كنت في مكتبي ذات مساء حين صاحت في أبنتي من غرفة درسها المجاورة :
- بابا
فرفعت رأسي قائلا : نعم يا حضرة . . ؟
قالت : ماذا يعني القمع ؟
قلت : من هو ؟ !
قالت : القمع ! القمع
قلت : وما القمع ؟
قالت : هذا ما أسأل عنه .
قلت : إذا هو شيء لا نعرفه نحن ولا أنتم !
قالت : فما الصنع ؟
قلت : ولا ذلك أيضا
قالت : فما القدع ؟
قلت : ويحك ؟ اين انت ؟ وعلي أي شئ سقطت الليلة ؟ !
قالت : هذه نصوص اللغة ( المختارة ) أحفظها !
قلت : و " مختارة " أيضا ؟
قالت : أجل ! هل تحب أن أسمعك شيئا في وصف الخيل
قلت : هات !
قالت : فركبناها على مجهولها
بصلاب الأرض فيهن شجع
كالمتالي عارفات للسري مستقات لم توشم بالقمع
فتراها عصفا منعلة بنعال القين بكفيها الوقع
يدرعن الليل يهوين بها
كهوي الكدر سيحن الشرع
فتناولن غشاشا سهلا ثم وجهن لارض تنتجع
قلت : كفي كفي ! اين الخيل في هذا كله ؟
قالت : أتسألني عن الخيل . وهذه كوكبة كاملة تسير
أمامك كالعاصفة في ابداعها ، فكيف لاتراها او تسمع وقع حوافرها التي " تكفيها الوقع "
قلت : سبحان الله ! أربني بابنيتي أنظر ماذا تقرئين ؟
أقبلت على من جانب غرفتها تسعى وفي يدها كتاب .
فإذا به قصيدة سويد بن أبي كاهل اليشكري . فمضيت اقرأها . وكلما اوغلت فيها ازددت شكا في امر نفسي ، وتحسست رأسي بيدي لأتأكد انه في مكانه . فقد اجتمع العنصران ولكن لم يحصل بينهما التفاعل المعتاد . . هذا كلام اغلب الظن انه عربي . وهذا رأسي الذي اعتدت ان أفهم به الأشياء - بعضها على الأقل ، - فأبن الفهم ؟ ! وما الذي عطله إلا ان يكون خلل طرأ على صفة احد العنصرين حال دون تفاعلهما ؟
واعدت القراءة تم اعدتها ، واستعنت بالقواميس التي بجواري حتى اتممت " ترجمة " القطعة كلها كلمة كلمة ، فإذا الشاعري " المفلق " يريد ان يقول إن فرسه فيها سرعة . ثم شبهها بالسهم ، وبالعاصفة ، وبالقطا حين تهوي إلي الماء لتأخذ حاجتها منه ثم تطير . .
قلت : " الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين " - صدق من قال :
" زرق العيون عليها أوجه سود ! "
قالت الفتاة : الله . الله ! هل جاء دورك أنت بعد اليشكري ؟ أم ان في الناس من لا يزالون بستغيثون من الرمضاء فلا يجدون إلا النار ؟ !
قلت : علي رسلك يافتاة ! إنما أردت ان اقول إن " سويدا " وضع معانيه الجميلة في جوف الفاظ خشنة . ثم جعلت أشرح لها الكلام كما فهمته ، فلوت شفتها واستردت كتابها . وعادت ادراجها . وانا افهم كل ما تريد ان تقول . فان ازمة المساكن الحالية علمت هؤلاء التلاميذ كيف يدركون قيمة الابراج الحالية في عقولهم ، فهم لا يريدون أن يسكنها " اليشكري " وكل من هب مثله
أو دب ما دامت الدنيا تزخر بالكنوز الآخر التي هي أجدر بأن تأوي إلي هذه العقول !
لقد اسمعنا الأستاذ أحمد الرزين مند ليال في دار لجنة التأليف أبيانا قالها شوقي في بطل الحديد المصري الأستاذ سيد نصير عند حصوله علي لقب البطولة العالي . فروي لنا كلاما أرق من النسم واسمعنا معاني أصفي من ماء الرن .
