاجا ، وأكثر تجويدا !
و "السنما " يا سيدي الأستاذ هي الآخري مجال التأليف لأدباء الشباب ، ولقد اسعفنا "السنما" مجاراة للعصر الجديد ، لئلا تهم اللغة العربية بالقصور والقعود ، ولأن أدباء الشيوخ
لم يرغبوا في هذا اللون الأدبى ، حرصا على ادب المقالة والفصول واما ادب الحياة ، ادب الأيام ، ادب المجتمع أدب البيت والأسرة والشارع والعالم فليترك لهؤلاء المهوسين الذين غرتهم الحياة الجديدة في مباهجها ومباذلها .
فمن من شيوخ الأدب - غير صاحب الأيام من أضعف الحياة الأدبية الجديدة قصة ومسرحا و"سنما" ، ومن منهم من امدها بما تطلب من صور شتي منتزعة من صلب الحياة المملوءة بالعقد الاجتماعية والاقتصادية والتناقضات في التفكير والتشريع والعواطف والآمال والأطماع ؟ ألم ينهض ادباء الشباب بهذه الأعباء ؟ ليس ينبغي ان ننكر عليهم هذا الجهد المبذول ونعيرهم بأن أدبهم هو أدب حالم وبأنه ادب على هامش الحياة ، وان جزاءه الوفاق ان يكون على هامش الأدب !
ولقد نهض شباب الأدباء بأعباء أدبية شاقة وعسيرة . اليس الذين ينقلون دائرة المعارف الإسلامية هم من طليعة ادباء الشباب ؟ ولقد نهضوا بها قبل ان تكون مجلة الثقافة مع احترامنا لجهدها وإقرارنا بفضلها . وللشباب جهد أدبي آخر نفسه في قاعات المحاكم وفي المرافعات ، فلهم في هذا المجال ما يرتفع على أدب المقالة بيانا وبلاغة وتجويدا . والإذاعة اللاسكية وما ادخل عليها من حوار وأدب هي الأخرى جهد مشكور لشباب الأدباء دل على دقة ذوق وحسن اختيار وتوفيق .
إن مجال الشباب هو مجال الحياة لأنهم هم عصبها ومادتها ولان تفكيرهم وادبهم إنما هو انفعال دائم لوعيهم وحسهم مع عناصر الحياة التي يعيشون فيها ، فهم الينبوع المتدفق في صحراء هذه الحياة .
إن أدباء الشباب يا سيدي الأستاذ يفهمون الأدب فهما قد يختلف عن فهم أساتذتهم شيوخ الأدب ؛ فهم يفهمون الآدب على أنه صورة لتفاعل وعي الأديب بحيائه الخارجة المشتملة علي الجهد في المعترك ، والبيئة والتفكير والعاطفة والعقيدة والعرف متأثرة بالعادات والوراثات
والقوانين والشخصية الحافزة للآديب ذاته - وإن هذا الأدب أن يكون أدبا حيا ، إلا إذا صور هذا التفاعل تصويرا صادقا حقا ، وهو لن يكون إلا متي كان الضمير ، فإذا وجد الضمير وجد الأدب .
وأدباء الشباب يا سيدي الأستاذ لا يفهمون الأدب على وضعه المحدود في الأثر البياني وحده ، وإنما الأدب هو أداء فن اوسع نطاقا من هذا الأثر الإنشائي ؛ فالفنون جميعا موسيقى وتصوير وتلحين وغناء ورقص ورمز هي اداء ادبي يصور انفعالات نفسية لوعي الاديب او الفنان ، وهذا الآداء وإن اختلف في طريقة الإخراج هو ادب متصل برسالة الشباب في الحياة .
ولقد أسفت عندما وجدت سيدي الأستاذ الهادي الكريم يعير أدباء الشباب فيقول لهم : " إن كان الشيوخ يحاربونكم في مجلاتهم فأين مجلاتكم ؟ وإن كانوا يحاربونكم في الأسواق فأين كفاحكم ؟ " غفر الله لى ولكم ، فمن قال إن الشيوخ يحاربون ، ومن قال إن الأدب تجارة تحمل علي الأ كتاف يطاف بها في الأسواق ؟ إن الأدب الرفيع لا يغنيه تقدير العامة ، وإنما هو كالتحف تجله الخاصة وتقتنيه ، وما أرخص هذا الأدب الذي يتخذ تجارة وسلعة أسواق كل ما في الأمر أننا لجأنا إليكم ، فأصابنا ما أصابنا منكم ، ثم كنتم كمن يعير ضيفه في بيته . ولكن تفكيرا قليلا يعيد إلينا الأمر ، فأدباء الشباب وإن كانوا لم يجتمعوا إلي اليوم في مقامة واحدة أو حول مجلة معينة ، فهذا لأنهم يؤدون رسالة شائعة للكافة تلبية للحياة ، فجميع المجلات التي تظهر في مصر هي صحف منشورة للشباب ، فأقلامهم تحررها وتبعثها ، وليس فيها غير الثقافة وحدها هي التي شاءت أن تكون لشيوخ الأدباء ، وأن تحرص على هذا الرداء الهرمي الوقور .
