يخطئ أكثر المحدثين من أدباء هذا الجيل في إطلاق اسم أدب المناسبات على مدلوله من ضروب الأدب ؛ ذلك أنهم ينبثرون به فريقا من الأدباء الذين يتعقبون كل حادث عارض ، ويجرون وراء كل فرصة سانحة ؛ فيديجون فيها صحائف من المنشور والمنظوم ، غير مبالين ان يكون ذلك مما يتكلفه اللسان دون ما يجيش به القلب ، ولا مفرقين بين ان يتحرك القلم بوحي الإحساس المتدفق في الصدور ، أو أن تغص الصدور من الإحساس ما يجشمها إياه القلم الذي لا مندوحة له من أن يسود الصفحة أو الصفحات
وذلك نوع من الإنتاج الأدبي حقيق بأن ينتقص وان يعاب ، ولكن تسميته بأدب التكلف ووحي الاقتار والصنعة ، أبلغ في الإشارة إليه ، وأصدق في التعريف به والدلالة على حقيقة معناه - أما المناسبة التي تجيش لها النفس ، وتتدفق حولها منابع الشعور ، فليس من يعيب الأديب علي استيحائها ، أو يتوجه إليه بلوم ان يسئلهم دواعي الكلام فيها . والأدب الجدير بالخلود هو ما يمثل لنا الحياة في أصدق صورها ، فنراها ونسمعها ونجمعها ونتعرف إليها مادة حية تفيض بالانفاس ، واشباحا مجسدة
تتقمصها الأرواح ، ولا ينفث في الأدب تلك الروح الملهمة بكل ما فيها من حرارة وقوة وحيوية إلا هذه الدوافع المعارضة من أحداث الحياة كلما عرضت ظروفها أوعنت مناسباتها
وإذا كانت المهمة الأولى للأديب هي التوجيه والتسديد ورسم المثل العليا للحياة ، وتمهيد السبيل إلي أ كرم الغايات فيها ، فان نجاحه في هذه المهمة الشاقة النبيلة معا لا يتم إلا بخوضه غمار المجتمع ، والتقاطه جواهر الأفكار فيما حوله كلما لمعت له منها بارقة ، أو انحسرت أمامه عن لألأئها موجة وذلك هو التماس المناسبة في أظهر معانيه .
والوضوح في الأدب صفة بالغة الأهمية ؛ ومن أقوي دواعي ذلك الوضوح ان ترتبط المعاني وتتداعي الافكار ، فتنتظم قلائدها في لبات العقول ، وتتعاكس أضواؤها تعاكس الأشعة في متقابل المرايا . والمناسبة القريبة هي الرابطة التي لا تنقصم ، والداعي الذي يتقدمة أرباب البدائه الطبيعة المنقادة ، ممن اوتوا الحكمة وفصل الخطاب ، وارتقموا أعلام هداية للناس وإرشاد . كان الإمام على رضي الله عنه صامتا في مجلسه ذات يوم عندما نطق رجل بحضرته فقال : أستغفر الله ! كلمة جليلة تنطوي من أسرار الحكمة على مالا يستوعبه إلاعقل نبي ، أو وصي نبي . ولم
يشأ الإمام أن تمر هذه المناسبة دون أن يعترضها ، فتدفق عن فريحة ملهمة يقول ) ١ ( : ثكلتك أمك ! أتدري ما الاستغفار ؟ الاستغفار درجة العليين ، وهو اسم واقع على ستة معان : أولها الندم على ما مضي ، والثاني العزم على ترك العود إليه أبدا ، والثالث أن تؤدي إلي المخلوقين حقوقهم حتى تلقي الله املس ليس عليك تبعة . . والرابع . . والخامس . . والسادس . . وهكذا حتي استوفي الإمام - عليه رضوان الله - الكلام في الاستغفار بمالم يدع بعده مقالا لقائل .