وإني أستأذنه في نشرها لتكون مثالا لما يصح أن يحفظه التلاميذ ، أما اليشكري فحسبه أن يقرأ أو يبقى مدونا في بطون الكتب فلا كلامه بكلام العصر ولا معانيه من معانيه . ففيم حفظه وتخفيظه وبين ابدينا هذه الروائع التي تقوي الملكات وتلين اللسان ؟
قال شوقي لا حرمنا الله منه :
قل لي نصبر وأنت برصادق أحملت إنسانا عليك ثقيلا ؟
أحملت دنيا في حياتك مرة
أحملت يوما في الضلوع عليلا
أحملت طغيان اللئيم إذ اغتني
أو نال من جاه الأمور قليلا
أحملت ظلما من قريب غادر
أو كاشح كان أمس خليلا
أحمت منا في نهارك مرة
والليل من مد إليك جميلا
أحملت في النادي الغبي إذا التقى
من سامعيه الحمد والنجيلا
تلك الحياة وهذه أثقالها
وزن الحديد بها فكان ثقيلا
فانظر كيف يكون الكلام في الحديد . ثم اعرف كيف ينبغي أن يكون الكلام في غيره من الموضوعات . . ونحن لا نريد باليشكري ولا بغيره شرا . فليبق كلامه وليتذوفه المتذوقون . ولكن اعتراضنا على ان نحشو اذهان
السغار بمثل كلامه ، فنكون كمن يرص المدر في صوانه رصا واللؤلؤ منثور بين يديه لو شاء ازين به واقتناه .
ولقد أذكرتني أبيات شوقي بأبيات رقيقة اخري قرأتها حديثا عن نبات القطن . وهو موضوع مصري يجب أن لا تخلو حافظة تلميذ من تلاميذنا من كلمة منه او كلمتين وها أنا اضع هذه الآبيات تحت أنظار من يشاء من أساتدتنا لتكون مثالا آخر لما يصح أن يحفظه التلاميذ - قال الشاعر الرقيق :
تكون القطن من يأس ومن أمل
فاسود باطنه وابيض ظاهره
يا حسن منظره يا فيح مخبره بيض اساريره سود سرائره
جمال كل نبات في شيبته وحسنه هو إن شابت غدائره
يفي ويغدر أحيانا . ويا عجبا
وافيه في مصر مرجو وغادره
فتأمل في حسن سبك العبارة ، وفيما تنطوي عليه من ضروب البيان والبديع وفي إيجازها البليغ ، وفي تلك الملاحظة الدقيقة الصادقة التي تضمنها البيت الأخير ، وهي تلخيص بديع لجميع الروابط الاقتصادية التي تربط مصر بمحصولها الرئيسي
على أن في أمر هذه النصوص التي تعطى للتلاميذ لحفظها كلاما نود اليوم ان نقول بعضه . ونرجو ان بتقبله منا من يعنيه هذا الكلام قبولا حسنا فقد وقعت في يدي مجموعة اخري من النصوص اراد فيها جامعها ان يستعرض للتلاميذ أنواع الكلام ليعرفهم بفنه وسمينه . وليدربهم على تقديره ووزنه . ويفقههم في أمور نقده . فأورد كلاما على انه ركيك وكان الكلام ركيكا حقا ووفق صاحب المجموعة في اختياره احسن توفيق . ولكنه مع الاسف لم يصب مثل هذا الحظ عندما أراد أنه يختار ما يمثل به
الكلام الجيد . فقد كانت القطعة الآتية من بين مختاراته :
قال المنفوطي من رسالة طويلة في الرحمة
أحسن إلي الفقراء والبائسين وأنا أعدك وعدا صادقا أنك ستمر في بعض لياليك علي بعض الأحياء الخاءلة فتسمع من يحدث جاره من حيث لا يعلم بمكانك أنك أكرم مخلوق وأشرف إنسان ! لو تراحم الناس ما كان بينهم جائع ولا عار ولا مغبون ولا مهضوم ولأقفرت الجفون من المدامع واطمأنت الجنوب في المضاجع
( وإلي هنا والكلام عين سائغ يجري في مجراه . ولكن استمع إليه بعد ذلك إذ يقول ) : ومحت الرحمة الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام ه وعلق صاحب الكتاب علي هذا الكلام فقال : اي قارئ لهذه العبارة وفي قلبه ذرة من الشفقة لا يشرك الفقراء في ماله ويخلطهم بعياله !