إن أمامي طائفة من أسماء المحررين ورؤساء التحرير في جميع المجلات التي تظهر بمصر ، وإني لأجد أكثرهم بل جلهم شباب متطلع دائب التفكير والتجديد وليس فيهم غير
قليل من الشيوخ الآجلاء بل أني الأحظ أن المجلات العريقة في القدم كالمقتطف والهلال قد سايرت العصر فاحتضنت شباب الأدباء عنصرا مجددا لحياتها وقوتها ومستقبلها .
ولم يكتف سيدي الأستاذ بهذا التعبير فقال : " إن كل ما في الأمر ان الشبان يرون إقبال الجمهور علي مقالات الشيوخ وكتبهم ، أكثر من إقبالهم على مقالات الشبان وكتبهم فيحز ذلك في نفوسهم " وفي الحق ان الشباب لا يحز في نفسه أن يري ادب الشيوخ مقروءا ، ولكن يحز في نفسه ان يشعر بأن الشيوخ تضعه منهم موضع الخصومة . ومن علم سيدي الأستاذ ان الجمهور مقبل على مجلته لأن الشيوخ هم الذين يحررونها ؟ فقد يكون إقبال الجمهور راجعا إلي معني آخر أو حقيقة أخري تدركها إذ وجدنا اسماء جديدة طالعة في صحفات الثقافة ، مبتعثة جديد البحث وشيق التفكير ، وهذه الأسماء هي الآخرى لأدباء الشباب ، ولا أحب أن أسمى أو امثل .
ولقد أخذ سيدي الأستاذ علي الشباب تقليده للأدب الغربي وإقباله عليه . وإنى لأضع إصبع الأستاذ علي موضع الداء ليعرف الدواء ، ذلك لأن شيوخ الأدب العربي لم يعرفوا كيف يحبيون الشباب في هذا المعين الجميل الفياض بل إنهم بطرائقهم الموروثة ، قد عملوا على نفرتهم من هذا الأدب الحي الخالد ، مع أنه مبعث الوحي والتفكير والخلق والإخراج - فمجلاتنا خالية من هذا العلاج الفني الرائع الذي يلهم قلوب الشباب محبة لغتهم ، ويصرفهم إلي عذب ادابها لهذا انصرف كثير من الشباب عن الأدب الرفيع إلى غيره من الآداب الغربية الرفيعة ، وليس الذنب على الشباب وحدهم ، ولكن التقصير ظاهر إلي من يرد .
وهل يأذن سيدي الاستاذ فأخاطب شيوخ الادباء كما خاطب شبابهم ملتمسا بعض ألفاظه فأقول : وازنوا . ايها الشيوخ - بين ما ينتجه الشباب على ضعف جاههم وقلة موردهم وكثرة أعبائهم وتعقد امالهم ، وما ينتجه الشيوخ مع قوة سلطانهم وبسطة أرزاقهم واعتزازهم
بأسمائهم والقابهم ونفوذهم ، تروا أن الشباب أعز نتاجا وأكثر تجويدا ، وتواضعا .
وبعد - فأنا أرجو أن يثق سيدي الأستاذ بأن لا محل للخصومة بين شباب الأدباء وشيوخ الأدب ، وإنما هو التعاون الفكري يجب ان يحل محل هذا اللون من المفاخرة - وليس اعذب إلي الشباب من ان يجلس دائما من أساتذته مجلس التلميذ طاعة وبرا واحتراما .