إن كان في أدب المناسبات نقيصة فذلك عجز أكثر المتعرضين له عن بلوغ الدرجة الرفيعة فيه ؛ لأنه عباب متدفق جياش منبعه السلائق المطبوعة ، ومجراه البدائه المستوفزة ، وروافده العلوم المنتخلة المنتقاة ، على غزارة فيها لا تغضب ، واستجابة لا تتأبي ولا تستعصى . وإن هذا العلم النفيس الذي يحتشد له العالم والمتعلم ، ويلتقي على بركته المفيد والمستفيد ، ليأبي أن يؤتى ثماره بائعة مالم يتمكن من الذهن تمكن البذرة من الترى الخصيب ، وهو لن يكون كذلك إلا أن يجيء معه من المناسبة والملابسة ما بقيه آفات الغموض ويدفع عنه عوادي النسيان . وتحريا لمثل هذا القصد كان أبو الحسن الصناري النحوي ) قطين مذاتة من قرى خوارزم ( يراعي في مجلسه للدرس من المناسبات ما يثبت به علمه ، وينبط إليه فرائد حكمته . قالوا ) ٢ ( : كان من لطائفه إذا قام واحد من أهل الرستاق في مجلسه أن يناديه من على المنبر بأعلى صوته . يأيها التيس الذاتي ، إترك المنام واسمع الكلام ، ثم ينشده :
وصاحب نبهته لينهضا إذ الكري في عينه تمضمضا
ختمام عجلان وما تأرضا وثم ٣ ( بالكفين وجها أبيضا
ثم يقول : تمضمض من النعاس إذا دب في عينه ، ومنه المضمضة في الوضوء ؛ سميت بذلك لأن الغاسل يمضمض الماء في قمه ، أي يديره ويجريه فيه . وقريب من ذلك ما جري في مجلس أبي سعيد السيرافي في السنة التي اقحط فيها العراق لظهور الجراد فيه ، وقد اجتمع إليه أصحابه يتشاكون خلأتهم وسوء أحوالهم . ونفرد رجل منهم بالشكوي من فقد أربعة آلاف جريب زرعها بنواحي النهروان بين ملك وضمان وإجارة ، فما لبث أن أتي الحراد عليها جميعا . . قال أبو سعيد وهو يربط في ذلك الحديث بمثله ، ويصل الشئ بما يناسبه طلبا للافادة ) ١ ( . " لا يهولنك أمرها ، فإنها جند من جنود الله مأمور . بلغنا أن جرادة سقطت بين يدي عبد الله بن عباس ؛ فأخذها ونشر جناحها ، وقال : أتعلمون ما هو مكتوب عليها ؟ قالوا : لا ، قال : مكتوب عليها : أنا مغلي الأسعار ، مع تدفق الأنهار . . وأورد في ذكر الجراد - يعني أبا سعيد السيرافي - ما حير الناظرين ؛ ثم قال : ومن أحسن ما وصف به الجراد قول بعض الخطباء حيث يقول : إن الله سبحانه وتعالي خلق خلقا وسماها جرادا ، وألبسنها أجلادا ، وجندها أجنادا ، وأدمجها إدماجا ، وكساها من الوشي ديباجا ، وجعل لها ذرية وأزواجا . " إلي آخر كلام طويل بليغ يرجع إليه في مصادره من أراد .
ولقد كان الرجل ربما تجود فكرته ويستقيم منطقه ، فيتدفق في بيانه عن مرتجل كالمزور ، ومبتدر كما لمحتفل به ، حتى ليتوهم الناس أنه يقرؤه من كفه . ثم تعرض المناسبة فتكشف منه عن مقدرة بلاغية طال جحدها . . كالذي حدث لخالد بن عبد الله القسري عامل بني امية علي العراقين حينما تدقق في خطبته يوما كعهد الناس به وهم لا يمترون في أنه يصنع هذا الكلام ويتهيأ له ، ثم سقطت جرادة على
ثوبه فقطع حديثه وقال بنعتها ) ١ ( :
" سبحان من الجرادة من خلقه ! أدمج قوائمها ، وطوق جناحها ، ووشى جلدها ، وسلطها على ما هو اعظم منها . " ثم رجع إلي كلامه من الخطبة ، فعرف الناس له فضل هذه البديهة .
ولأدب المناسبات علي عهدنا مكانة علية ، وموضع مرموق رغم زراية فريق من ادبائنا عليه ، إما لجهل عنهم بمعناه وبمرماه ، وإما لقصور في قرائحهم عن التعلق منه بسبب . وما أراني قرات عن تاريخ إيران وحضارتها في قديمها وحديثها بأوضح ولا احسن مما قرأت عنهما في فترة الاحتفال بهذا القران السعيد الذي ثم بين العائلتين المالكتين هنا وهناك . ولقد كانت نهضت قبل ذلك في مصر سوق رائجة لما يصح تسميته ب ) ادب الزواج ( في الأيام التي حقت بأسبوع اقتران مولانا الملك المعظم فاروق بصاحبة الجلالة الملكة . .
ولأدب الحرب عندنا اليوم - تاريخا ورواية وشعرا وقصة وسياسة وتقويم بلدان وغيرها - نهضة قوية وثابة ترجو أن تلمس آثارها النافعة بعد حين .