أما أنا فقد قرأت هذه القطعة فما إن جئت على الصورة المرسومة في كلماتها الأخيرة حتى قهقهت ضاحكا فلقد أذكرتني بالآيام الخالية . أيام " سيدنا الذي كان بضع محبرته النحاسية الطويلة في حزامه فيمسك باللوح الصفيح بيسراه ويعتمد به علي صدره ثم يستل من هذه المحبرة قلما من القصب يمسح بسناه على طرف لبقته ثم يغمسه في المداد . ويأخذ في الكتابة ثم لا يلبث المسكين ان يخطئ فيهوي بلساه علي الحرف الذي لا يعجبه ولا يزال يلعقه حتى يمحوه من صحيفته . تلك أمة قد خلت . فان كانت صورها قد اوحت إلي كتابها بتشبيهاتهم التي قد تكون سائغة في جيلهم فما لصغارنا نحن وهذه المتاحف الأثرية نزودهم بمنامها البائد . ونمدهم بأدواتها المنسوخة ؟
إن في الأدب أبوابا كثيرة . ونحن نقترح اليوم أن يضاف إليها باب جديد هو باب " الأدب المضحك " لنحفظ فيه هذا الكلام وأمثاله وإن امثاله لكثير
أذكر أبي كنت أفرأ منذ أيام في كتاب " صهاريخ
اللؤلؤ ) للسيد توفيق البكري . وهو من الكتاب الراسخين : فقلت استمتع بقوة كلامه فترة ثم رابته يقع هو الآخر في شئ يصلح لهذا الباب الجديد الذي نفتتح قائمة كتابه في هذا المقال
قال رحمه الله بصف القسطنطينية حين رحل إليها فذكر كيف نزل من السفينة وركب قطارا سرى به في الليل " كأنه ثعبان له عينان نقدان . ينساب في القيمان .
ويلتوي على الرعان ) وهذا كلام لا بأس بما فيه من محاسن ، ولكنه ما لبث ان قال مسترسلا في وصف هذا القطار ) أو أنه مبتدأ متعدد الأخبار أو كلم مجرور بحرف جار . او أنه بيت ذو تقطيع . من البحر السريع ( وهي كما نري كلها نكت في قافية علم النحو والعروض . ولذلك رشحناها لهذا الباب الجديد الذي يليق بها . علي ان الأمر ما يزال يقع إلي هذا الحد في دائرة الاحتمال والقبول . ولكن النقلة الثالثة هي التي صدمت ذوقي . ولم اجد لها ما استطيع ان ابررها به . فان الكاتب انتقل إلي وصف حسان القسطنطينية فقال ( : حسان قيد . كالأماليد عليهن مطارف كألوان الحرباء وأزهار الروض من حمراء وصفراء ! ( ما علينا ) خد تحت النقاب ، كالحمر في كأس الشراب ( جميل جدا ) في وجوه كالدنانير وأوساط
كأرساط الزنابير اسمع اسمع إنه يقول أوساط كأوساط الزنابير ! فلا حول ولا قوة إلا بالله ! أم تري ماذا كان ينبغي ان اقول ؟ ! إذ كيف تخطر هذه الزنابير ببال كاتب يفكر في الحسان القيد التي كالأماليد . وفي دقة أوساطهن
فبدلا من أن يقول إنها أو هي من جلد المحب كما يقول بعض الشعراء ، يقول عنها إنها كأوساط الزنابير لقد اراد أحد الشعراء تقبيح الورد فشبهه من حيث هو جسم احمر في وسطه غيش اصفر بعضو في البغل وهو يلقي روثه فهل فعل السيد أقل من هذا وهو يصف وسط الهيفاء بأنه كوسط الزنبور ؟ !