) الثقافة
أؤكد للكاتب الفاضل أني قرأت مقاله في لذة وسرور ، لا كما قرأ مقالي في غضب وهياج ، وهذا هو الفرق بين الشباب والشيوخ . وأؤكد له أيضا أنه يسرني كل السرور أن يكون ما كتبه صحيحا ، وأن يكون الشباب قد فتحوا أبوابا من الأدب عجز عنها الشيوخ ، فليس أحب إلي من أن تريح مصر والعالم العربي من رسم مثلها العليا على يد شبابها ، ولو أدي ذلك إلي انهيار شيوخها ، وكم كان يودي أن أفاخر بما فعل الشباب في المسرح ، وبما أخرجوا من تصوير الحياة الاجتماعية في الشرق بعد دراسة عميقة ومعرفة تامة بأصول الفن ، وكم كان يودي أن يكون ما أخرجوا علي المسرح وعلي الشاشة البيضاء ابتكارا لا ترجمة واقتباسا ، وكم كنت أتمني وقد فتحوا باب القصة أن يتقنوه وأن يجودوه ، وإلا يكون مهلهلا إلا في القليل النادر وأن يكونوا وقد نقلوا دائرة المعارف الإسلامية إلي العربية قد أتقنوا دراسة التاريخ الإسلامي ، وبحثوا فيه وألفوا ، وأن يجري في عروقهم دم الشباب ، فيعكف فريق منهم على التاريخ الإسلامي والآداب العربية ، فيتبحروا فيها ويجيدوها ، وان يروا سوء المنهج الذي وضعه شيوخهم ، فيكملوا أنفسهم بأنفسهم كما فعل كثير من هؤلاء الشيوخ ، علموا أنفسهم لغة ، وعلموا أنفسهم تاريخا إسلاميا وأدبا عربيا ، وكان المنهج الذي تعلموا عليه أسوأ من منهجكم ، وخرجوا من مدارسهم اجهل مما خرجتم ، فأنشئوا لأنفسهم مدارس كانوا هم فيها واضعى المنهج والأساتذة والطلبة معا .
ثم - يا أخي - أظنك لم تقرأ مقالي إلا غاضبا ، ولو قراته ثابتا هادئا لما وقعت فيما وقعت فيه من التناقض العجيب
فلم أعتب على الشباب أن يكتبوا في الحب ، وان يسمعوا لنداء قلبهم الحائر وراء أنشودته المتنقلة رويدا في صحراء الحياة . ولكن عتبت عليهم أن يكون ذلك كل همهم ، ودعوت إلي أن تنصب بعض حرارتهم في مشاكل أممهم ، وأن ينتقلوا أحيانا من صحرائهم إلي ريفهم ومدنهم والا يعيشوا دائما في خيالهم بل يتواضعوا احيانا ويلمسوا واقعهم ، ولذلك سرني انك عدلت عن قولك الأول سريعا وقلت " إن مجال الشباب هو مجال الحياة لأنهم هم عصبها ومادتها ، وتفكيرهم وادبهم انفعال مع عناصر الحياة التي يعيشون فيها . "
ونقول إن مجلة الثقافة هي وحدها التى شاءت ان تكون لشيوخ الأدباء ، وان تحرص على هذا الرداء الهرمي الوقور " .
ثم تقول بعد أسطر قليلة إن الجمهور مقبل على هذه المجلة لا لشيوخها ، ولكن لما يكتبه شبابها .
فإذا أنا قارنت بين مقالك الأول ومقالك الثاني رأيت منطقا غريبا ، فشيوخ الأدب " يحجبون الشباب عن المسرح " في المقال الأول ويهملون ادبهم ، وفي المقال الثاني يفسحون صدورهم حتى يحتل الشباب كل جريدة وكل مجلة ما عدا الثقافة في أول المقال الثاني ، وحتي الثقافة في آخر المقال .
أمنطق هذا ؟ وهل أستمر في متناقضاتك ؟ هذا باب من أبواب التجويد الذي ادعو الشباب إليه .
وبعد ، فماذا يريد الشباب ؟ ايريد ان يكون مقياس الأدب وما ينشر وما لا ينشر هو السن ؟ وإذن فيجب على كل صاحب جريدة ومجلة أن ينشر للشباب ما يقدم إليه حسن ام ساء ، ويرفض ما يقدمه الشيوخ حسن ام ساء ، وتكون النتيجة ان يكون المقال مصحوبا بشهادة الميلاد او شهادة مصدق عليها من الطبيب إن فقدت شهادة الميلاد ،
وتكون سن الثلاثين فما دونها شهادة الجواز وما فوقها شهادة الحرمان ؟
أو يريدون أن تكون المجلات والجرائد كراسات إنشاء يتعلم فيها الشباب ما يكتب حتى يتم مدة تمرينه ، وقد يكون هذا اقتراحا في محله لو ان القراء افسحوا صدورهم واقبلوا على قراءة موضوعات الإنشاء من غير ملل ، ولم ينصرفوا عن المجلة سريعا .