ولعل من أبرع المناسبات التي يستلهم فيها الأدباء روائع القول ما يكون من ذكريات مواليد العظماء ووفياتهم ، أو مرور الحلقات التامة على تواريخ الحوادث المشهورة في سير الممالك والشعوب . فثمة يقف الأديب الملقن وقفات بارعات يستلهم فيها من عبرة الماضي ما يهز به شعور الحاضر ، ويضفي علي أدبه من خلود الذكريات لبوسا سابغا لا تقوي علي نزعه أو إبلائه عاديات الزمن
ولقد يخمد فوات المناسبة من جمرة الفكر لدي بعض الادباء بقدر ما يؤججها الظرف الملائم في صدورهم ؛
وإلي هذه الحقيقة يشير قول المفجع الشاعر ١ من أبيات . وقد كلفه صديق له ان ينظم شعرا في المهرجان بعد فوات موعده
قد فات يوم المهرجان فذكره في الشعر أبرد من سخاء المفلس
على أن في الشعراء من يسعي إلي خلق المناسبة ويحتال لشحذ شعوره بالتعرض لها حتى يبلغ ذلك منه الحد الذي تجيش له نفسه بالأدب الأصيل ؛ وقد يسمى ذلك ) الاستيحاء ( بصيغة التطلب ، ولكن لنعلم انه ) الوحي ( نفسه غير متكلف - متى استجاب له الخاطر وانقاد معه الطبع . فقد كان الحسين بن مطير الأسدي ) ٢ ( - وهو من مخضرمي الدولتين - في مجلس وإلى المدينة يحادثه مرة ، عندما انهلت السماء بمطر جود ، فقال الوالي : صف لي هذا المطر . قال : دعني اشرف عليه . . فأشرف عليه حتى حلق في سماء منظره خياله ، وجاشت خواطره بفيوض من المعاني ، فنزل وهو ينشد قصيدته التي يقول فيها :
كثرت لكثرة قطره أطباؤه فإذا تحلب فاضت الأطباء
وهي من اجود ما سمع في وصف المطر والسحاب وما يتصل بهما .
وقد نقول احيانا إن فلانا يحسن ) الاقتباس ( او يجيد ) الاستشهاد ( ، وقد يستطرد القائل منا فيمر في الحديث من باب إلي باب وهو يردد : الشئ بالشئ يذ كر ، أو الحديث شجون ؛ وكل هذه صور مختلفه من التماس المناسبة يجيد عرضها وتجليتها قلة من الأدباء ، هم اشبه شئ في انثيال أفكارهم وتدفع خواطرهم بالسيول والعوارم ،
أو البحار الحضارم . وقد كان أبو عثمان الجاحظ في طليعة الرعيل من هؤلاء السابقين ، ولكنا نختص بالإشارة منهم أديبا آخر أعز منه ذكرا وأطرف حديثا ، ذلكم هو أبو الوليد محمد بن عبسي بن يزيد بن دأب الليثي ) المتوفي عام ١٧١ ه في أوائل حكم الرشيد ( . كان هذا الشاعر الراوية من أهل الحظوة والجاه والمكان المرموق عند الخليفة الهادي لبديهة فيه حاضرة وفطنة نادرة يفرج بهما كل مضيق ويسهل كل متوعر ، فكان لا يمر حديث الاقرنه برسيله وشفعة بشبيهه ومثيلة ، حتى لأحرد عليه منافسيه من أدباء عصره فوسموه بالكذب ووصموه بالفري والاختلاف . .
خرج الهادي يوما على أصحابه وهو مغيظ متغير . فتلطف بعضهم في استيضاحه حتى تكلم فقال ) ١ " لم أر كصاحب الدنيا أكثر آفات ولا أدوم عموما ! قد عرفتم موضع لبانة بنت جعفر بن ابى جعفر مني ، وأثرتها عندي . وإنها أغلظت لي بإدلالها في شئ فلم أجد صبرا قتلتها بيدي ، فندمت عليه ! "
فأبليس القوم لا يحيرون جوابا حتي تهيأ ابن دأب للحديث ثم اندفع فقال : وما في ذلك يا امير المؤمنين ؟ هذا الزبير بن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته ، ضرب امرأته أسماء بنت أبي بكر الصديق وهي من أفضل نساء زمانها حتى كسر يدها ، وكان ذلك سبب مفارقته إياها لأنه قال : أنت طالق إن حال عبد الله بيني وبينك - يعني عبد الله بن الزبير - فلم يخله وخلصها . وهذا عمر رضي الله عنه يقول : لا يسأل الرجل فيم يضرب امرأته . وهذا فلان . . وهذا فلان . وملفق ابن دأب يذكر من أمثال ذلك أحاديث مختلفات كأنما هو يخترعها اختراعا ، حتى سري عن الهادي وتفرجت
كربته ، ثم دعا بالطعام وأمر لابن دأب بخمسين الف درهم وخمسين ثوبا ! قال مصعب بن عبد الله الزبيري وكان - أحد الحاضرين - : لقد تأسفت كيف سبقني إلي شئ أحفظه مثل حفظه
ولابن دأب هذا عجائب معجبة من أمثال ما ذكرنا ؛ وهي تعد في مجموعها نماذج طريقة لهذا الضرب الذي نشير إليه من ضروب الأدب ، ونعني به ادب المناسبات .
والرجل ينتمي في الواقع إلي قسم ) الرواة ( من أقسام هذه المدرسة الأدبية المتشعبة ؟ ولكن ليس من العسير علينا أن نلمح هذا الحشد الحاشد في أقسامها المختلفة ، بين شعراء وناثرين ومحدثين ولغويين ونحاة وغير اولئك ممن يسهل علينا تقصى سيرهم ، واستنباط طرائف تفكيرهم وعجائب بدائهم
) جرجا