وللسيد مقال آخر وصف فيه غاب بولونيا في باريس فقال : بطاح في بطاح . وشجر دواح وطرق بين الأدغال كهدي في ضلال كأن أغصانها وهي تميل وتعتدل شارب ثمل ( وهذا جميل حقا ) . وفي جوانب هذه الحرجة صخور وشعاب . واحجار وهضاب تجري بينها خليج كأنها اراقم جدت في الهرب ( ليس هذا ولا بد ! ) وكان كل خليج حسام والظل صداء او ان ذلك الظل في خد أسيل أو طرة على جبين صقيل " وكل هذا حسن وكلام خفيف الظل ، ولكن صاحبه ما لبث ان عاد إلى ما اعتاد ان يقع فيه من التشبيهات المصطنعة المتكلفة فقال :
" وكان الحصباء في الماء . شابا عذاب في رضاب " فلم أملك أن اتصور ذات هذه الثنابا وقد سال لعلابها على صدرها كالأطفال لان التشبيه يوحي بهذه الصورة "
وأذكرني السيد بقوله هذا كلاما للقاضى الفاضل ولعله استاذ السيد الذي تلقي عنه هذه الصناعة - وهو يصف محاصرة جيش صلاح الدين لبيت المقدس فقال : زاول المدنية من جانب فإذا هو اودية عميقة : ولجج وعرة غريقة . وسور قد انعطف عطف السوار . ويروج قد نزلت مكان الواسطة من عقد الدار " كلام ! " وقدم المجنيقات . " وهنا بيت القصيد . " فصافحت السور فإذا سهامها في ثنايا شرفاتها سواك " لافض فوك ايها الفاضل المتعمل . . تري كم سماء من سماوات الخيال حلقت فيها قبل ان تقع على هذا التشبيه المادي الغريب ؟ "
على أن مصيبة الذوق في أمثال هذه التشبيهات كلها أخف هما وقع لي يوما وانا أقرأ لشاعر بريد ان يصف منجنيقاته على طريقته الخاصة . فقد شاء غفر الله له ان يري بقاذفة من فذائف تشبيهاته لن تدرك غايتها منجنيقات القاضي الفاضل اراد ان يقول ) إنه بري أعداءه بأحجار صلبة مستديرة قوية . فلم يفتح الله عليه إلا بقوله :
جلاميد يملأن الأكف كأنها
رءوس رجال حلقت بالمواسم
فانظر أية صورة رسمها هذا الفنان الفذ ليوم العيد في بلده إني مذ قررات هذا البيت لا أذكره مرة إلا وتسبح في ذهني اشباح رجال هذا الشاعر وهم يسرحون ويمرحون برءوسهم المستديرة الخضراء من أثر الموسي في يوم عيدهم ليوحوا بمنظر هذه الرءوس الكريمة إلى خاطر شاعرهم المبدع بهذا المعنى الخطير الذي وقع عليه
ونخشى ان نستطرد في هذا الحديث فنفعل فعل الصديق الجاهل من حيث لا نشعر . ونفسد ذوق القارئ بكثرة ما نعرض عليه من هذه الأمثلة الفاسدة . ولعلنا نعوضه خيرا من تشبيه السيد البكري لخحصباء الماء التي كأنها ثنايا في رضاب ، بكلام الشاعرة الأندلسية الرقيقة التي نزلت بواد جميل قالت في وصف اشجاره وحصبائه
وقانا لفحة الرمضاء واد سقاه مضاعف المعيم
حللنا دوحه فخنا علينا حلو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالا ألذ من المدامة للنديم
بصد الشمس اني واجهتنا فيحجبها ويسمح للنسيم
بروع حصاه حالية العذاري فتلمس جانب العقد النظيم
ولنجعل هذا الكلام الحسن الجميل مسك الختام