أو يريدون أن يكتبوا ما يشاءون ويملؤا البلاد حبا مائعا وغزلا ذائبا وادبا لاهيا ، فإذا قال لهم الشيوخ جدوا بجانب لهوكم ، واعملوا بجانب حبكم ، وراقبوا الأخلاق في أدبكم ، قالوا إن الشيوخ يحجبونهم عن المسرح ، وإذا قدموا لهم النصيحة الآبوية الهادئة استخرجوا كل ما في جعبتهم من سباب وتلميح وتعيير
الحق أني قلبت دعوة الشباب علي وجوهها فلم أفهمها ، ورأيت ألا يمكن أن يستقيم أمر مجلة جدية إلا إذا كان مقياسها الجودة كائنة لمن كانت ، لشيخ أو لشاب ؛ وإذن ينهار السن وتنهار شهادة الميلاد ويصبح الأمر موقوفا على التقويم الذاتي لما يكتب . وها نحن تأتينا المقالات من أقطار العالم العربي فلا نعرف قائليها ولا نعرف سنهم فتنشر ما جاد مها مغتبطين ، ولا ندري ألشيوخ هي أم لشباب ، وكذلك تفعل فيما أظن - كل مجلة .
كل ما يمكن أن يكون لقولكم من وجاهة أن الشيوخ إذا اشرفوا على مجلة قد يرفضون مقالا لشاب بمقياس ذوقهم قد ترتضونه انتم بمقياس ذوقكم ، ولكن كيف تكلفونهم ان يتذوقوا بغير ذوقهم ، وان يحكموا بغير ضميرهم ؟
فإن أردتم مجلة تعليمية أو مجلة مقياسها ذوق الشباب لا غير ، فقوموا بها انتم ، تكتبون وتتذوقون وتضحون ، وترغمون الناس أن يتذوقوا ذوقكم وحدكم .
وإذا تبين ان من الواجب انعدام السن في المقياس وبقي مقياس الجودة وحده ، فلا معنى لصيحة شباب وشيوخ ، ولا لدعوة إلى معسكرين ، فدولة الأدب غير مصلحة الصحة
ودفتر المواليد ، هي دولة ينعدم فيها مقياس الزمان والمكان ، ولا اعتبار فيها إلا الموضوع وعرضه وقته .
وأخيرا أحب أن تعلم ويعلم إخوانك الشباب أن ليس الغرض الذي رميت إليه فخرا ولا مباهاة ، فويل لمن اهتد بنفسه وباهى بها ، وإنما اردت حث الشباب على الإجادة والجد وبذل الجهد فيما ينتجون .
وإذا أردت الحق فلا الشيوخ أدوا ما عليهم ، ولا الشبان قاموا بواجبهم - وإذا قسنا أعمالنا بأعمال الأدباء في الأمم الحية ضؤلنا معا ، وأدركنا أننا لم نقم * علينا من تبعات إلا بالقليل التافه الذي يخجل منه الشيوخ والشبان على السواء ، انظر إلي كل باب من أبواب الأدب سواء ما عالجه الشيوخ أو الشباب تر العجب اين الكتب التي يقرؤها أبناؤنا وبناتنا ، فتثقفهم وتملأ حياتهم متعة وفائدة - دلني على كتاب واحد في اللغة العربية للتاريخ الإسلامي شامل ألف بروح العصر وبما وصل إليه العلم ، ودلني على كتاب واحد واف في الأدب العربي أعرف منه تطوره وتياراته في جميع عصوره - ودلني على معجم لغوي واحد كتب للقرن العشرين ، ودلني على دائرة معارف واحدة يرجع إليها مثقفونا فيما وصلت إليه العلوم والفنون ، ودلني على المسرحية العربية و السينما " العربية التي إذا شاهدناها اعتززنا بها ؟ - قارن بين الفتي أو الفتاة يتعلم لغة أجنبية في مدرسة أجنبية ، فيضع يده على ثروة لا تقدر ، وفتي أو فتاة لا يعرف إلا اللغة العربية ، وقل لي أين ثروته ، تعالى معي نجمع شبابنا وشيوخنا ، وترم بهم إلي الجحيم بما أهملوا ونحن معهم
أفبعد هذا الفقر المدقع نسمع صوتا للمفاخرة بين شيوخ وشبان وليس ما يفخر به ؟ خير لنا ان نتواري جميعا من سوء ما نحن فيه ، ونتعاون معا على سد هذا النقص الفاضح ، ويبذل كل جهده لتكون الأمة أمة والأدب أدبا ، ولنمت هذه النزعة ، ولتكن هذه اخر كلمة للثقافة في هذا الباب .
